بقعة نائية على الاطراف في الحدود بين تركيا والعراق موطن حكايات التشتت والمطاردة والعسف، بخيط نازف من الألم والمرارات لاينتهي هناك في خيام اللاجئين وبين حقول الالغام، وتجري احداث فيلم «السلاحف يمكن ان تطير» للمخرج الكردي الايراني بهمن قبادي الذي عرض بقاعة نادي المنطقة الشرقية الادبي. مجموعة من الفتية والاطفال وقعت الحرب حضورها على اجسادهم، وتركت اثرا لايزول علامة في اجساد معطوبة مثلومة، تطايرت منها الايدي والاقدام وبقي منها جذاذات ونتوءات لا تقول عذابهم وعجزهم وحسب لكن الشاهد الحي والدليل الذي لا يطمر عن قسوة الحرب وفظاعتها، عن عين تذهب الى العمى وانسانية تذهب الى الخراب وهي تحصي ارقام الضحايا مجرد ارقام.. ارقام الالغام المدفونة.. مجرد ارقام.
في هذه الصور ينسج قبادي التفاصيل الموجعة، يكشف الحياة الغائبة في الارقام التي تحكم الغطاء وتصنع البلادة، يحضر الشهود، وليس الممثلون، يحضر «الاحياء» في نقصهم الفادح، في كمالهم الطاغي، يستأنفون العيش ويردون اللعنة بأقصى ما يستطيعون لهم حلم السلحفاة اذ تطير، «محكومون بالأمل» كما تقول حكمة سعد الله ونوس الذهبية رغم الخراب وسوءة ما يحدث يحملون المقاطف والسلال، سلال ليست للورود مقاطف ليست لمحاصيل الارض، عيشهم مما يصنع موتهم واعاقتهم، يفككون «حقول» الألغام ويعيدون بيعها، من موتهم يحيون، يصوغون اسطورتهم ويصونون سر البذرة التي تستعصي على الفناء.
ان المقولة البصرية الرئيسية لهذا الفيلم عن الالغام واثرها التدميري البشع والمشوه لعالم الطفولة ومقتبل الحياة، وبموازرة هذا الاثر ينهض تحول، ربما يضاد ويرتفع على الاجزاء المبتورة من الجسد، الطفل باشو، المقطوع الرجل يتبدى وهو يتوكأ العصا راكضا ليس في وضعية من يخجل شأن امثاله من المعوقين انه ينساب بليونة ورشاقة، اشبه ما يكون بطائر بحري، لايشق الماء بل يطير في الهواء، وهالجوف المبتور اليدين وهو قصيدة الفيلم ومجلى عذابه يعلو على اعاقته بتدبير امور عيشه مع اخته والقيام بتربية الطفل الاعمى الى ذلك له تلك القدرة المتسامية من نقص الحواس الى حيازة مافوق الحواس، وهي قدرته على التنبؤ والحدس بما يلي من احداث هانجوف، المبتور اليدين القادم من سعير حلبجة، ذو الكلمات القليلة وفارد خيمة الحنان على اخته انجرين المعذبة بذكرى الاغتصاب وبصورتها القائمة امامها طفلها الاعمى ينشر خيمته على الاثنين يسعى دون كلمات. ملامحه تغرف من بئر انفعالاته وحدوساته، فتصبغ باهتزازات الألم وبضربة طائر الموت الذي يخطف الاخت الى الهاوية تمحو شقاءها، بعد ان اوثقت صغيرها الى صخرة خلاص تحمل لون مصيرها.
في هذا الفيلم تذهلنا اجساد بانطوائها على كم هائل من العزيمة والجرأة وهي ترفع من حقول الالغام كسر الحياة الهشة تسند اعمارا صغيرة بلا سند يحوطهم النسيان الكبير وطبول الحرب التي تقرع كل حين.