رغم قناعتي بأن دول الاتحاد الأوروبي تمتلك مخزوناً تاريخياً كبيراً من الخبرة في التعامل مع إيران، لكنني لا أجد لهذه الخبرة أثرا كبيرا في الرؤية الإستراتيجية الأوروبية حيال الملف النووي الإيراني.

تتمسك أوروبا بشكل قوي وواضح بالاتفاق الإطار الموقع بين إيران ومجموعة «5+1» وترى أنه الأساس للعلاقة مع إيران، كما تتمسك أوروبا بالفكرة القائلة بأن الاتفاق شيء وانتهاكات إيران للقانون والمواثيق الدولية في برنامجها الصاروخي شيء آخر منفصل تماماً.

هناك نقطتان تستحقان النقاش في هذه الرؤية الأوروبية التي تبدو مقنعة ظاهرياً، ولكن باطنها خاو تماماً من المنطق والإقناع؛ أولهما النوايا، فالاتفاقات والتفاهمات الدولية في مجملها هي مرآة لنوايا الأطراف الموقعة عليها، وتبنى بالأساس على الالتزام بحسن النوايا في العلاقات الدولية، وبالتالي لا يعقل أن تكون دولة ما ذات نية حسنة في هذا الملف فيما تبدي نوايا بالغة السوء في ملف آخر ذي صلة وثيقة بالملف الأول وليس بمنأى عنه، وهذه هي النقطة الثانية، فترابط الملف النووي مع ملف انتهاكات البرنامج الصاروخي الإيراني مسألة مفروغ منها تماماً من الناحية الفنية البحتة، فالملفان ربما يبدوان بالفعل منفصلين إجرائياً وشكلياً، ولكنهما وثيقا الصلة ببعضهما البعض من الناحية الفنية أو التقنية المتخصصة. إذ لا يعقل أن تمضي إيران في برنامجها الصاروخي من دون أن تمتلك برنامجاً نووياً قادراً على صناعة قنبلة نووية!

الملفان هما بمنزلة «الحامل والمحمول» فلا يمكن أن تمتلك وسيلة النقل من دون أن تفكر في ما ستنقله بها أو تستخدمها فيه، وإلا صار الإنفاق العسكري الباهظ في تطوير البرنامج الصاروخي وتحمل أعبائه وتكلفته الإستراتيجية والاقتصادية، سواء برامج التطوير وميزانيته أو العبء الناجم عن العقوبات الدولية التي تتحملها الخزانة الإيرانية بسببه، صار هذا الإنفاق من دون طائل، أو أموالا مهدورة، وهذا أمر غير دقيق في ضوء تجارب النظام الإيراني الذي يوجه معظم مداخيل الدولة الإيرانية نحو الإنفاق والتسلح والخطط التوسعية الإقليمية!

ندرك أن أوروبا تحاول فصل الملفات والتعامل مع كل ملف على حدة، وتعتبر أن الاتفاق النووي «مكسب إستراتيجي محقق» ويجب تجنيبه، وهذه وجهة نظر ولكنها لا تصلح في الحالة الإيرانية، سواء في ضوء الثغرات التي تكتنف الاتفاق نفسه، لا سيما في ظل تعنت الملالي ورفضهم التوقيع على البروتوكول الإضافي لوكالة الطاقة الذرية، والمختص بحالات التفتيش المفاجئ على المنشآت النووية للتأكد من التزام إيران ببنود الاتفاق، أو لأن النظام الإيراني نفسه يمضي في تطوير صواريخ باليستية متوسطة وبعيدة المدى ضعيفة الجدوى من الناحية العملياتية العسكرية ما لم يكن هذا النظام ينوي أو يخطط لأن تكون هذه الصواريخ حاملة لرؤوس نووية أو رؤوس أخرى من أسلحة الدمار الشامل.

تعتمد أوروبا في تقييمها لقدرات النظام الإيراني والتزامه بالاتفاق النووي على جولات التفتيش العادية، التي يقوم بها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تركز على المنشآت النووية المعروفة والمدرجة على أجندة عمل هذه الفرق، ولكن غضب الملالي حين يأتي أي حديث أو تصريحات على ذكر المنشآت العسكرية يوحي بأن ثمة الكثير الذي يخفيه هذا النظام عن الرقابة الدولية.

صحيح أن الاتفاق النووي استغرق مفاوضات طالت حتى عقد كامل من الزمن، ولكن هذا لا يعني غض الطرف عن انتهاكات إيران سواء للاتفاق نفسه أو في أطر عسكرية أخرى، فالمخاوف التي ارتبطت بالاتفاق هي مخاوف عسكرية بالأساس وبالتالي فإن أي انتهاكات لها الطبيعة ذاتها لا يجب أن تنفصل عن جوهر أي حوار مع إيران!

الكل يعرف موقف الاتحاد الأوروبي ويدرك أنه يمتلك مقاربة مغايرة للجانب الأمريكي في التعاطي مع التهديد والخطر الإيراني، ولكن الشواهد تقول بأن الملالي لا يفهمون تلك اللغة الدبلوماسية التي يتحدث بها الأوروبيون، ولا يبدون تقديراً سوى للغة الخشنة لاسيما إن استشعروا أن بالإمكان ترجمتها في مرحلة ما إلى أفعال، فأكثر ما يهم قادة النظام الإيراني هو بقاؤهم في السلطة، وأكثر ما يخيفهم هو تهديد هذا البقاء، لا سيما ونحن في مرحلة تبدو علاقاتهم مع الشعب الإيراني مأزومة ومتدهورة وتعاني إرهاصات الانهيار والسقوط.

الكل أيضاً يتذكر سلوك إيران أثناء الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، وأثناء قصف حركة طالبان عقب اعتداءات 11 سبتمبر 2001، وكيف كان الملالي يرتجفون خشية أن يصيبهم الغضب الأمريكي، وكيف قدموا كل التسهيلات اللوجستية اللازمة التي طلبت منهم وهم صاغرون!

لا أحد يقول بإعلاء مبدأ التهديد بالقوة في العلاقات الدولية، فهذا المبدأ واستخدامه ضار تماماً، ولكن هناك حالات تتطلب قوة ردع ملائمة تناسب سياسات الأنظمة الطائشة التي تواصل اختراق ما استقرت عليه الأسرة الدولية من أجل بناء عالم خال من العنف والفوضى والحروب.

* كاتب إماراتي

alketbi.research@gmail.com