ما الذي يدفع بعض المتشددين إلى قذف فئة من نساء المجتمع ورجاله في أخلاقهم سوى الهوس بالمرأة والتدخل الصريح في جميع ما يتعلق بشؤونها من شكل اللباس إلى مجال التعليم والعمل، ذلك الهوس يختزل الجسد الأنثوي إلى مقام الشيء المحرم والمقدس كأسلوب من أساليب توثيق الربط بين الأخلاق والمظهر، فالتحجيب للشكل والمجالات المكانية التي من الممكن أن توجد فيها النساء أخذ في شكله أحكاما متعسفة تقتضي الحفاظ على المرأة ومن ثم تقييمها أخلاقيا، وهذا يرتبط أيضا بمستقبلها وبمقدار التقدير الاجتماعي لها ولعائلتها، إلا أن تفريطها ولو بجزء بسيط مما يفرضه هذا المظهر، يتسبب في العشوائية والفوضى حين تدان بالغواية وتتهم بفتنة الرجال.

كان الاحتشام هو الهدف من الحجاب، لكنه ليس مبررا لعزل المرأة عن الحياة العامة وفق اشتراطات المجتمع الذكوري، فالحجاب يطرح نفسه في قالب تسمية الأنثروبولوجيا الاجتماعية «سوسيولوجيا المظهر»، وضمن هذا الإطار فهو يعطي وظيفته لخدمة العديد من التوجهات، غير أن يكون ذلك السلوك الذي يعنى بإخفاء المرأة عن أعين الرجال، ولكن هذا في المقابل أعطى أداة مضمرة مضادة جراء فصل الجنسين، وإبعاد كل منهما عن التعامل مع الآخر، مما ساهم في تكثيف نظر الرجل تجاه النساء بالرغبة التي تتضاعف حدتها كلما زاد اختفاء معالمهن خلف الحجاب.

عاشت المرأة بين ضدية المعايير وأعني (الستر والعار) التي جعلت كرامتها المرتبطة بكرامة أهلها في وضع مهدد غير آمن، حتى كان التعسف ضدها مدعاة لبلوغ الارتياح، وحتى أصبحت هذه المعايير تشكل عقدا اجتماعية مركبة من الجهل والهوس والأمراض النفسية، فسقط العار على المرأة لتكون عورة وموطن للضعف والدونية، وأصبح هاجس الافتضاح أساسيا يفرض على البعض التمسك بالمظاهر التي تشكل له الحماية وتقيه من الوقوع في سوء النظرة الاجتماعية، فضلا على أنه لا يتوانى في تسويق نظرته إلى الناس كمعيار إلزامي بافتراضه أن يكون التحديد الصحيح لكافة التعاملات بين الجنسين، ومنها يأتي التعامل مع خروج المرأة لسبل حياتها كشحنة إغراء تشترط الإثارة للرجال في أبسط التعاملات، بالرغم من أن عزل النساء لم يكن ولن يكون الطريقة المثالية لتنظيم الغريزة عند الرجل.

تعامل البعض مع المرأة وفق هذا التصور يشكل ظلما كبيرا لها وانتهاكا لحقها الإنساني بالطريقة التي تحرمها من فرصة التكافؤ وتقلل من احترامها لذاتها وكذلك الآخرين، فالمرأة اليوم ليست ابنة الستينات إنما هي ابنة المستقبل التي لم تعد تتناسب هذه النظرة مع آمالها وطموحاتها، وهي بحاجة إلى تعامل من نوع آخر تفرضه متطلبات اليوم بالشكل الذي يبقيها في المنزلة التي تستحقها وتعكس منها النفع للمجتمع.