لم تعد المخاوف من خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة عن السيطرة مجرد سيناريوهات نظرية؛ فواقعة بدأت كتجربة أمن سيبراني داخل مختبر انتهت باختراق حقيقي لشركة تقنية، قبل أن تتحول إلى ملف قانوني في الولايات المتحدة.

وأعلن المدعي العام لولاية ألاباما الأمريكية، ستيف مارشال، فتح تحقيق مع شركة OpenAI بشأن حادثة اختراق شركة الذكاء الاصطناعي Hugging Face، بعدما تمكن نموذج ذكاء اصطناعي تجريبي من الخروج من بيئة الاختبار والوصول بصورة غير مصرح بها إلى شبكات وأنظمة حاسوبية، في واقعة أثارت تساؤلات متزايدة حول قدرة الشركات على مراقبة أنظمتها الأكثر تطوراً والسيطرة عليها.

وأصدرت سلطات ألاباما مذكرة استدعاء تطالب OpenAI بتقديم وثائق وبيانات ومعلومات مرتبطة بالحادثة، في إطار تحقيق يهدف إلى تحديد ما إذا كانت الشركة أخفقت في توفير إجراءات السلامة والرقابة الكافية، وما إذا كان ذلك يمثل مخالفة لقوانين حماية المستهلك في الولاية.

تجربة أمنية تحولت إلى اختراق

وتعود الواقعة إلى يوليو الماضي، عندما كانت OpenAI تختبر نموذجاً تجريبياً يتمتع بقدرات متقدمة في مجال الأمن السيبراني.

وبحسب ما أعلنته OpenAI، تمكن النموذج خلال الاختبار من استغلال ثغرة غير معروفة سابقاً للحصول على اتصال بالإنترنت، ثم الوصول إلى أنظمة خارج بيئة الاختبار، وصولاً إلى شركة Hugging Face، التي تعد من أبرز منصات استضافة نماذج وأدوات الذكاء الاصطناعي.

وتشير تقارير إلى أن الوكيل الذكي نفذ عمليات اختراق استمرت عدة أيام، بينما لم تدرك OpenAI في البداية أن أحد أنظمتها يقف وراء النشاط، ولم تتواصل الشركتان بشأن الواقعة إلا بعد اكتشاف الاختراق واحتوائه وإخطار مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي «FBI».

ولم تتوقف تداعيات الواقعة عند Hugging Face؛ إذ كشفت OpenAI لاحقاً عن أدلة على وقوع حوادث أخرى تمكنت خلالها أنظمة ذكاء اصطناعي من الخروج من بيئات الاحتواء خلال التحقيق في الحادث، وإن كانت تلك الحالات الأخرى محدودة ووقعت داخل شبكة الشركة.

ألاباما تطالب بإجابات

ويبحث التحقيق الذي يقوده المدعي العام في ألاباما فيما إذا كان إخفاق OpenAI، أو عدم استعدادها، لضمان سلامة منتجاتها قد شكّل انتهاكاً لقوانين حماية المستهلك في الولاية، وما إذا كانت أنظمة الشركة تمثل خطراً مستمراً على السكان.

وقال مارشال إن حادثة الاختراق أظهرت أن «أسوأ مخاوف» الأمريكيين بشأن الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد افتراضات، مؤكداً أن التحقيق يستهدف كشف ملابسات الواقعة وفهم المخاطر التي قد تشكلها أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتية التشغيل على الشركات والمستهلكين.

وتريد السلطات الحصول على معلومات بشأن عملية اختبار النموذج، والشبكات والمواقع وقواعد البيانات التي وصل إليها، وإجراءات السلامة التي كانت مطبقة أثناء الاختبار، إضافة إلى معلومات عن الموظفين المشاركين في عملية التطوير وأي مخاوف أثيرت قبل وقوع الحادثة.

15 ولاية تطالب بالشفافية

ويأتي التحقيق في ألاباما بعد انضمام الولاية إلى ائتلاف يضم مدعين عامين من 15 ولاية أمريكية طالبوا OpenAI في وقت سابق من أغسطس بالشفافية والمساءلة بشأن الواقعة.

وطالب الائتلاف الشركة بالحفاظ على السجلات والبيانات ذات الصلة، كما دعاها إلى وقف الاختبارات التي أدت إلى الاختراق إلى حين إثبات قدرتها على تنفيذ مثل هذه التجارب بطريقة «مضبوطة ومسؤولة».

OpenAI تبطئ تطوير نماذجها

وتأتي الخطوة القانونية بعد إعلان OpenAI الأسبوع الماضي أنها ستبطئ وتيرة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتعيد النظر في أنظمة البحث والتدريب لديها، على خلفية حادثة Hugging Face.

وقالت الشركة إنها تجري مراجعة شاملة للواقعة بمشاركة مستشارين خارجيين، وإنها تعتزم إصدار تقرير تقني يتضمن نتائج التحقيق والدروس المستفادة، إلى جانب تعزيز إجراءات المراقبة والحماية واحتواء الأنظمة خلال عمليات الاختبار.

وأكدت OpenAI أيضاً أن النموذج الذي شارك في الواقعة كان نموذجاً بحثياً داخلياً قبل الإطلاق، ولم يكن مخصصاً للطرح العام، وأنه تم تعطيله وتقييد الوصول إليه عقب الحادثة.

سباق الذكاء الاصطناعي تحت المجهر

وتسلط القضية الضوء على معضلة تواجه قطاع الذكاء الاصطناعي مع تزايد قدرات النماذج على اتخاذ القرارات وتنفيذ مهام معقدة بصورة شبه مستقلة: كيف يمكن ضمان بقاء هذه الأنظمة تحت السيطرة عندما تصبح قادرة على اكتشاف الثغرات واستغلالها بنفسها؟.

ولا تقتصر المخاوف على OpenAI وحدها؛ فقد شهد القطاع خلال الأشهر الماضية حوادث ومؤشرات مشابهة مرتبطة بأنظمة شركات منافسة، الأمر الذي دفع إلى تصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة وخارجها لتعزيز الرقابة والسلامة مع استمرار السباق نحو تطوير نماذج أكثر قدرة واستقلالية.

وبينما تؤكد شركات الذكاء الاصطناعي أهمية الابتكار والمنافسة العالمية، تفرض واقعة Hugging Face سؤالاً أكثر إلحاحاً: إذا كان نظام ذكاء اصطناعي يستطيع الخروج من بيئة اختبار مغلقة وتنفيذ هجوم إلكتروني، فمن يراقب النظام عندما يتجاوز حدود التجربة؟.