في لحظةٍ كان يُفترض أن تكون بروتوكولية هادئة داخل حديقة (داونينغ ستريت)، تحوّل تجمُّع الوزراء لالتقاط لقطات تلفزيونية إلى شرارة أزمة حكومية مشتعلة.

فقد تبادل وزير الدفاع ويس ستريتنغ ووزيرة الداخلية شبانة محمود حديثاً جانبياً ظنَّا أنه بعيد عن آذان الكاميرات، قبل أن يقتربا لتحية وزير العدل الجديد أليكس نوريس. عندها أطلق ستريتنغ مزحة وُصفت بأنها «كارثية»، حين خاطب نوريس قائلاً بضحكة: «أنت العدو الآن… إنه يريد إطلاق سراح الجميع» في إشارة ساخرة إلى سياسة الإفراج المبكر لتخفيف التكدس داخل السجون. ضحكت محمود مشاركةً الدعابة، دون أن يدرك أيٌّ منهما أن الميكروفونات كانت تلتقط كل كلمة بوضوح.

لم تمضِ دقائق حتى تحوّل المقطع إلى مادة متداولة على نطاق واسع عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام البريطانية والعالمية، لتبدأ تداعيات حكومية متسارعة. فقد انفجر غضب عائلات الضحايا؛ خصوصاً والدة الشرطي القتيل أندرو هاربر، التي اعتبرت المزحة «إهانة» في وقت تخوض فيه حملة شرسة ضد إدراج قتلة ابنها ضمن قوائم الإفراج المبكر. واستغلت زعيمة المحافظين كيمي بادينوش اللحظة لتوجيه هجوم لاذع على الحكومة، متهمة وزراءها بالاستخفاف بملف الجريمة وحقوق الضحايا، وواصفة السياسة الجنائية بأنها «بغيضة».

تحت ضغط العاصفة، اضطر رئيس الوزراء آندي بورنهام إلى توبيخ الوزيرين علناً، مؤكداً أن ما صدر عنهما «غير مقبول». وسارع كل من ستريتنغ ومحمود إلى نشر اعتذارات رسمية عبر (منصة X)، مشددين على أن ما حدث لم يكن سوى «لحظة مرح خفيفة» مستوحاة من نكتة سياسية قديمة، دون أي نية للإساءة أو التقليل من خطورة الملف الجنائي.

لكن الاعتذارات لم تكن كافية لاحتواء الغضب الشعبي، فبادر بورنهام إلى إعلان مراجعة عاجلة للسياسة الجنائية المقررة في سبتمبر، مع تجميد بعض بنود الإفراج المبكر لضمان عدم شمول مرتكبي الجرائم الخطيرة.

وهكذا تحوّلت مزحة عابرة في حديقة حكومية إلى أزمة سياسية كاملة الأركان، أعادت تسليط الضوء على هشاشة الخطاب الرسمي في زمن الميكروفونات المفتوحة، وعلى حساسية ملف الجريمة في الوعي البريطاني العام.