لم يكن صباح عيد الطفولة في تركيا هذا العام ككل الأعوام. ففي الساحات التي اعتادت أصوات الضحك، ظهرت صور صامتة، وجوه أطفال غابوا، لكنهم حضروا في كل زاوية. وفي لحظة واحدة، تحوّل العيد من احتفال بالحياة إلى وقفة حداد جماعي.

قبل أيام فقط، هزّ هجوم دموي داخل مدرسة في مدينة كهرمان مرعش البلاد، بعدما أطلق طالب النار على زملائه، ليسقط ثمانية أطفال ومعلمتهم.

لم ينتهِ المشهد عند الحادثة، بل امتد إلى قلوب الأتراك الذين وجدوا أنفسهم يحتفلون بالطفولة بينما ذكراها تنزف. وفي العيد، عاد الأهالي والطلاب إلى المدرسة، لا للدراسة، بل لوضع الزهور، وتعليق الصور، وترك رسائل وداع على الجدران التي شهدت اللحظات الأخيرة.

في أعلى إحدى اللافتات، ظهرت صورة معلمة الرياضيات «أيلا كارا»، المرأة التي تحولت في عيون كثيرين إلى رمز تضحية بعد أن فقدت حياتها وهي تحاول حماية طلابها.

وفي مدينة بولو، لم يكن المشهد أقل وجعًا. هناك، قرر أب أن يحتفل بطريقته الخاصة، حيث عرض صور ابنته و35 طفلًا آخرين على مبنى ضخم، في استعادة مؤلمة لضحايا حريق الفندق الذي وقع في منتجع كارتال كايا عام 2025، وأودى بحياة العشرات. ولم تكن الصور مجرد تذكير، بل رسالة تقول إن الغياب لا يُنسى، حتى في أكثر الأيام فرحًا.

الأعياد، كما يقول الآباء المفجوعون، تصبح أصعب حين يغيب الأطفال. فكل أغنية، وكل بالون، وكل ضحكة، تتحول إلى سؤال: لماذا؟

ورغم الفعاليات والاحتفالات التي أقيمت في أنحاء تركيا، ظل الحزن حاضرًا بقوة، كأن البلاد كلها تعيش لحظة واحدة ممتدة بين الذاكرة والفقد. بينما تستمر التحقيقات في حادثة المدرسة، وتُحاكم الجهات المسؤولة عن حريق الفندق، تتحرك السلطات نحو تشديد القوانين، خصوصا فيما يتعلق بأمن المدارس ومسؤولية الأسر. لكن بالنسبة لكثيرين، القوانين تأتي متأخرة، بعد أن تكون قد تركت المآسي أثرًا لا يُمحى.

وفي هذا العيد، لم يكن السؤال كيف نحتفل، بل كيف نتذكر. أطفال رحلوا فجأة، لكن صورهم ملأت الشوارع، وذكراهم أعادت تعريف معنى هذا اليوم.

عيد الطفولة في تركيا هذا العام لم يكن احتفالًا، بل قصة بلد يحاول أن يبتسم، بينما يحمل في قلبه حزنًا لا يُقال.