فتحت الانتخابات النصفية الأمريكية المواجهة على حدود السلطة بين رئيس يرفض التراجع وكونغرس تتبدل حساباته. فالنتائج التي أضعفت موقع حزب الرئيس دونالد ترمب داخلياً تزامنت مع تصاعد التوتر الإقليمي، لتطرح سؤالاً يتجاوز واشنطن: هل يستطيع خصوم الرئيس تعطيل أجندته، وهل تنتقل تداعيات الصراع السياسي إلى قرارات الحرب والسلام في الشرق الأوسط؟ وبينما يراهن الديمقراطيون على أدوات الرقابة والتمويل، يراهن ترمب على صلاحيات الرئاسة والفيتو.

وفي حديث خاص إلى «عكاظ»، يقدّم عضو الحزب الجمهوري الأمريكي نيكولا شحود قراءة تجمع الاعتراف بأخطاء حزبه والتأكيد أن الرئيس لا يزال ممسكاً بمبادرة القرار، وصولاً إلى توقّعات عسكرية خطيرة بشأن إيران ولبنان.

الناخب المستقل يرجّح الكفة.. والجمهوريون أمام مراجعة سياسية

يقر شحود بأن نتائج الانتخابات تستدعي مراجعة داخل الحزب الجمهوري. ويعزو جانباً من النتيجة إلى اختلاف حماسة الجمهوريين بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإلى تأثر المستقلين بارتفاع الأسعار وتكاليف الطاقة والحرب. ويقول إن استطلاعاً حديثاً أظهر تأييد 98% من الجمهوريين لترمب، مقدّراً حصة المستقلين بنحو 45%، وهي أرقام ينسبها إلى متابعته دون تحديد الجهة التي أجرت الاستطلاع. وبالنسبة إليه، لن تُحسم انتخابات 2028 بالولاء الحزبي وحده، بل بقدرة المرشحين على إقناع الناخب بأن معيشته تحسنت. ويضيف أن نتائج منتصف الولاية لا تعني بالضرورة انفضاض الجمهوريين عن ترمب، لأن التصويت في غيابه يختلف عن التصويت حين يكون اسمه مطروحاً مباشرة. ومع ذلك، لا يعفي هذا التفسير الحزب من مسؤولية مراجعة خطابه الاقتصادي والاجتماعي، ولا من البحث عن أسباب تراجع قدرته على استقطاب الناخب المتردد.

وتبرز في قراءة شحود مفارقة سياسية لافتة: فهو لا ينكر خسارة الجمهوريين ولا يحاول تصويرها انتصاراً، لكنه يفصل بين التصويت على أداء الحزب والتصويت على شخصية ترمب. ومن هنا، يعتبر أن استعادة الثقة تبدأ بمعالجة الأسباب، لا بالاكتفاء بخطاب المواجهة مع الديمقراطيين.

خصومة بلا عداوة.. ولكن بشروط

وعن العلاقة مع الديمقراطيين، يشدّد شحود على أن التنافس الأمريكي يقوم على خصوم سياسيين لا أعداء. ويقول إن ترمب سيضطر إلى التفاوض مع المجلسين الجديدين، وأن التسويات ينبغي أن تخدم المصلحة الأمريكية لا المصالح الشخصية.

ويرى أن شخصية الرئيس الصلبة تمنعه من قبول ما يسميه الابتزاز، دون أن تلغي حاجته إلى تفاهمات بشأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

ويستحضر شحود أهمية الاستحقاق الرئاسي القادم بالنسبة إلى الجمهوريين، محذراً من أن الفشل فيه ستكون له انعكاسات تتجاوز خسارة المناصب إلى مستقبل السياسات الاجتماعية والاقتصادية. وبرأيه، فإن تجربة العامين القادمين ستتيح للناخبين مقارنة برامج الطرفين، لا الاكتفاء بالشعارات الانتخابية.

الفيتو في مواجهة الكونغرس

ويؤكد شحود أن الانتخابات لم تنتزع من ترمب صلاحياته التنفيذية، وأن تلويحه المبكر بالفيتو كان استعداداً لاحتمال خسارة الجمهوريين. ويوضح أن الرئيس يستطيع رفض مشاريع القوانين كاملة، وأن تجاوز اعتراضه يحتاج أغلبية الثلثين في مجلسي الكونغرس، كما يمكنه استخدام «الفيتو الجيبي» ضمن شروطه الدستورية. لكنه يعترف بأن سلطة الإنفاق تمنح المشرعين ورقة ضغط حقيقية: فإذا احتاجت الإدارة اعتمادات إضافية، يستطيع الكونغرس ربط الموافقة بشروط سياسية. ويقدّر أن تمويل العمليات القائمة متوافر حتى نهاية يناير 2027. ومع ذلك، يصر على أن توازن السلطات لا يعني شل الرئاسة، بل يفرض مقايضات وتفاوضاً مستمرين. ويرى أن الديمقراطيين قد يتحملون، أمام الرأي العام كلفة عرقلة برامج تحظى بالتأييد، تماماً كما قد يتحمل البيت الأبيض مسؤولية تعثر التفاهمات. وهنا، بحسب شحود، يصبح الأداء خلال العامين القادمين أهم من الاحتفال بنتيجة انتخابية عابرة.

ويشير شحود إلى أن التعيينات التي تتطلب مصادقة مجلس الشيوخ والقرارات المرتبطة بالموازنة قد تتحوّل إلى ساحات تفاوض مرهقة. ولذلك لا يستبعد أن تشهد واشنطن تسويات متبادلة، وإن ظل مقتنعاً بأن ترمب سيستخدم صلاحياته إلى أقصى الحدود المتاحة دستورياً.

إيران بين التنازل والانفجار

الملف الأكثر إثارة في حديث شحود هو إيران. فهو يتوقع ضربة أمريكية خلال أسبوعين، لكنه يترك باب الدبلوماسية مفتوحاً إذا وافقت طهران على التخلي عن برنامجها النووي. ويصف ترمب بالبراغماتي الذي يريد نتائج لا حرباً لمجرد الحرب، معتبراً أن رفض الإيرانيين تقديم تنازلات قد ينقل المواجهة من الضغط على المنشآت إلى تهديد بقاء النظام نفسه. ويشير إلى اتصالات ووساطات إقليمية لكنه لا يجزم بنجاحها. وفي تقديره، لم تدفع نتائج الانتخابات ترمب إلى التريث؛ بل ربما زادت رغبته في حسم الملف قبل أن تتصاعد معارك الكونغرس حول التمويل. ويؤكد أنه لا يتحدث عن استهداف الشعب الإيراني، بل عن الضغط على السلطة القائمة لإجبارها على التفاوض من موقع أضعف. وفي الوقت نفسه، لا يستبعد أن يؤدي فشل الوساطات إلى توسيع نطاق العمليات، بما يضاعف المخاطر على دول الجوار وحركة التجارة والطاقة.

ويشدّد شحود على أن التهديد العسكري، في قراءته، ليس بديلاً تلقائياً عن التفاوض، بل أداة لرفع كلفته على الجانب الإيراني إذا رفض الاستجابة. ويقول إن قبول طهران بتسوية نووية شاملة يمكن أن يغيّر المشهد، فيما يرى أن إصرارها على موقفها سيدفع ترمب إلى خيارات أشد. وهو يربط هذا التقدير بقناعته بأن ترمب يريد ترك أثر حاسم في الملف الإيراني قبل نهاية ولايته.

أهداف بالجملة.. وتوقّعات لا معلومات رسمية

ويقول شحود إن البنتاغون قدّم للرئيس 22 خطة عسكرية، ويتحدث عن وجود حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» في منطقة العمليات، مشيراً إلى سيناريو يشمل ضرب منشآت النفط، خصوصاً جزيرة خرج، والجسور ومحطات الكهرباء والمواقع النووية ومراكز الصواريخ والمسيّرات. ويحدد، وفق تقديراته، 68 جسراً و74 محطة كهرباء و28 قيادياً قد تطالهم العمليات. وعن دقة هذه التفاصيل، أوضح شحود لـ «عكاظ» أنها تحليل من خلال القراءات وليست خطة معلنة أو معلومات عن ساعة الصفر. ولذلك تبقى الأرقام والسيناريوهات التي يوردها استنتاجات، لا قرارات عسكرية، مؤكداً بأن المؤسسة العسكرية لا تكشف عادة توقيت عملياتها أو تفاصيل أهدافها.

من «أم القنابل» إلى مضيق هرمز

كما يرجّح شحود استخدام قنبلة «أم القنابل» التقليدية، مستبعداً استعمال سلاح نووي، ويطرح احتمال عمليات لقوات خاصة أمريكية في مواقع إستراتيجية قرب مضيق هرمز، للتعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، ويتوقع أن تضعف الضربات النظام بما يتيح تحركات داخلية ضده، مع مشاركة إسرائيلية محتملة.

ويتوقف شحود عند مخزون اليورانيوم المخصب الذي يقدره بنحو 440 كيلوغراماً، متحدثاً عن احتمال التوصل إلى تسليمه عبر المفاوضات بدلاً من التعامل معه عسكرياً، كما يشير إلى أن ضرب المنشآت لا يعني بالضرورة إزالة المواد النووية نفسها، وأن الخيارات المختلفة تحمل مخاطر متباينة.

لبنان ليس خارج النارويقول شحود لـ«عكاظ» إن نتائج الانتخابات لن تغيّر السياسة الخارجية الأمريكية تجاه لبنان، لأن القرارات الأساسية ستظل بيد الرئيس وإدارته. لكنه يحذّر من حرب إسرائيلية يصفها بأنها «حتمية»، مؤكداً أن إسرائيل جادة في المضي نحو إنهاء ملف حزب الله، وأن أي مواجهة قادمة لن تقتصر على ضربات عسكرية محدودة.

وعن احتمال رفع الضمانات الأمريكية المتعلقة بعدم استهداف بيروت، لا يؤكد شحود صدور قرار جديد بهذا الشأن، لكنه يربط احتمالات التصعيد بإصرار إسرائيل على حسم المواجهة مع حزب الله، معتبراً أن حساباتها العسكرية والسياسية تتجه نحو إنهاء هذا الملف بصرف النظر عن نتائج الانتخابات الأمريكية.

نتنياهو وسباق الوقت

وعن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعتبر شحود أن مدة بقائه تتوقف على قدرة خصومه على تشكيل حكومة بديلة برئاسة غادي آيزنكوت. فإذا نجحوا، قد تضيق أمامه المهلة إلى أشهر؛ وإذا تعثروا أو أعيدت الانتخابات، فقد يستمر عاماً أو أكثر.

ويرى أن نتنياهو يريد إنهاء الملف الإيراني خلال ولايته، مستفيداً من علاقته بترمب. ويخلص إلى أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول أكثرية الكونغرس، بل حول من يملك الوقت والمال والقرار عندما تصل المواجهة الإقليمية إلى لحظتها الحاسمة.