رحلت زوجتي، بعد معاناة طويلة مع المرض الذي أتعب جسدها وأثقل أيامها. كنت أشعر بألمها وأتمنى لو أستطيع أن أحمل عنها شيئًا منه، وكان يؤلمني أن أراها تتعب وأن أرى الخوف على أولادها في عينيها، بينما أقف عاجزًا أمام مرض لا أملك له دفعًا. ومن أصعب ما يمر به الإنسان أن يرى من يحب يتألم ولا يستطيع أن يفعل له شيئًا.


ما زالت الساعات الأخيرة من حياتها حاضرة في ذاكرتي؛ أتذكر خوفي وارتباكي ومحاولتي أن أتماسك، وكأنني كنت أشعر بأن شيئًا مؤلمًا يقترب ولا أريد أن أصدقه. ثم جاءت اللحظة التي لم أكن أريدها، رحلت. في تلك اللحظة شعرت أن كل شيء من حولي تغير، لم أعد أعرف ماذا أفعل، ولا كيف أشرح لأولادي أن أمهم لن تعود، ولا كيف أعود إلى البيت الذي كانت فيه قبل ساعات فأجده خاليًا منها. في لحظة واحدة انتقلت من حياة اعتدت تفاصيلها لأكثر من أربعين عامًا إلى حياة جديدة لم أخترها.


عشنا معًا، أفراح وأحزان، اختلافات واتفاقات، تعب وراحة، ومواقف صغيرة وكبيرة صنعت حياتنا. ومع مرور السنين يصبح وجود الإنسان الذي عاش معك كل هذه التفاصيل جزءًا من يومك، حتى لا تتخيل الحياة دونه.


بعد رحيلها وجدت نفسي أمام مسؤولية أولادي. كنت أحاول أن أتماسك أمامهم وأن أكون قويًا حتى لا أزيد حزنهم، لكن الحقيقة أنني لم أكن قويًا كما كنت أبدو. كنت أنظر إلى وجوههم وأرى أمهم فيها، وأشعر أن كل واحد منا يحاول أن يخفي حزنه عن الآخر.


قد يتعلم الإنسان مع الوقت كيف يعيش مع الفقد، لكنه لا يتعلم كيف ينسى من أحب، فالنسيان ليس هو الحل، وربما ليس مطلوبًا أصلًا. بعض الأشخاص يستحقون أن تبقى ذكراهم معنا، وأن نذكرهم بالخير، وأن يتحول الحنين إليهم إلى دعاء.


رحلت رفيقة عمري، لكنها تركت خلفها ما هو أكبر من الغياب؛ تركت أولادًا يحملون ذكراها، وبيتًا شهد سنوات حياتها، وذكريات لا تنتهي، وقلبًا سيظل وفيًا لها ما بقي من العمر. سأحرص أن تبقى سيرتها جميلة في قلوب أولادنا، وأن يتذكروا أمهم بما كانت عليه من حب وصبر وحنان، لا أن تكون ذكراها مرتبطة بالحزن وحده. أما أنا فسأبقى أذكرها بالدعاء، فليس لدي بعد الرحيل أغلى من الدعاء لمن أحببت.