12 عاماً مرت على تولي مولاي خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم في بلادنا الغالية. ومن الطبيعي أن يحتفي الجميع بالذكرى الثانية عشرة لمبايعة مليكنا المفدى وهي مناسبة وطنية نستحضر فيها مسيرته وإنجازاته ومحطاته التي ارتبطت وتشكّلت بملامح هذا الكيان الذي نفاخر به ونعتز بما وصل إليه على كافة الأصعدة.


هكذا مناسبة نعزّز فيها الانتماء والولاء والطموح عبر ترسيخ العلاقة الفريدة ما بين القيادة والشعب. المشهد برمته في بلادي يتحدث عن نفسه، قيادة تبذل كل جهدها لخدمة شعبها وإسعاده بدليل الشعور الذي يكتنف كل مواطن ومواطنة اليوم مما يعكس الطمأنينة التي تعم البلاد وحالة الأمن والاستقرار رغم ما يموج من حولنا من أحداث وقلاقل.


المتابع المحايد لما جرى ويجري لهذه المسيرة يصل إلى قناعة بأنه لا يوجد شخص أفنى معظم حياته بالكامل في خدمة دينه وبلاده وشعبه كما فعل سلمان بن عبدالعزيز منذ أن كان أميراً شاباً يافعاً إلى أن أصبح ملكاً مما يقتضي منا تأمل وقراءة هذه الشخصية الفريدة.


يا ترى ما الذي يجعل الناس يلتفون حول شخصية واحدة رغم طبيعة تنوعهم؟ وما الذي يدفعهم للإعجاب بهذه الشخصية أو تلك، والالتفاف حولها رغم أنه من طبيعتهم ألا يتفقوا لاختلاف مرجعياتهم الفكرية والاجتماعية والثقافية؟ حتماً إنها الكاريزما الساحرة وما تحمله الشخصية من سمات، وهي التي بالتأكيد من تجذب العيون لعالمها وتأخذ الألباب وتخطف الإعجاب.


شخصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إحدى هذه الشخصيات اللافتة التي لها آراء واهتمام وقواسم مشتركة في عقول الناس وقلوبهم. وتميز تاريخياً بكونه أحد أركان الحكم في المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وحتى توليه سدة الحكم.


بيد أن المقال هنا ليس الهدف منه المديح أو الإطراء والثناء، وإنما هو وصف لما في هذه الشخصية من سمات ومزايا، بعبارة أخرى هو قراءة للشخصية والإبحار في عوالمها وما فيها من خصائص للتاريخ والأجيال. من اقترب من عوالم سلمان بن عبدالعزيز يلمس إلى أي مدى هذه الشخصية قريبة وشفافة وإنسانية. ومن حظي بتواصل معه، وأنا كنت من ضمن هؤلاء المحظوظين، وهم كثر بحجم المملكة وتنوع ثقافاتها وتعدد قبائلها، لا يلبث أن ينهل ويستقي من علمه وتجربته وحنكته وبعد نظره. وهنا قد أعطي لنفسي الحق في إبراز جانب من حياة هذا الرجل العظيم للتاريخ والأجيال ولمن لم يطلع عليها، والغاية من كل ذلك هي رسالة تقدير وامتنان وشكر من أبناء هذا الوطن لهذه القامة الكبيرة التي ضحت بكل شيء من أجل رفعة شأن بلادنا.


ملكنا ووالد الجميع سلمان، هو الساس وركن بيت الحكم، والقامة التاريخية والخبير بخفايا تاريخ المنطقة والمدرك لحساسية الجغرافيا. لديه قناعة راسخة لا يلبث أن يكررها في كل محفل ولقاء دائماً في أن التنوع هو إثراء وقوة لبلادنا كما أن الأفعال هي التي تتحدث عوضاً عن الأقوال، مؤكداً على ثوابت الدولة وأنها قامت على سواعد الأجداد فصنعوا الوحدة وحافظوا عليها مشدداً على تعزيز الوحدة الوطنية.


نهج الملك سلمان أسس لعهد زاهر فعزز الأمن والأمان وكرس استقرار المملكة ولامس الإنسان قبل المكان، فصان كرامته ورسخ دعائم بلاده محولاً التحديات إلى فرص للبناء والتطوير والإنجاز، ما وضع بلاده في مصاف القوى المؤثرة على الساحتين الإقليمية والدولية.


من حضر مجلسه أو تهيأت له الفرصة بالاستماع إلى مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان أو التواصل معه منذ أن كان في مناصبه السابقة أميراً للرياض أو وزيراً للدفاع أو ولياً للعهد، لا يستغرب حديثه الدائم عن معشوقته المملكة وأحاديثه الموسوعية المتنوعة سواء في السياسة أو الإعلام أو التاريخ أو أنساب القبائل والأحداث التي مرت بالجزيرة العربية أو مواقف وخصال المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز الذي لا يغيب البتة عن خاطره وفكره ولسانه ذاكراً إياه في كل تفاصيل حياته وتجاربه. عندما يتحدث تشعر أنك أمام هيبة ملك ورجل دولة نادر وكاريزما جاذبة في حضور وتوهج ورصانة لا يليق إلا به.


قبل أكثر من عقدين من الزمن وتحديداً يوم الاثنين 17 فبراير 2003، تلقيت اتصالاً هاتفياً، وكنت قد انتهيت للتو من مداخلتي الهاتفية مع قناة الجزيرة معلقاً حول اغتيال وكيل إمارة الجوف د. حمد الوردي رحمه الله نتيجة إطلاق النار عليه من قبل مجهولين آنذاك. الاتصال الهاتفي كان من الملك سلمان حفظه الله وقد كان حينها أميراً للرياض وقد أكرمني بهذا الاتصال، وهي طريقته المعتادة للتواصل مع المثقفين والإعلاميين حيث السؤال والاطمئنان والاستفسار والدعم والتشجيع.


أشاد سموه الكريم وقتها بمداخلتي ومنوهاً بإعجابه منذ سنوات بمشاركاتي وتعليقاتي في القنوات الفضائية وزاد فضله عليّ بالإشارة إلى اطلاعه ومتابعته لمقالاتي الصحفية. سألني عن وضعي وقبيلتي ودراستي حيث كنت أدرس حينها في بريطانيا للحصول على درجة الدكتوراه في القانون ووجهني بالتواصل معه في أي وقت متى ما احتجت توضيح أو استفسار أو مقترحات أي ملفات أخرى تكون مثار نقاش إعلامي أو فكرة مقال عن بلادي. ثم أسبغ علي لقباً أتشرف وأعتز به ما حييت حينما قال حفظه الله: "أنا دائماً أقول بأنك أنت الصوت الوطني العاقل".


هذا وسام على صدري وتكريم وتشريف لا يمكن وصفه من رجل بقامة وحجم مولاي خادم الحرمين الشريفين أطال الله في عمره ومده بالصحة والعافية. وقد أشرت إلى هذه الجزئية بالتفصيل في مقال لي نشر في مجلة اليمامة عام 1433هـ، بعنوان (سلمان بن عبدالعزيز... سر التفرد). وآثرت أن أذكر هذه النقطة تحديداً طالما أن الحديث يدور حول جوانب شخصيته الثرية.


من تلك اللحظة والسنين التي تلتها والمناصب التي تولاها سموه الكريم حينذاك، لا أعرف أنني في يوم من الأيام تواصلت مع سموه الكريم حول مواضيع أو ملفات أو مهام، رغم مشاغله الكثيرة وارتباطاته وسفراته وتنقلاته مع كثرة اتصالاتي وتعددها إلا ويستقبل الاتصال على الفور أو يعود ويتصل لاحقاً مجيباً على تساؤلاتي موضحاً أو معلقاً أو شارحاً أو موجهاً في لفتة أبوية حانية وبتواضع جم يندر وجوده.


بعد عودتي للمملكة أذكر أنني هاتفت خالد الخميس لتحديد موعد للسلام على سموه الكريم آنذاك، وفي اليوم التالي زرت سموه في مكتبه وأهديته أطروحتي للدكتوراه وأكرمني حينها باستضافتي وحيداً في مكتبه مستمعاً إلى توجيهاته ونصائحه فشملني برعايته وثقته ودعمه الصادق. بعد بضعة أشهر صدر أمر ملكي بإنشاء هيئة حقوق الإنسان ومجلسها وكنت من ضمن أعضاء مجلسها والمتحدث الرسمي للهيئة.


وبعد مضي سنتين ونصف رشحني سموه لعضوية مجلس الشورى والذي قضيت فيه تحت قبته ثلاث دورات أي اثني عشر عاماً. ظلت توجيهاته حفظه الله خلال أكثر من عقد من الزمن هي النبراس ودعمه وتشجيعه شكل دفعة قوية لي في مسيرتي العملية والثقافية وركيزة لانطلاقات ونجاحات ما كان لها أن تتحقق لولا فضله بعد الله سبحانه وتعالى. ثقته فيني تعني لي الكثير ولا أنساها ما حييت.


قبل سنوات وكان سموه ولياً للعهد، تلقيت اتصالاً هاتفياً من ديوان ولي العهد مضمونه أن طويل العمر وجه بأن أكون ضمن وفده الإعلامي المرافق، ثم تواصل معي وزير الإعلام عبدالعزيز خوجه ليبلغني أن الزيارة ستكون لباكستان والهند واليابان والمالديف لمدة أسبوعين وأنني الوحيد من أعضاء مجلس الشورى لأكون مرافقاً لسموه الكريم ضمن الوفد الإعلامي. وهذا شرف لا يوازيه شرف.


جانب آخر لافت في حياته وهو عالم الثقافة والأدب والفكر والقراءة. هو قارئ نهم يقرأ الصحافة يومياً ومتابع لكل جديد ومطلع على أمهات الكتب وعاشق للتاريخ. أذكر جيداً وخلال فترة توليه إمارة الرياض أن قصره العامر يضم مكتبة ضخمة بما تعنيه هذه الكلمة من معنى حيث تجد كل الكتب التي قد تدور بخلدك وحسب معرفتي أن أي كتاب يصدر عن المملكة في أي مكان من أرجاء العالم إلا ويجد طريقه إلى أرفف مكتبته.


ناهيك عن المكتبة التلفزيونية الكبيرة التي ترصد وتتابع وتسجل كل ما يقال ويبث عن بلادنا. ولذا خلال اليوم وبعد عودته لقصره يقوم بالاطلاع ومتابعة ما فاته من لقاءات وبرامج وأخبار تتعلق بالمملكة. طاقة بشرية وقامة استثنائية متفردة في غاية التركيز والشغف والاهتمام من قائد ورجل دولة ورمز يندر أن يتكرر في عصرنا.


الأمير سلمان منذ شبابه لم يكن فقط رجل دولة بل أديب ومفكر ومثقف بشهادة الكثير من المثقفين العرب. عندما كان ينعقد مهرجان الجنادرية ويأتون ضيوفه من كل أرجاء العالم، كان لهم لقاء دائم وثابت مع مقامه الكريم، ولك أن تتخيل حجم الثناء والإطراء والانطباع الذي يخرجون به بعد لقائه وهذا موثق ومدون في مقالاتهم ومنشوراتهم.


ذات مرة كنا نتحدث عن موضوع ما وتم التطرق إلى قصيدة للشاعر دريد بن الصمة فكانت هناك وجهات نظر حول بيت الشعر: وما أنا إلا من غزية إن غوت... غويت وإن ترشد غزية أرشد. واهتم سموه آنذاك بتلك القصيدة وأبعادها وطلب شرحاً وافياً عنها من المشرف في مكتبته العامرة، وفوجئت في اليوم التالي بوصول أوراق فاكسية من قصره تجاوزت 13 ورقة تتضمن شرحاً عن الشاعر ومناسبة القصيدة وأبياتها بما فيها البيت الشهير الذي كان حوله نقاش وكان التفسير مطابقاً لما طرحه حفظه الله. وأذكر أنني تواصلت معه بعدها حول مسألة أخرى ولكنني علقت على موضوع القصيدة قائلاً لمقامه الكريم: أنتم يا سيدي لست فقط رجل دولة بل أديب ومثقف ومفكر فرد علي بلغة تواضع الكبار: العفو.. العفو.


الأمير سلمان منذ نعومة أظافره كما يعرف عنه بأنه شديد التنظيم ومنهجي ومتقن ومرتب وذو نسق دقيق بدليل أنه يجد الوقت الكافي لإنجاز الكثير من الأمور بينما يعجز كثيرون من إنجاز أمر واحد معللين عدم كفاية الوقت. تميز وتفوق الأمير في سرعة الإنجاز ويكمن السر في القدرة على التنظيم والدقة والالتزام والانضباط.


عمله كأمير لعاصمة كبيرة كالرياض قصة نجاح أخرى ويعرفها أهل الرياض ناهيك عن المسؤولين، وتحتاج إلى مجلدات لتحكي قصة التحول والإنجاز في الرياض. اللافت أيضاً أن المعاملات لديه لا تمكث طويلاً وغالباً ما تنتهي إلا في حالة المزيد من الإفادات أو نقص في المرفقات. كما كان حفظه الله يلتقي المواطنين في ديوان الإمارة بعد صلاة الظهر من كل يوم ويتزامن ذلك مع ذاكرة لافتة تلحظها بجلاء في مكتبه وعند لقائه بالمواطنين. يتذكر أشخاص وأنسابهم وقضاياهم بمجرد دخولهم عليه حيث تلفهم الدهشة والذهول وهو يسرد عليهم تفاصيل ما جاؤوا لأجله.


برنامجه اليومي لا يخلو من زيارات للمستشفيات للاطمئنان سواء يعرف المريض أو يعرف أسرته فضلاً عن أداء واجب العزاء لمن رحل عن دنيانا حيث يواسي الأسر بزيارة أبوية في منازلهم ويشارك في المناسبات ويستقبل المواطنين أسبوعياً في قصره العامر ويتناول معهم العشاء.


كما يستقبل ضيوف المملكة ومن يزور الرياض في مكتبه - شيء لا يصدق - من أين يجد سموه الوقت؟ وكيف هذه القدرة العجيبة في التحكم بإدارة الوقت والقدرة على الاستفادة منه وبالتالي إنجاز ما هو مطلوب منه؟


منذ عقود والملك سلمان لعب أدواراً معلنة وخفية في ملفات عديدة سواء في الداخل أو الخارج تنفيذاً لتوجيهات الملوك الذين عمل معهم مستشاراً ومبعوثاً بل وساهم في بناء بلاده والارتقاء بها. ينادونه السعوديون بأبي فهد ويصفونه آنذاك بأنه أمين العائلة وحاميها ومستشار الملوك الراحلين وسيد الوفاء وصمام أمان للبلاد وأمير العمل الخيري.


حزم المسؤول وتواضع الإنسان وعاطفة الأب معادلة امتزجت في شخصه والمعروف عنه أن قال كلمة التزم بها في الوقت الذي يستحيل فيه أن يعطي وعداً في أمر ما وهو موقن بأن حله ليس بين يديه كما أنني لا أعرف شخصاً لديه قدرة في استيعاب أي أمر يعرض عليه في دقائق ويتخذ قراراً رشيداً وحكيماً. لقاءاته مع المواطنين أكبر دليل على ذلك. تجده يسأل أسئلة دقيقة ومباشرة فيصل إلى النتيجة ويتخذ القرار المناسب.


المثير أن حياة سلمان بن عبدالعزيز تستحق الوقوف عندها وتأملها ودراستها. الانضباط والتنظيم والدقة والالتزام والتركيز عناصر جوهرية في تركيبة الشخصية. أذكر عندما كنا في المرحلة الابتدائية ونعود من المدرسة ونشاهد أخبار الظهيرة، تلفتنا أخبار أمير الرياض واستقبالاته التي تكون في الصباح الباكر وبشكل يومي. المقصد هنا أن هذا المشهد استمر لسنوات عديدة ما يعكس طبيعة الالتزام وقدرة التنظيم وحسن استغلال الوقت.


مدير مكتبه آنذاك العزيز فيصل بوثنين وقد تزاملنا معاً لاحقاً في مجلس الشورى قال لي ذات مرة: كنا نعرف الوقت من قدوم الأمير، لدقته التي لا تخطئ موعداً. في حين أن سكرتيره خالد الخميس الذي هو أول من يدخل عليه محملاً بالمعاملات اليومية ثم يبدأ بترتيب برنامج استقبال الضيوف الزائرين يؤكد أن الأمير ذاكرة تمشي على قدمين، يستوعب التفاصيل ويحفظ الأسماء ويربط الأحداث بدقة في كل ما يعرض عليه.


هذه القناعة تشكلت لدى كل من يسمع اسم سلمان بن عبدالعزيز عبر تراكم سنين تنطلق من مواقف معينة لا تلبث أن تؤكد صحة رؤية الأمير سلمان آنذاك وحنكته التي تستند إلى التأني والهدوء والتروي وهي تأتي ضمن منظومة صفات يتفق عليها كثيرون لعل أبرزها حكمته وعدله واعتداله وورعه وفراسته وذاكرته المدهشة وحزمه وصرامته وحنوه ودقته وحسن إصغائه.. إنه شخوص في رجل.. إنه الملك.


سلمان ملكنا المحبوب... قائد وزعيم وخبرة تراكمت واختصرت فيها تجارب سنين ولذا من الطبيعي أن يحمل قلبه الكبير هموم الجميع. يتألم لأنين الضعفاء والمساكين، ويدمع لحاجات اليتامى والمسنين. كيان مهيب بمثابة قلب مغلف بالحب والحنان والعطف وينبض بالبذل والسخاء، فكان هو بحق سلمان العطاء وأمير العمل التطوعي وقتها.


من الطبيعي أن يأتي اسمه كقامة وطنية باستحقاقه حينها جائزة دولية في العمل التطوعي الإنساني. ولعل تأسيس سموه لجمعية الأطفال المعوقين منذ ربع قرن وكذلك مركز الأمير سلمان بن عبدالعزيز لأبحاث الإعاقة، وإنشاء جائزة الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة، كلها تأتي كمشاريع تطوعية كبرى ذات طابع مؤسسي لخدمة الاحتياجات الاجتماعية التي أنشئت من أجلها، لا سيما أنها لا تبحث عن كسب أو ربح مادي.


وماذا عن الوفاء؟ هو مدرسة ونهج للوفاء يحفظ الود، ويصون العشرة ولا تنسيه الأيام أصحاب المواقف. قصص وحكايا وأفعال ومواقف تتحدث عن نفسها. عندما تعرض الملك فهد رحمه الله لوعكة صحية اضطرته لأن يبقى في المستشفى لفترة ليست بالقصيرة. لازم الأمير سلمان أخاه في مرضه ملازمة الظل واقفاً هناك لا يغادر المستشفى وغرفته بجانب غرفة شقيقه الراحل الملك فهد. يتابع ويستقبل وينجز أمور ومسائل مدينة الرياض وهو في المستشفى قريباً منه لا تفارقه عنايته ولا حضوره ليطمئن عليه.


وكذلك مع الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله عندما دخل المستشفى لم يغب سلمان عن زيارة أخيه يوماً وتجلى وفاؤه بأصدق صوره، ولا ننسى موقفه الإنساني الفريد مع أخيه الراحل الأمير سلطان بن عبدالعزيز فعندما غادر البلاد للولايات المتحدة الأميركية للعلاج كان الشقيق الأصغر سلمان مرافقاً له ولازمه طوال مرضه حاضراً إلى جواره في أدق تفاصيل تلك المرحلة فمكث معه شهوراً عديدة لا يفارقه في صورة لافتة وصادقة في الحب والوفاء والإيثار. وهذا غيض من فيض.. وحتى مع أبنائه المواطنين.. هاتفته مرة وقد تعرض والدي رحمه الله لجلطة قلبية وطلبت منه الإذن بعلاج والدي في إحدى المستشفيات فما كان منه إلا أن وجه بعلاجه على الفور. لمسات إنسانية لا تنسى معي ومع غيري كثر. كتبها الله في موازين حسناته.


الملك سلمان أطال الله في عمره تاريخياً لعب دوراً مهماً في تأسيس الدولة السعودية الحديثة منذ عقود فهو ساهم في بناء دولته كونه سياسي مخضرم يؤمن بمعادلة المواءمة بين الأصالة والمعاصرة. غير أن العهد السعودي اليوم لا زال محطَّ أنظار العالم، فالملك سلمان ببعد نظره وفراسته اختار الأمير محمد ولياً للعهد قبل سنوات ليضع ثقته فيه لينطلق ببلاده إلى مرحلة ما بعد النفط، عناصرها الإنسان والأمن والرفاهية.


أذكر عندما تولى الملك سلمان مقاليد الحكم، استقبلت السعودية وقتها كثيراً من الزعماء والرؤساء من كل حدب وصوب في العالم. كان قصر الملك في عرقة بالرياض مقصد الزيارات، وقبلة الحوارات، ولا يكاد يمر أسبوع في تلك الفترة من دون استقبال رئيس دولة - أو أكثر - ضيفاً على الملك. ومن ثم انتقلت الاستقبالات ومآدب الغداء لضيوف الملك إلى الديوان الملكي.


أعقب تلك الفترة انعقاد قمم تاريخية وغير مسبوقة استضافتها الرياض، حضرها عشرات من الرؤساء والقيادات في العالم، وأثارت جدلاً واهتماماً عالمياً بقراراتها. لم يكن أولئك الزعماء مضطرين لزيارة المملكة أو مجاملتها، لولا إيمانهم وإدراكهم بحجم تأثيرها، وأهمية الدور الذي تلعبه سياسياً واقتصادياً.


من حضر تلك اللقاءات والمناسبات والزيارات، شعر عن قرب بحجم الاحترام والتقدير والامتنان للملك سلمان، ولولي عهده الأمير محمد بن سلمان، عراب السعودية الجديدة، من قبل تلك الزعامات والقيادات التي زارت المملكة. الرئيس ترمب - على سبيل المثال - الذي زار السعودية كأول دولة يزورها بعد توليه منصب الرئاسة، وصف زيارته بالتاريخية والعظيمة التي لا ينساها ولا تغادر مخيلته.


القيادة السعودية بقيادة الملك سلمان استشعرت منذ سنوات ضرورة تغيير الدفة، وبالتالي ارتهنت للقراءة الواقعية والمصلحة الوطنية، إدراكاً منها بضرورات الدولة والمجتمع، حيث آلت على نفسها ضرورة بناء دولة قانون ومؤسسات يصار من خلالها إلى تنفيذ إصلاحات شاملة وبشكل يتوازى مع مكانة وحجم وثقل المملكة الإقليمي والدولي.


نظرة الملك سلمان حصيفة واستشرافية لمستقبل وطن قدره أنه يكون قبلة روحانية لملايين البشر وركيزة اقتصادية لمليارات الناس في الكوكب. الملاحظ أنه لا يكاد يمر يوم أو يومين إلا ويصدر شيئاً جديداً في السعودية يصب في مصلحة المواطن وفي رفعة شأن البلاد.


قرارات وتنظيمات وقوانين وتشريعات في كل المجالات تدفع باتجاه تحقيق حلم على أرض الواقع أي تجسيد دولة مدنية حديثة متمسكة بهويتها وتقارع الآخرين بما تملكه من موارد بشرية ومقومات وإمكانات.


تمضي السعودية في حياتها الاعتيادية بانسيابية رغم ما يحيط بها من أحداث ومخاطر وتسير بثبات إلى الأمام بدليل استشراف المستقبل الذي يكرسه الملك سلمان مراعياً الاستحقاقات القادمة.


الدور الذي يصنعه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سيكون بصمة تاريخية في جبين هذا الوطن. قرار ضرورة التحول قرار استراتيجي ومفصلي اتخذته القيادة. ولعل النموذج الذي يجسّده ولي العهد عرّاب الرؤية والقائد النشط ينعكس في حجم الحراك والمشاريع والقرارات التي استطاع من خلالها كلها أن يجعل بلاده تحت الأضواء بشكل إيجابي وبصورة أكثر إشراقاً واحتراماً.


بلادي تعبر اليوم إلى مرحلة جديدة وملامحها واضحة في الدخول لمرحلة تنموية ومدنية عناصرها الإنسان والأمن والرفاهية وقد جسّد ولي العهد هذه الروح وتلك الإرادة في كل أقواله وأفعاله مترجماً تطلعات المليك حفظه الله وسعياً لتلبية المطالب لتحقيق حياة كريمة لشعبه.


الأمير محمد بن سلمان جاء في لحظة دقيقة وفاصلة لبلادنا من أجل نقلها لمرحلة جديدة وضرورية واضعاً مصلحة البلد ومستقبل الأجيال القادمة في المقدمة.


لا أتصور وبلا مبالغة أن هناك زعيماً في منطقتنا يعمل بجهد وقدرة وفاعلية الأمير محمد بن سلمان والشواهد قائمة. أمير شاب نشط وألمعي ومنتج ويملك ذاكرة استثنائية ويعمل معظم ساعات اليوم ولا يتوقف عن السؤال والاستفسار وقدرة على استيعاب كافة الملفات رغم تعقيداتها. وهذا ما يذكره كل من يعمل معه.


بعد مرور سنوات على تولي سمو ولي العهد موقعه نجد أن ثمة سعودية جديدة ومذهلة طفت على السطح وفق مسارات استجابت للمحفزات الاجتماعية وأخذت تتشكل بأعجوبة من جديد في مسار لافت يقود دول المنطقة إلى مرحلة جديدة نحو التنمية والحضارة والرفاهية والانفتاح والأنسنة ما جعلها تصبح تحت الأضواء ومحل تقدير وإعجاب العالم.


باختصار سعودية اليوم ليست سعودية الأمس. ومن الطبيعي أن الأجيال تتفاءل بحياة مشرقة وطبيعية افتقدناها منذ عقود. حفظ الله قيادتنا وحمى بلادنا من كل شر... إنه سميع مجيب.