لم تبدأ رحلة عبدالله محمد المداني الغامدي، من أبواب الثراء والنجاح، بل من طفولة قاسية فرضت عليه مواجهة الحياة وتحمّل مسؤولياتها في عمر مبكر. فقد والدته وهو في الرابعة من عمره، وبعدها بعامين فقد والده (رحمهما الله)، ليعيش اليُتم في سنواته الأولى، في وقت لم يكن يملك كثيراً من الأشياء التي كان يملكها غيره من الأطفال.

المداني يروي رحلة الكفاح والعطاء: اليُتم علّمني الصبر.. والفقر أكسبني العطاء

يقول المداني: إن طفولته كانت مختلفة عن كثير من الأطفال، وإنه تعلّم من اليُتم الصبر وتحمّل المسؤولية والاعتماد على الله. ويؤكد أن اليُتم تجربة لا ينساها الإنسان مهما كبر ومهما تغيرت حياته، إذ يبقى في داخله ذلك الطفل اليتيم، وهو ما جعله يشعر كثيراً بكل طفل فقد والديه، مؤكداً أن اليُتم يمر على الطفل مهما حاول الآخرون الوقوف إلى جانبه.

ومن هذه الظروف القاسية بدأت رحلته العملية، إذ يقول إنه بدأ من الصفر، وعمل في مكة المكرمة في أعمال بسيطة جداً، وكان عاملاً في المنازل «مجاود». ولم تكن البداية سهلة، ولم يكن يفكر حينها في الوصول إلى ما وصل إليه لاحقاً، إذ كان كل همّه أن يعمل ويكسب رزقه بالحلال ويعتمد على نفسه.

ويستعيد المداني تلك المرحلة قائلاً: إنه كان يخشى أن يمد يده للآخرين، ولذلك اختار العمل والتعلم والبحث عن الفرص ومحاولة تطوير نفسه، وكان مؤمناً بأن الرزق بيد الله، وأن على الإنسان أن يسعى ويترك النتائج على الله.

وبمرور الوقت، أخذ الله بيده، كما يقول، وتنقل من عمل إلى آخر حتى دخل مجال التجارة والعقار، وبفضل الله وجد نفسه في أفضل حال. إلا أن تحسّن ظروفه المعيشية لم يبعده عن ذكريات طفولته، بل جعلها دافعاً لمساعدة الآخرين، خصوصاً الفئات المتعففة والأسر المحتاجة.

العيش في ظروف صعبة

ويؤكد أن اليُتم كان له أثر كبير في هذا الجانب من حياته، فعندما يرى امرأة متعففة أو أسرة محتاجة يتذكّر الماضي، ويتذكّر كيف يمكن للإنسان أن يعيش ظروفاً صعبة دون أن يستطيع طلب المساعدة من أحد. ومن هنا أصبح يسأل نفسه دائماً عن الطريقة التي يمكن من خلالها مساعدة المحتاجين بما يجعلهم يعتمدون على أنفسهم، بدلاً من تقديم مساعدة تنتهي بانتهاء الحاجة.

حفظ كرامة الآخرين

ومن هذا التفكير جاءت فكرة مساعدتهم في إنشاء مواقع لبيع منتجاتهم، بما يوفر لهم مصدر رزق يغنيهم عن سؤال الآخرين. ويقول: إن الأثر كان أكبر مما توقع، إذ لم تكن تلك المواقع مجرد أماكن لبيع المنتجات، بل أصبحت مصدر دخل يساعد الأسر على الاعتماد على نفسها ويحفظ كرامتها، وأسعده أن يرى أسراً كانت في حاجة إلى المساعدة أصبحت قادرة على العمل وبيع منتجاتها وكسب رزقها.

وامتد اهتمام المداني بالعمل الخيري إلى والديه وإخوته، إذ حرص على إقامة وقف في مزرعة والديه بقرية المدان في بلجرشي، وفاءً لهم واستمراراً للبر بهم بعد وفاتهم. ويقول: إن البر بالوالدين لا ينتهي بوفاتهما، موضحاً أن والدته ووالده رحلا منذ سنوات طويلة، لكنهما ما زالا حاضرَين في قلبه، ولذلك حرص على أن يكون لهما نصيب من هذا العمل.

وقسّم المزرعة إلى أربعة أقسام؛ قسم باسم والده، وقسم باسم والدته، وقسمين باسم شقيقه وشقيقته (رحمهم الله جميعاً). وأراد أن يكون المكان وقفاً ينتفع به الناس، وأن تصل ثماره إلى والديه وإخوته وأهله بالدعاء والأجر بإذن الله، معتبراً ذلك أقل ما يستطيع تقديمه لهم وفاءً ومحبةً وعرفاناً بما قدموه له في حياتهم.

وجعل المداني باب المزرعة مفتوحاً للجميع، ووفّر فيها الطعام والشراب، لتكون مكاناً ينتفع به الزوّار، إلى جانب ما يحمله الوقف من معنى البر والعطاء واستمرار الأثر.

أثر يبقى بعد الرحيل

ويرى المداني، أن الوقف من أعظم أبواب الخير؛ لأنه لا يقتصر أثره على وقت محدد، بل يمكن أن يستمر نفعه سنوات طويلة، ويكون للإنسان أجره ما دام الناس ينتفعون به بإذن الله. ويؤمن أن أجمل ما في الوقف أن يجعل الإنسان جزءاً مما رزقه الله به نفعاً مستمراً للآخرين، سواء للفقراء والمحتاجين أو في مجالات أخرى تخدم المجتمع.

كما يرى أن الوقف يتيح للإنسان أن يبر بوالديه بعد وفاتهما، وأن يجعل لهما عملاً ينتفعان بأجره بإذن الله، ولذلك يحرص على أن يكون ما يستطيع تقديمه من أعمال في باب الخير والوقف، وأن يستمر نفعه للناس، مؤكداً أن الأهم بالنسبة له هو أن يبقى الأثر حتى بعد رحيل الإنسان.

ويختصر المداني، جانباً من تجربته الإنسانية في كلمات تعكس أثر طفولته في شخصيته، قائلاً: «أنا عشت يتيماً وتذوقت مرارة اليُتم، وكل خطوة في حياتي كانت معركة صغيرة أخوضها وحدي، لكنني خرجت منها أقوى، أعرف قيمة العطف، وأقدّر معنى أن يكون الإنسان رحيماً».