عند وصول الزائر للمسجد النبوي، يلاحظ الاهتمام الكبير؛ الذي توليه الدولة السعودية به، والعناية الفائقة له، بتقديم كافة الخدمات لزوار مسجد المصطفى عليه الصلاة والسلام. وعند الدخول للمسجد الشريف تستشعر عظمة المكان والتاريخ، وأن هذا المكان أعطى كل اهتمامه بضيوفه وزواره، الذين يأتون من مختلف دول العالم بثقافات مختلفة، فهو نقطة التقاء فريدة لمختلف الثقافات الإسلامية. على مدار العام، يتدفق إليه الملايين من المسلمين من شتى بقاع الأرض لزيارة هذا المكان المقدس، حاملين معهم عاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم.

التنوع يتجلى بوضوح في:

• لغات متعددة: تسمع في أروقة المسجد النبوي لغات مختلفة كالعربية، والأوردية، والتركية، والملايوية، وغيرها.

• عادات مختلفة: يتجلى التنوع في أنماط اللباس، وطرق السلام، وحتى في أساليب الدعاء والتعبد، وكلها تُمارس في جوٍّ من التسامح والاحترام المتبادل.

• تبادل المعرفة: يعتبر المسجد مركزاً للتعلم، ويتبادل العلماء والطلاب المعرفة الدينية، ويشاركون في الدروس والحلقات العلمية.

كل هذه العوامل تجعل من المسجد النبوي رمزاً للوحدة الإسلامية، إذ يتلاقى المسلمون من مختلف الأعراق والثقافات على هدف واحد هو العبادة والتقرب إلى الله، ويُعتبر المسجد النبوي الشريف أكثر من مجرد مكان للعبادة، فهو مؤسسة تعليمية وتربوية عريقة منذ تأسيسه. لقد كان المسجد منطلقاً للعلم والمعرفة، ومحطةً لالتقاء العلماء وطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

مركز للعلم والمعرفة

• منبر النبوة الأول: بدأ دور المسجد النبوي التعليمي منذ عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكان يلقي دروسه ويُعلِّم الصحابة القرآن والسنة النبوية. كان المسجد يُستخدم أيضاً للتشاور في شؤون الأمة، مما جعله مركزاً للحكم والإدارة، إضافة إلى كونه منارة للعلم.

• حلقات العلم: بعد وفاة الرسول، استمر الصحابة والتابعون في عقد حلقات العلم داخل المسجد، وكانوا يتدارسون الفقه والحديث والتفسير. وقد أصبحت هذه الحلقات تقليداً راسخاً، يتناقلها العلماء جيلاً بعد جيل.

• مدرسة أهل الصفة: يُعد «أهل الصفة» من أبرز النماذج التي تُظهر دور المسجد النبوي مدرسةً؛ مجموعة من الفقراء والمهاجرين الذين لا مأوى لهم، كانوا يسكنون في صفّة (مكان مرتفع) في المسجد، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى تعليمهم بنفسه.

استمرارية الدور الأكاديمي

• جامعة الإسلام الأولى: على مر العصور، حافظ المسجد النبوي على مكانته مركزاً علميّاً رائداً. وقد أُطلق عليه العديد من الأوصاف التي تؤكد ذلك، مثل «جامعة الإسلام الأولى» و«معهد العلم».

• الدروس والدورات: حتى اليوم، يُنظِّم المسجد النبوي دروساً علمية ودورات متخصصة في مختلف العلوم الشرعية، يلقيها كبار العلماء والمشايخ، ويحضرها الآلاف من طلاب العلم والزوار من جميع أنحاء العالم.

بهذا، يُمكن القول إن المسجد النبوي الشريف ليس فقط مكاناً للصلاة، بل هو منارة للعلم والمعرفة، ومدرسة وجامعة تُعلِّم الأجيال وتُخرج العلماء، وتُساهم في إثراء الفكر الإسلامي.

«عبدالله السويدي» درس العلوم الشرعية في المدينة

الدكتور عبدالله السويدي قدم محاضرة باللغة الإنجليزية عن الإسلام في المسجد النبوي في عام 2019م بعد أن أسلم عام 2002، ودرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهو يتحدر من العائلة الملكية السويدية من جهة والدته، التي ترتبط بسلالة الملك «جوستاف فاسا» مؤسس السويد، ودرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأكمل الماجستير والدكتوراه هناك، متخصصاً في نقد الإلحاد واللادينية، وأسس مركز «يقين» لنقد الإلحاد واللادينية، وكلفته إدارة المسجد النبوي في المدينة المنورة بإلقاء محاضرات باللغة الإنجليزية للطلاب الناطقين بها عن الإسلام في الحرم النبوي.

يقول الباحث التاريخيّ عبدالرحمن سليمان النزاوي لقد تشرّف المسجد النبوي الشريف على مر العصور بالعديد من العلماء والمشايخ، الذين كان لهم دور عظيم في نشر العلم الشرعي، وتدريس القرآن الكريم والسنة النبوية، وإمامة المسلمين في الصلاة، ومنذ عهد الصحابة والتابعين وحتى العصر الحديث كان المسجد النبوي مركزاً للعلم والفتوى، ومن أبرز العلماء الذين ارتبطت أسماؤهم به:

• الإمام مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المالكي، قضى حياته في المدينة المنورة ودرّس في المسجد النبوي.

• الإمام زين العابدين علي بن الحسين: كان من كبار علماء المدينة المنورة.

• الإمام البخاري: صاحب «صحيح البخاري»، وقد قدم إلى المدينة المنورة ودرّس فيها.

• الإمام أبوبكر الجزائري: من العلماء المعاصرين الذين قضوا أكثر من نصف قرن في التدريس بالمسجد النبوي.

ويضيف النزواي: ان الدولة السعودية واصلت اهتمامها في العناية بالمسجد النبوي ليصبح مركزاً تعليمياً مهماً في العالم الإسلامي، اذ تقام فيه حلقات علمية ودروس شرعية بشكل يومي. هذه الحلقات موجهة لجميع المستويات والأعمار، وتقدم دروساً في مختلف العلوم الشرعية مثل القرآن الكريم، والحديث الشريف، والفقه، والعقيدة وهذه الحلقات استمرار للدور التاريخي للمسجد النبوي بصفته مصدراً للعلم والمعرفة منذ عهد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-. تهدف إلى نشر العلم الشرعي، إذ توفر منصة لطلاب العلم ليتلقوا العلم عن كبار العلماء، وتهتم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم وتجويده، وتُسهم في غرس القيم الإسلامية الصحيحة في نفوس المسلمين، وتتيح فرصة للزوار والمقيمين للقاء العلماء والأسئلة المباشرة، ويتم تنظيم هذه الدروس والحلقات تحت إشراف هيئة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، ويتم الإعلان عن جداولها بشكل دوري، مع تحديد أسماء المشايخ، ومواعيد الدروس، ومواقعها داخل المسجد.