-A +A
أنس اليوسف (جدة) @20_anas
فصل جديد من حكاية السعوديين مع فايروس كورونا المستجد، الذي جعل الكرة الأرضية في حالة طوارئ «لم تكن في الحسبان»، بدأ في الرياض وبقية مدن المملكة، إذ بات يتعايش السعوديون والمقيمون مع أمر منع التجول الجزئي الذي قارب أن ينهي أسبوعه الأول في المملكة، بهدوء تام وحياة طبيعية رغم صمت الشوارع من بعد الساعة السابعة مساء حتى السادسة صباحاً.

الحياة الصاخبة خلف الجدران وداخل المنازل في مقابل نبض الشوارع الساكن أظهرت السعوديين بصورة مغايرة عما كان يعتقده البعض، نظريات «الشعب المنفلت» و«الشباب المستهتر» واللامسؤولية لدى السكان لم تكن لها أدلة على أرض الواقع، فمنذ أن دقت الساعة السابعة يوم الـ23 من مارس، التزم السعوديون النظام، بدت الشوارع المزدحمة خالية تماماً، وهزموا أفكار العابثين والمحرضين.

معركة جائحة كورونا لا تقتصر فقط على الساعات الحاسمة في المستشفيات والسباق نحو اللقاح المعالج للوباء، بل في ذات المسار ظهرت معركة حقيقية لم يكن أكثر المتفائلين بجيل الألفية أن تكون بهذه الصعوبة، فمعركة الوعي والإدراك بخطورة هذا الوباء، كانت في نظر البعض شبه محسومة، فالجميع سيتبع إجراءات الوقاية والسلامة وسيلزم منزله في مواجهة أخطر داء يمر على البشرية منذ عقود، إلا أن المفاجأة جاءت صادمة حينما خالفت كثير من شعوب العالم «المتعلمة» التنبيهات والتحذيرات وكأن شيئا لم يكن، تجد الشواطئ في دبي ممتلئة، وفي حدائق لندن لا مكان شاغرا للجلوس، أما في ساحات إيطاليا أقل من سنتيمترات تفصلك عن الحشود. وبقوة النظام نجحت حكومات العديد من الدول في إغلاق مدنها وعزل سكانها ومنعهم من الخروج بعد أن قرر سكان عواصم العالم الأول عدم الانصياع للتحذيرات «الناعمة»، أما في السعودية فكان المشهد مختلفاً، تطبيق منع التجول جاء في تاريخ 23 مارس، ليس رد فعل بل ضرورة تستدعيها المرحلة للحد من تفشي الوباء، وبالعودة إلى أيام قبل فرض المنع، يلحظ المراقب أن الشوارع السعودية كانت بالفعل أقل حركة وأكثر هدوءا وتعج بعقلانية السائرين فيها، حرصاً على وطنهم من هذا الوباء.

الأسواق أغلقت أبوابها، المطارات أوقفت رحلاتها، الشركات أرسلت موظفيها إلى منازلهم للعمل عن بعد، وغيرها من تدابير احترازية، لم يتقبلها المواطن والمقيم بصدر رحب فحسب، بل سارع وبادر لتنفيذها على أكمل وجه، ليس لشيء إنما لوعيه التام بقيمة الوطن والشراكة الحقيقية مع الحكومة الساهرة لتجاوز المحنة.

وباعتبار المملكة جزءاً من هذا العالم، لم تكن بمعزل عن بعض التصرفات الفردية «المحدودة جداً» منذ تطبيق قرار المنع، حتى ظهرت مقاطع لعابثين يخالفون القرار ويتحدون الأجهزة الأمنية، وفيما لم يكن مستغرباً سرعة التفاعل الأمني وإيقاف العابثين، إلا أن اللافت كان الإجماع الشعبي على رعونة هؤلاء المخالفين للأوامر واستنكارهم الشديد لهذه المخالفات الصبيانية. وعي السعوديين بخطورة المرحلة بات مضرب مثل لدى المراقبين لسلوكيات الشعوب خلال «زمن الكورونا»، الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة وروح المسؤولية العالية لدى الجميع في إبداء أقصى درجات التعاون مع جهات الدولة المستنفرة لمواجهة الفايروس، لم تدع مجالاً للشك أن سكان المملكة (مواطنين ومقيمين) أثبتوا أنهم على درجة عالية من التحلي بالصبر والإدراك طيلة فترات الأزمة.

تحملت الدولة بكل قوة الأعباء المترتبة على تفشي الفايروس وآثاره من إغلاق للأسواق والمطارات وتعليق العديد من الأنشطة، ما سيعيق نمو الحركة التجارية والاقتصادية بعض الشيء في البلاد، وفي المقابل، كان الطلب الوحيد من المواطن بأن يبقى في منزله حتى تنجلي الغمة، وإيماناً بدورهم والمسؤولية المضاعفة منهم تجاه الوطن، اختار سكان المملكة الوقوف جنباً إلى جنب مع قيادتهم في المعركة الأشرس، على أمل أن يذكر التاريخ المملكة (البلد الذي يزوره ملايين المسلمين سنوياً من مختلف الجنسيات ويعيش فيه أكثر من 30 مليون نسمة) بعد سنوات بأنها هزمت الكورونا بوعي سكانها.

الربيعة وفيديو الدقيقتين.. المسؤولية بيد الجميع

ظهر وزير الصحة الدكتور توفيق الربيعة، في فيديو عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي في تاريخ 15 مارس، يحث فيه المواطنين والمقيمين على البقاء في منازلهم «قدر الإمكان»، واتخاذ التدابير الوقائية للحماية من المرض وتجنب التجمعات، حديث الوزير الذي لم يتجاوز الدقيقتين عن مخاطر فايروس كورونا المستجد، وإسدائه نصائح لحماية وسلامة المجتمع، لقي قبولاً شعبياً كبيراً، كيف لا وهذه الرسالة المهمة من رأس هرم المنظومة الصحية في البلاد، والأعلم بمستجدات الأمور وتبعاتها. أكثر من 8 ملايين مشاهدة للفيديو فقط عبر حساب الوزير، وملايين المشاهدات عبر من شاركه في حسابات مختلفة في منصات متعددة، رسخت الرسالة المشتركة بين المسؤول والشعب، المهمة الوطنية «كلنا مسؤول»، التي دعا لها الوزير لأول مرة في ذلك المقطع المصور القصير، انتشرت بين أوساط السعوديين، الظهور النادر للسلطة الأعلى بالنسبة لوزارة الصحة أشعر السعوديين بأن الجدية مطلوبة لمواجهة المرض الغامض، والتساهل فيه من أي جهة أو فرد يكلف الكثير، وهنا كان «وعي السعوديين» أقوى، الرسالة وصلت وبدأت تنتشر في كل مكان، المرحلة تتطلب التكاتف للعودة أقوى بعد الأزمة. رسالة الوزير الواضحة كانت أن مكافحة المرض الغامض ليست مسؤولية وزارة أو جهة معينة، بل مسؤولية الجميع، إذ يعد ارتفاع الوعي ضرورة قصوى لمحاصرة الفايروس ومواجهته، وأن الشفافية ديدن المرحلة القادمة، لأنها تعني الكثير بالنسبة للمجتمع، بعيدا عن الشائعات التي يمكن أن يتداولها مستهترون أو مغرضون أو أصحاب أجندات أو من في قلوبهم مرض.