تختزل ذاكرة التاريخ السعودي صوراً جميلة للفزعة والشهامة، فمنذ بدايات تأسيس الدولة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، كان مفهوم «الفزعة» حاضراً كقيمة أخلاقية وإنسانية راسخة، لا تقتصر على نصرة القريب أو نجدة الجار فحسب، بل تمتد لتصل لكل ملهوف ومحتاج أينما كان.

شيمة توارثتها الأجيال

في مجتمع الجزيرة العربية القديم، لم تكن «الفزعة» مجرد استجابة لنداء استغاثة، بل كانت واجباً أخلاقياً ورمزاً للكرامة والأصالة. يروي الأجداد قصصاً ملهمة عن القرى والقبائل التي كانت تتداعى مجتمعة لإغاثة من ألمّت به جائحة، أو نجدة العابرين والمسافرين في أوقات الشدة، لتتحول هذه الشيمة إلى طبع أصيل يُعرف به السعودي في كل مكان.

العطاء السعودي حول العالم

مع تأسيس الدولة السعودية الحديثة ووصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين وولي العهد، لم تغب هذه الشيمة، بل ارتقت من جهود فردية إلى عمل مؤسسي عالمي تقوده السعودية عبر «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية». ولم تعد الفزعة مجرد شعار، بل تجسدت في واقع رقمي وإنساني يشار له بالبنان، أكثر من 4,450 مشروعاً إغاثياً وثقافياً نفذها المركز حول العالم، 113 دولة مستفيدة ممتدة عبر القارات الخمس، وصولاً لجميع الشعوب المتضررة دون تمييز، وتجاوزت حجم المساعدات السعودية إجمالاً 123 مليار دولار أمريكي (نحو 463 مليار ريال سعودي) شملت قطاعات الأمن الغذائي، الصحة، الإيواء، والتعليم.

فزعة الرقمية والتمكين

لأن رؤية السعودية 2030، استلهمت مبادئها من أصول الموروث السعودي، فقد جاءت التقنية لتترجم «الفزعة» إلى حلول ذكية ومبتكرة. فمن خلال المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان»، أصبح بإمكان كل مواطن ومقيم استجابة نداء الحاجة بضغطة زر. وأثمرت هذه الحوكمة الرقمية عن نتائج استثنائية، وتجاوز إجمالي التبرعات عبر المنصة 17 مليار ريال سعودي منذ إطلاقها، وإكمال أكثر من 33 ألف فرصة تبرع شملت الرعاية الصحية، السكنية، ودعم المعسرين واليتامى، وشراكة مع أكثر من 3,600 جمعية أهلية حول المملكة لضمان وصول الدعم للمستحق الفعلي، وتجاوز صندوق إحسان الوقفي 2.5 مليار ريال، ليضمن استدامة العمل الخيري وموردًا ثابتاً للفئات الأشد احتياجاً.

مفهوم «الفزعة» في السعودية قيمة أخلاقية وإنسانية راسخة

جهود فردية تحولت لعمل مؤسسي عالمي تقوده السعودية

أصبح بإمكان كل مواطن ومقيم استجابة نداء الحاجة بضغطة زر لم تقف «الفزعة» السعودية عند حدود الدعم المالي والتمكين التنموي، بل تجسدت في أبهى صورها الميدانية، عبر المبادرات الوطنية لإغاثة الإنسان وتأمينه في أحلك الظروف وأوقات الأزمات الكبرى. وقد برهنت السعودية على مفهوم الفزعة الإنسانية من خلال قيادتها لأكبر عمليات الإخلاء الإنساني في التاريخ الحديث، والتي تجلت وفق بيانات وزارة الخارجية السعودية في إجلاء أكثر من 5,000 شخص، من ضمنهم مواطنون سعوديون وآخرون ينتمون إلى أكثر من 100 جنسية مختلفة حول العالم من صراع الحرب في السودان، عبر سفن القوات البحرية الملكية السعودية والطائرات العسكرية لنقلهم بأمان إلى قاعدة الملك فيصل البحرية بجدة. ولم تقتصر هذه النجدة على الإخلاء الميداني، بل امتدت لتسيير جسور جوية وبحرية إغاثية عاجلة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة شملت متضرري الزلازل والأزمات في تركيا وسوريا وغزة والأردن وأوكرانيا لمدهم بالمأوى والرعاية الطبية الطارئة، وعلى الساحة المحلية تُرجمت هذه الفزعة عبر منظومة أمنية وخدمية ذكية تقودها منصات وطنية عاجلة، كمركز العمليات الأمنية الموحد (911)، التابع لوزارة الداخلية، وتطبيق «أسعفني» التابع للهيئة العامة للهلال الأحمر السعودي، لضمان استجابة الفزعة ووصول نجدة المواطن والمقيم خلال دقائق معدودة.

إن «الفزعة» في الثقافة السعودية ليست مجرد حدث عابر، بل هي هاتف النخوة الذي لا ينطفئ. وعزنا اليوم في اليوم الوطني، يتجلى في أن هذه القيمة التاريخية تحولت إلى منظومة رقمية وإنسانية تقود العالم في إغاثة الملهوف، وسنظل نفزع بوعينا، وعطائنا، وإنسانيتنا، ممتدين من أصالة التأسيس إلى إنجازات الرؤية الواعدة.