يُعدّ تليّف الكبد أحد أبرز أسباب الوفيات المرتبطة بأمراض الكبد عالمياً، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه يتسبب في أكثر من 1.3 مليون شخص سنوياً، ليصبح ضمن أهم 15 سبباً للوفاة حول العالم. كما توضح المنظمة أن نحو ملياري شخص تعرضوا لعدوى فايروس (التهاب الكبد B) في مرحلة ما من حياتهم، فيما يعيش ما يقارب 58 مليون شخص مع عدوى فايروس (التهاب الكبد C) المزمنة، وهما من أكثر المسببات شيوعاً للتليّف. وتؤكد الجمعية الأمريكية لدراسة أمراض الكبد (AASLD)، أن التليّف يمثل المرحلة النهائية للعديد من أمراض الكبد المزمنة، مشيرة إلى أن ما يقارب 30% من المصابين بـ(الكبد الدهني) غير الكحولي قد يتطور لديهم تليّف في مراحل لاحقة. كما تشير الجمعية الأوروبية لدراسة الكبد (EASL)، إلى أن نسبة كبيرة من الحالات تبقى غير مُشخّصة، إذ يُقدّر أن واحداً من كل أربعة بالغين يعاني من شكل من أشكال (الكبد الدهني)، ما يرفع احتمالية الإصابة مستقبلاً. وتحذر الجهات الصحية من أن التليّف غالباً ما يتطور بصمت، إذ لا تظهر الأعراض إلا بعد فقدان الكبد أكثر من 70% من قدرته الوظيفية. وتشمل مضاعفاته الخطيرة: الاستسقاء، النزيف الداخلي، الاعتلال الدماغي الكبدي، وسرطان الكبد الذي يُسجّل عالمياً أكثر من 900 ألف حالة سنوياً.

الحذر من تليف الكبد الدهني

وتؤكد منظمة الصحة العالمية، أن الوقاية ممكنة، إذ يمكن خفض معدلات الإصابة بالتليّف عبر التطعيم ضد (التهاب الكبد B)، وعلاج (التهاب الكبد C) بالأدوية الحديثة التي تتجاوز نسب شفائها 95%، إضافة إلى تبني نمط حياة صحي يقلل من انتشار (الكبد الدهني)، الذي يُعد اليوم من أسرع أسباب التليّف نمواً.

وبالتزامن مع اليوم العالمي لـ(التهاب الكبد الفايروسي) في 28 يوليو 2025م، أعلنت وزارة الصحة، عن تقدم ملحوظ في برامج الكشف المبكر والعلاج، بعد تنفيذ أكثر من 19 مليون فحص مسحي لـ(التهاب الكبد C) منذ 2018، وبلوغ نسبة الشفاء 95% باستخدام العلاجات الحديثة، ضمن جهود شاملة تعزز الوقاية وتنسجم مع مستهدفات برنامج (تحول القطاع الصحي) في رؤية المملكة 2030 لبناء مجتمع يتمتع بصحة مستدامة.

كما كشفت البيانات عن انخفاض معدل الإصابة بـ(التهاب الكبد B) المزمن إلى 1.6% بين البالغين، مع عدم تسجيل أي حالات جديدة بين الأطفال دون سن الخامسة، إضافة إلى إجراء أكثر من 1188000 فحص خلال 2025م.

وأكدت الوزارة أن خدمات الفحص متاحة في مختلف منشآت الرعاية الصحية، مع استمرار حملات التوعية حول أنواع (التهاب الكبد الفايروسي A وB وC)، وأهمية الوقاية وتعزيز أنماط الحياة الصحية.

وللوقوف بشكل أعمق على هذا المرض وأبعاده الصحية، توجهنا إلى عدد من المختصين في أمراض الكبد، وطرحنا عليهم مجموعة من الأسئلة.. والبداية مع استشاري أمراض وزراعة الكبد الدكتور عبدالرحمن صالح العمرو، الذي أشار إلى أن تليّف الكبد يُعدّ المرحلة المتقدمة من أمراض الكبد المزمنة، إذ تُستبدل الخلايا السليمة بأنسجة ليفية تعيق قدرة الكبد على أداء وظائفه الحيوية، مثل تنقية الدم، تصنيع البروتينات، وتنظيم الجهاز المناعي. وقال: «إن المرض غالباً ما يتطور بصمت لسنوات طويلة قبل ظهور أي أعراض واضحة».

يرقان واستسقاء البطن

ويوضح الدكتور العمرو أن الخطورة تبدأ عندما يفقد الكبد جزءاً كبيراً من قدرته الوظيفية، فتظهر علامات مثل اليرقان (اصفرار الجلد والعينين) واستسقاء البطن. وفي هذه المرحلة يُعرف المرض بـ(فشل الكبد المزمن)، ويحتاج المريض إلى متابعة دقيقة، وقد يتطلب الأمر تقييماً لإجراء زراعة كبد.

ويبيّن الدكتور العمرو أن حصوات المرارة لا تسبب تليّف الكبد بشكل مباشر؛ لأنها تؤثر على القنوات الصفراوية أكثر من تأثيرها على نسيج الكبد نفسه، إلا أنه في حالات نادرة، قد يؤدي انسداد القنوات الصفراوية المزمن أو الالتهابات المتكررة إلى تأثير غير مباشر على الكبد.

ويشير استشاري أمراض وزراعة الكبد الدكتور العمرو إلى أنه لا يوجد دواء قادر على إزالة التليف بالكامل، لكن توجد علاجات فعّالة يمكنها إيقاف تطور المرض وتحسين وظائف الكبد؛ من خلال علاج السبب الأساسي والسيطرة على الالتهاب والمضاعفات، وفي الحالات المتقدمة، تكون زراعة الكبد هي العلاج الأمثل.

الحذر من الأعشاب والمكملات

ويؤكد الدكتور العمرو أن تناول الأدوية تحت إشراف طبي لا يشكل خطراً عادة، لكن بعض الأدوية قد تسبب التهابات كبداية نادرة. كما يحذر من الأعشاب والمكمّلات غير الموثوقة التي قد تؤدي إلى التهابات أو تليّف في الكبد.

ويقول الدكتور العمرو: «إن التليف يقسم إلى أربع درجات حسب كمية الأنسجة الليفية، وإلى ثلاث درجات حسب مستوى ضمور وظائف الكبد. وفي المراحل المبكرة يمكن إيقاف تقدم المرض بالعلاج وتغيير نمط الحياة، بينما تتطلب المراحل المتقدمة متابعة دقيقة، وقد يُدرج المريض لزراعة كبد عند وجود ضمور واضح في الوظائف».

هل يستطيع الكبد إصلاح نفسه؟

ويوضح الدكتور العمرو أن الكبد يمتلك قدرة عالية على التجدد، فعند إزالة السبب مثل علاج الفايروس أو إنقاص الوزن أو التوقف عن الكحول، يبدأ الكبد في إصلاح الخلايا التالفة تدريجياً. لكن التليف الشديد لا يمكن عكسه، ويمكن فقط إيقاف تقدمه.

ويشير إلى أن «الكبد يتميز بقدرته على النمو من جديد، ما يجعل التبرع بجزء منه خياراً آمناً وفعّالاً. إذ يعود حجم الكبد لدى المتبرع والمتلقي إلى طبيعته خلال أشهر قليلة»، موضحاً أنه في المراحل المبكرة يمكن الشفاء تماماً إذا عولج السبب وتغيّر نمط الحياة. أما في المراحل المتقدمة فلا يمكن إزالة التليف، ويُركز العلاج على إبطاء تطوره وتحسين جودة الحياة، وتبقى زراعة الكبد الخيار العلاجي النهائي.

ويؤكد الدكتور العمرو أن التليّف نفسه غير معدٍ، لكن بعض أسبابه مثل فايروسات الكبد B وC قد تكون معدية، ما يستدعي الالتزام بوسائل الوقاية والتطعيم.

اختلال توازن الجسم

وفي السياق نفسه، يصف استشاري الطب الباطني وأمراض الجهاز الهضمي والكبد الدكتور عبدالله المحمود، التهاب الكبد بأنه «المرض الصامت» في جسم الإنسان، إذ يعمل الكبد بصمت وبقدرة مدهشة على التحمُّل، ويمنح الجسد فرصاً متكررة قبل أن يرفع راية الإنذار. ويشير إلى أن خطورة هذا الصمت تكمن في أن الكبد قد يخفي سنوات من الالتهاب أو التليّف دون ألم واضح، حتى تظهر العلامات فجأة مثل اليرقان، الإرهاق الشديد، انتفاخ البطن، النزيف، أو اضطراب الوعي.

ويؤكد الدكتور المحمود، أن الكبد ليس مجرد عضو لتنقية السموم كما يعتقد البعض، بل هو مركز للتحكم في عمليات الهضم والطاقة وتخزين السكر والدهون، وينتج مواد أساسية لتجلّط الدم، ويتعامل مع الأدوية والمواد الداخلة للجسم ليجعلها آمنة. وعندما يتعب هذا (المصنع الحيوي) يختل التوازن في الجسم، فتظهر الكدمات بسهولة، ويحدث نزيف وضعف عام واضطراب في وظائف الجسم.

خطوات وقائية للحماية

ويحذر الدكتور استشاري امراض الكبد الدكتور المحمود، من الاعتماد على وصفات (الديتوكس) أو الحلول السريعة، مؤكداً أن «حماية الكبد تأتي من خطوات وقائية حقيقية تشمل التطعيم ضد فايروس الكبد B، الفحص المبكر لمن لديهم عوامل خطورة، ضبط الوزن والسكر والدهون، الحذر من الأعشاب والمكمّلات مجهولة المصدر، وتجنب مشاركة الأدوات الشخصية أو التعرض لممارسات طبية غير آمنة».

ويشير إلى أن أسباب أمراض الكبد متعددة؛ منها الالتهابات الفايروسية (B وC)، دهون الكبد المرتبطة بالسمنة والسكري، بعض الأدوية والأعشاب، إضافة إلى الأمراض المناعية ومشكلات القنوات الصفراوية. ويؤكد الدكتور المحمود، أن الاعتماد على (الإحساس) فقط في اكتشاف المرض مخاطرة كبيرة، لأن المراحل الأولى غالباً بلا أعراض.

ويضيف أن الطب اليوم يحمل قصص نجاح مهمة؛ فـ(فايروس C) أصبح علاجه فموياً قصير المدة وفعالاً، بينما تمكن السيطرة على (فايروس B) والمتابعة للحد من مضاعفاته. أما دهون الكبد، فعلاجها يبدأ من نمط الحياة؛ وزن صحي، حركة منتظمة، وضبط السكري والدهون.

ويوضح الدكتور المحمود، أن التليّف درجات؛ فقد يعيش المريض سنوات طويلة مع تليّف مستقر إذا كانت المتابعة صحيحة، بينما التليّف المتقدم قد يقود إلى نزيف أو فشل كبدي أو سرطان الكبد. ويشدد على أهمية المتابعة الدورية كل ستة أشهر بالموجات فوق الصوتية، مع اعتبار زراعة الكبد خياراً شافياً في المراحل النهائية.

ويختتم بقوله: «الكبد يمنح الإنسان وقتاً لكنه لا يحتمل الإهمال».

التحول إلى تليف

ويوضح استشاري أمراض الجهاز الهضمي والمناظير وأمراض وزراعة الكبد الدكتور هادي كريري، أن (التهاب الكبد) هو حالة تصيب خلايا الكبد نتيجة عوامل متعددة؛ أبرزها العدوى الفايروسية مثل (فايروسات A وB وC)، إضافة إلى دهون الكبد، الأمراض المناعية، والكحول. وقد يكون الالتهاب حاداً يظهر خلال فترة قصيرة، أو مزمناً يستمر لسنوات طويلة. ومع مرور الوقت، قد يتحول الالتهاب المزمن إلى تليّف، وهو تلف تدريجي تُستبدل فيه الخلايا السليمة بأنسجة ليفية غير قادرة على أداء وظائفها. وعندما يصبح التلف واسعاً ودائماً، نصل إلى مرحلة (تشمّع الكبد)، وهي الصورة المتقدمة من التليّف. ويشير إلى أن (التليّف) و(التشمّع) هما توصيفان لحالة واحدة تختلف فقط في درجة التقدم.

ويشير الدكتور هادي إلى أن المراحل الأولى غالباً تمر دون أي أعراض. ومع ازدياد التليف، تبدأ العلامات بالظهور تدريجياً مثل الإرهاق، فقدان الشهية، ونقص الوزن. وفي بعض الحالات لا يُكتشف المرض إلا عند حدوث قصور واضح في وظائف الكبد أو ظهور مضاعفات خطرة مثل اليرقان، الاستسقاء، النزيف من دوالي المريء، أو الاعتلال الدماغي الكبدي.

موضحاً أن الأعراض لا تختلف بين الرجال والنساء، إلا أن الدراسات تُظهر أن الرجال أكثر عرضة للإصابة بالتليّف. كما ترتفع الخطورة لدى من تجاوزوا سن الـ50؛ لأن التليّف عملية تراكمية تحتاج سنوات طويلة لتظهر، خصوصاً عند وجود عوامل خطورة مثل الفايروسات أو السمنة. ورغم أن التليّف نفسه غير معدٍ، فإن بعض أسبابه معدية مثل (التهاب الكبد الفايروسي B وC وD).

ضعف في المناعة

ويؤكد الدكتور كريري أن تأثير التليّف لا يقتصر على الكبد وحده، بل يمتد إلى الجسم بأكمله. «فمع تقدّم المرض تضعف قدرة الكبد على تنقية السموم، وينخفض إنتاج البروتينات الأساسية، وتزداد سهولة النزيف وظهور الكدمات، ويحدث اضطراب في إفراز العصارة الصفراوية، إضافة إلى اضطرابات هرمونية، وضعف في المناعة، وسوء في الهضم والتغذية».

ويشير إلى أن تشخيص التليّف يعتمد على مجموعة من الوسائل تشمل الفحص السريري، تحاليل الدم لتقييم وظائف الكبد، الفحوص التصويرية مثل الموجات فوق الصوتية أو الأشعة المقطعية، إضافة إلى قياس صلابة الكبد، وفي بعض الحالات قد تُجرى خزعة لتأكيد التشخيص.

أما زراعة الكبد، فيصفها بأنها العلاج النهائي للفشل الكبدي المتقدم، وتُعد من أنجح عمليات زراعة الأعضاء. ومع ذلك، تواجه تحديات مثل نقص المتبرعين، ضرورة تطابق فصيلة الدم، الحاجة لاستخدام أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة، واحتمال رفض الجسم العضو المزروع.

ويختتم الدكتور هادي بالتأكيد على أن الوقاية هي حجر الأساس، وتشمل التطعيم ضد (التهاب الكبد الفايروسي)، المحافظة على وزن صحي، السيطرة على الأمراض المزمنة مثل السكري والدهون، تجنب الكحول، والفحص المبكر لمن لديهم عوامل خطورة، فالكبد عضو صبور يمنح فرصاً كثيرة، قبل أن ينهار.