يتميّز رمضان بمظاهر التكافل والألفة و تعزيز العلاقات بين الناس وقربهم من بعضهم. ومن العادات الرمضانية في المدينة المنورة «الطُعمة»، وتتمثل في إرسال الطعام إلى الأهل والجيران وقت الإفطار، إذ يشارك كل بيت بما أعدّه، وتعود الصحون مليئة بأصناف متنوعة، فتسود مشاعر المحبة والتكافل بين الجميع.

وتقول أم أحمد: إن هذه العادة تُعرف في الحجاز باسم «طُعمة»، وتُعد عادة أساسية في كل حي بالمدينة المنورة عاشتها منذ طفولتها وحتى كبرها وانتقالاتها ما بين الأحياء، و لا يكاد يمرّ يوم من أيام رمضان دون تبادل الأطباق بين البيوت قبيل أذان المغرب. وتضيف، إن حضورها اليوم أصبح أقل انتشاراً مقارنة بالماضي، رغم ما تحمله من معانٍ دينية واجتماعية، أبرزها استشعار حق الجار وكسب الأجر. وتشير إلى أن من صورها الراسخة في الذاكرة ألا يُترك الجار يشمّ رائحة الطعام دون أن يُشارك فيه ويتذوق ما عند جاره.

من جانبها، تؤكد نورة الحربي أن «الطُعمة» كانت تسهم في بناء روابط اجتماعية، إذ يتولى الأطفال حمل الصحون بين البيوت وينتظرون فترة ما قبل أذان المغرب حتى يزوروا جيرانهم، في مشهد يومي يعكس الألفة بين سكان الحي. وترى أن تراجع هذه الممارسة اليوم يستدعي إعادة إحيائها بصيغ تتناسب مع واقع الحياة المعاصرة، حتى نحافظ على روح المحبة والتسامح التي ميّزت الشهر الكريم.

ويذكر عماد الحربي أنّ عادة «الطُعمة» واحدة من أبرز الصور الاجتماعية المرتبطة برمضان، إذ تقوم على تبادل الأطعمة بين الجيران والأقارب قبيل أذان المغرب، فيحرص كل منزل على مشاركة جزء من مائدته مع من حوله. وهذه العادة نشأت بصورة عفوية لا تحتاج إلى ترتيب أو دعوات رسمية؛ الأبواب مفتوحة، والأطباق تنتقل بين البيوت يحملها أطفال أو أحد أفراد الأسرة، تصاحبها كلمات الدعاء والود. ولم تكن مجرد تقديم طعام، بل تعبيراً صادقاً عن المشاركة الإنسانية، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وترسيخ الشعور بأن الجميع أسرة واحدة يجمعها هذا الشهر الكريم. ويستذكر طفولته أن أثناء الإفطار كانت والدته تقوم بالتعريف بكل طبق ومَن قام بإرساله من الجيران مع الدعاء لهم.

وذكر أيضاً أنه مع التحولات الاجتماعية والعمرانية، وتراجع التواصل المباشر بين الجيران، أصبح حضور هذه العادة أقل انتشاراً، مع بقاء معناها في صور أخرى مثل موائد الإفطار الجماعية في الأحياء والمبادرات الخيرية التي تعكس روح العطاء والمشاركة. وأن عادات «الطُعمة» لم تكن مجرد طبق يُهدى، بل رسالة محبة وجسر تواصل وصورة من صور الترابط التي تؤكد أن رمضان شهر للتقارب والتراحم.