تحت سماء بيروت وفي فضاء الكلمة والشّعر كان اللقاء أشبه ما يشبه رقة أجنحة قصائده التي حلّق بها وحلّقنا نحن معه في محاولة خجولة لمواكبته في السّرب ذاته. هو شاعرٌ لم يخشَ أن يعلن تعصّبه للشّعر، بل اعترف بأنه يعيش من خلاله، ولا يمكن له أن يتصور هذا العالم دون تكوين القصيدة. ولذلك فضل أن نطلق عليه الشّاعر زاهي وهبي أولاً، والإعلامي ثانياً. هو الإنسان الذي يستطيع أن يطوّع الأبجدية كيفما شاء، وبالوقت الذي شاء. أبجديته المعجونة بالحُب، هذا الحُب الذي يؤمن به ويراه بأنه انطلاقة حقيقية لتغيير كل ما يعيشه واقعنا العربي الدموي الآن، ثري الملامح الأدبية، وسبّاق لسبر أغوارها في أكثر من 14 عملاً شعراً ونثراً، ننعطف معه بداية من حيث الإنسان زاهي وهبي وإليكم نص الحوار:
• أيهما أقرب للإنسان زاهي وهبي؛ الشّاعر أم الإعلامي؟
•• كلاهما قريب.. لأن الإنسان لا يستطيع أن يقسم نفسه لأجزاء منفصلة عن بعضها البعض، أشبّه الإنسان بالنهر الجاري الذي تصب فيه روافد متعددة في هذا النهر الكبير الذي يدعى الحياة أو الذي يدعى الإنسان. الإعلام بالنسبة لي هو رافد، والشعر رافد آخر، لكن الفارق بين الأمرين أن الإعلام هو مهنة، صحيح أن هذه المهنة لها أبعاد ثقافية وفكرية وأحياناً سياسية، وصحيح أنها يجب ألا تكون مجرد باب رزق لأنها تتعاطى مع الرأي العام، ويستطيع الإعلامي من خلال عمله أن يؤثر في الرأي العام إيجاباً أو سلباً، لكنها في نهاية المطاف تظل مهنة. بينما الشّعر هو حياة بالنسبة لي، أنا أحيا كشاعر، الشعر عندي ليس فقط قصيدة تولد أو تكتب، ليس فقط كتاباً ينشر أو أمسية تقام هنا أو هناك، الشعر بالنسبة لي نمط حياة وأسلوب عيش، طريقة تعامل مع الكائنات والوجود، ونظرة إلى هذا العالم؛ لذلك أستطيع القول إن الشعر هو أنا، هو كل ما يشكلني، هو بمثابة البصمة. الشعر بالنسبة لي هو بصمتي في هذا العالم.
• وفي خضم الكلمة، هل لنا أن نعرف من منكما يزج بالآخر لعوالم القصيدة؟
•• غالباً ما نسمع مبدعين يقولون مثلاً الموسيقى اختارتني أو الآلة الفلانية هي من فرضت نفسها، لكن شخصياً لا أملك إجابة جازمة على مثل هذه التساؤلات، لأنني أزعم أنني ولدت شاعراً، أؤمن بالجينات الشعرية، جدّي لأمي كان شاعراً وكان أديباً وفقيهاً، وجدّي لأبي كان يكتب الشعر أيضاً، وأخوالي شعراء. البيئة التي نشأت فيها هي بيئة شاعرة بامتياز، ساحرة بكل ما فيها. في زمن طفولتي كانت هناك مصاعب كثيرة، وتحديات كبيرة، كبيئة طفولة محرومة من أبسط أدوات العيش الحديث، ولكنها في الوقت نفسه كان بيئة جميلة وعذبة، لم تكن طفولة تعيسة، ولكنها صعبة بشكل أو بآخر. في هذه البيئة لم أدرك نفسي إلا شاعراً منذ الطفولة، من خلال الأنشطة المدرسية مثلاً. والكتاب كان عنصراً أسياسياً في حياتي منذ طفولتي، تفتحت على الكتب والصفحات، وقرأت وأنا طفل صغير في عمر التاسعة أو العاشرة، وأمي كانت تردد على مسامعي أبياتا شعرية للمتنبي ونازك الملائكة، لذلك فالشعر جزء من تكويني النفسي والوجداني. القصيدة تتشكل في داخلي كما يتشكل الجنين في رحم أمه، لذلك لا أملك إجابة قاطعة.
• يقال إن الشاعر يعيش في قلق مستمر.. كيف يتصالح الشاعر زاهي وهبي مع هذه الحالة؟
•• لا أتصالح مع القلق بل أتصارع معه، وربما من هذا الصراع تولد القصيدة أو تولد الفكرة أو تولد العبارة الشعرية. لا يمكن أن نولّد ناراً من دون احتكاك، لذلك هذا الاحتكاك مع هذا القلق يشبه احتكاك عود الثقاب بعلبة الكبريت. للأسف الإنسان بشكل عام هو إنسان قلق.. جدّنا المتنبي يقول «على قلق كأن الريح تحتي». وفي هذه المنطقة من العالم في بلادنا العربية يغدو القلق مضاعفاً، لأنه ليس فقط قلقاً وجودياً أو قلقاً فلسفياً، بل هو قلق واقعي فعلي مادي؛ بمعنى أنه يبدأ منذ تفتح الوعي، خصوصاً أنني أنتمي لقرية تقع على الحدود اللبنانية - الفلسطينية، هناك العدوانية الإسرائيلية الدائمة، وأنا من الجيل الذي عاش الحرب الأهلية في لبنان، والآن نشهد هذا الخراب العربي الكبير، لذلك يتضاعف القلق ويغدو ضاغطاً أكثر.
• هل للشّعر أن يصمد في هول كل ما يحدث من خراب في العالم العربي؟
•• يجب أن يصمد، الشعر هو شكل من أشكال الحياة، ولعلها مغالاة الشعراء، لكنني لا أستطيع أن أتخيل العالم دون شعر. وفي الحقيقة لا أستطيع أن أتخيل العالم دون فن بالدرجة الأولى. لو أغمضنا العين وتخيلنا العالم دون شعر وفن وموسيقى ولوحة ومسرح لتحول الكوكب لقفر موحش، والشعر هو شكل من أشكال التصدي والتحدي مواجهاً هذا الخراب الكبير.
• ما السر وراء غواية الحب في نصوصك؟
•• نشأت في كنف أم أغدقت كثيراً من العاطفة عليَّ.. أنا كائن عاطفي أنظر إلى العالم بعين عاشق وعين محب، فمنسوب العاطفة لديَّ أكثر ارتفاعاً من منسوب العقلانية إذا جاز التعبير. أؤمن بالحب، حب الأرض، وهذا العالم، وأؤمن بأن أفضل رد على كل هذه التشظيات في عالمنا العربي يكون بإعلاء شأن الحب، سواء بين الأفراد على مستوى العلاقة العاطفية، أو المكونات الاجتماعية.
• كيف يمكن للغتك الشعرية أن تعيش في دهشة مستمرة مع المرأة، كما حدث في قصيدة «أضاهيكِ أنوثة»؟
•• أعتقد أن الدهشة ضرورية للإبداع. لا يمكن للشاعر أن يكتب شعراً إذا فقد الدهشة. فالشاعر بشكل أو بآخر طفل، والطفل هو أكثر كائن يندهش بالأشياء، ويكتشف العالم من خلال الدهشة.. الدهشة تولد الفضول، والفضول يولد المعرفة، لذلك أحاول - قدر الإمكان - ألا أفقد الدهشة التي بداخلي، حتى لا أفقد هذه الدهشة التي تشيرين إليها، وأتعامل مع كل ما يحيط بي بدهشة الطفل الذي كنته يوماً، ولا أزال أحصّنه بكل ما استطعت إليه سبيلاً.
• تقول في كتابك (بيروت المدينة المستمرة): «الكتابة بحرّية أجدى من الكتابة عن الحرّية».. لماذا لا سقف لبيروت في قلب الشاعر؟
•• هناك سر في هذه المدينة.. كُتب عنها الكثير، وكتبت أنا عنها الكثير، وأسميتها في إحدى قصائدي «مسقط القلب».. أنا في عشق مع هذه المدينة منذ أن أتيت إليها قبل أكثر من 30 عاما، وأظنها بادلتني حباً بحب؛ لأنني استطعت في هذه المدينة أن أجد نفسي شاعرا، وإعلاميا، وقبل ذلك إنسانا.. وما حدث لبيروت على مر الحروب والصراعات لو أصاب أي مدينة أخرى لاندثرت، لكنْ هناك عصب في هذه المدينة أزعم أنه العصب الإبداعي؛ فالدور الثقافي في محيطها وفي العالم يجعلها دائماً قادرة على الحياة، وعلى ابتكار أسباب للحياة، وأدوات للانتصار على الموت والخراب، تخفت أحياناً لكنها سرعان ما تعود لتتوهج من جديد. ومن حسن الحظ أنني من الذين آمنوا بها حتى في لحظات خفوتها. وأظن علاقة بيروت بالحرية هي علاقة عضوية، فهذه المدينة لا معنى لها بلا حرية، وقدر جزء كبير من الحروب ومما أصاب بيروت هو بسبب هذه الحرية، ولكنها لا تزال مدينة حرة.
• «خليك بالبيت» على شاشة «المستقبل»، ثم «بيت القصيد» على شاشة «الميادين»، كلاهما يعنى بتعريف المشاهد بالمثقف العربي.. لماذا كان هذا المسار؟ هل هو الهم الثقافي؟
•• في عملي الصحفي أولاً قبل العمل التلفزيوني، ثم ببرنامج صباحي كان بعنوان «قرأت لكم»، من بعدهما «خليك بالبيت»، ثم «بيت القصيد» كان دائما الهاجس الذي أنطلق منه أنني لا أريد أن أقدم برنامجاً نخبوياً، لا أريد أن أقدم برنامجاً ثقافياً تشاهده فقط شريحة المثقفين، فالمثقفون في بلادنا العربية يعرفون شريحة المثقفين أكثر مني، والنتاج المعرفي أكثر مني. منذ البداية أردت أن يصل صوت المثقف العربي إلى أوسع شريحة ممكنة، وتعاملت مع الثقافة على أنها ليست فقط قصيدة، أو رواية، أو عملا مسرحيا، فالأغنية جزء من تكويننا الثقافي، المسلسل التلفزيوني جزء من تكويننا الثقافي، لذلك وسعت دائرة الضيوف لتشمل كل من يعمل في النتاج الثقافي بالمعنى الواسع، وأردت أن يكون الحوار بسيطاً وسهلاً يمكن لعمتي التي تبلغ الـ80 من العمر أن تشاهد البرنامج، ويمكن لشاب في عمر المراهقة أن يشاهد البرنامج، ويمكن للمثقف العربي أن يشاهده أيضاً، وكان هدفي أن أقدم برنامجاً عربياً ينطلق من لبنان إلى العالم العربي مستفيداً من إغواء بيروت.
• دخلت قصائدك في هالة الفن الملتزم منذ زمن طويل، هل لك أن تكشف قصة العمل المرتقب بينك وبين الموسيقار مارسيل خليفة؟
•• نعم هناك عمل جديد بيني وبين الموسيقار والفنان مارسيل خليفة، فقد بدأت التسجيلات الأولية لقصيدة من تلحينه وغناء الفنانة والصديقة عبير نعمة، وهناك قصيدة أخرى أيضاً ستكون من تلحينه وغناء الصديقة أميمة الخليل.
• الشاعر زاهي وهبي لم يُصِبْهُ بعد هاجس كتابة الرواية؟
•• هناك إلحاح كبير من الأصدقاء لكي أنضم إلى سرب الشعراء الذين كتبوا الرواية، لكنني متردد.. أعتقد أن الرواية تحتاج إلى وقت وتفرغ، فمثلاً لا أستطيع أن أكتب عن فصل الصيف إذا لم أكن أمتلك خلفية كبيرة عن طبيعة هذا الفصل، وعن الثمار مثلاً التي تكون في هذا الفصل، عن الطقس في هذا البلد أو ذاك، العمل الروائي يختلف تماماً عن العمل الشعري، بالشعر نحن نبتكر عالماً أو نعيد صياغة العالم بالشكل الذي نهواه، في الرواية الأمر ليس على هذا النحو، وإن كانت الرواية تبني عالماً لكن إذا لم تكن تنتمي إلى الواقعية السحرية أو الفانتازيا، فعلى الروائي الالتزام بمنطق معين.. يوماً ما قد أكتب ما يشبه السيرة، ليس السيرة الذاتية، ربما سيرة جيل من خلال تجربتي ومعايشتي.
• آخر الأعمال التي قرأها الشاعر زاهي وهبي؟
•• آخر ما قرأت كان للكاتب راوي الحاج، وهو روائي لبناني يعيش في كندا، قرأت له ثلاث روايات منها «لعبة دي نيرو» تحكي عن الحرب اللبنانية، وأستطيع أن أقول إنه أفضل الكتّاب الذين جسّدوا الحرب اللبنانية، ونال جائزة عن هذا العمل. أيضاً آخر ما قرأت كان للروائي اليمني علي المقري في عمله «اليهودي الحالي»، ومن خلال مهنتي في الحوار الثقافي أستطيع أن أقول إنني قرأت لمعظم الكتّاب العرب.
هناك عمل مرتقب بيني وبين الموسيقار مارسيل خليفة
وهبي لـ عكاظ : أفضل رد على تشظيات عالمنا العربي يكون بإعلاء الحب
7 أكتوبر 2016 - 22:13
|
آخر تحديث 8 أكتوبر 2016 - 02:01
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حاورته: أروى المهنا