رحلة تبدأ من ذاكرة الطفولة وتمتد إلى عوالم القراءة والصحافة والثقافة، حيث تصنع التفاصيل الصغيرة وعياً مختلفاً بالحياة ويظل الكتاب مساحة لاكتشاف الإنسان وفهم ما وراء الحكايات، وفي حوارنا مع طراد الأسمري نتوقف عند محطات من طفولته ورحلته مع القراءة والصحافة والثقافة ونقترب من تجربته في الكتابة والتأليف، وعلاقته بعالم القطط ورؤيته للتحولات الثقافية في المملكة وأهمية الكتاب في زمن تتسارع فيه مصادر المعرفة.

• كيف تتذكر طفولتك، وما المواقف أو التفاصيل الأولى التي تشعر أنها أسهمت في تشكيل شخصيتك واهتماماتك؟

•• أتذكرها مرتبطة بوالدي، رحمه الله. كان كفيفاً، وكنت أرافقه كثيراً، وأظن أنني رأيت الدنيا مبكراً بعين بصيرته قبل أن أراها بعيني، والطفل لا تصنعه الأحداث الكبيرة وحدها، تصنعه أشياء صغيرة لا ينتبه لها الكبار، وتتمثل في كلمة سمعها، وموقف لم يفهمه، وسؤال بقي في رأسه أعواماً؛ وإن سألتني عن الخيط الذي يربط تلك الأيام بما جاء بعدها فهو الفضول. درست التاريخ، ودخلت الصحافة، ثم صرت أؤلف الكتب، وكلها في نظري محاولات للإجابة عن سؤال قديم: لماذا تجري الأمور كما تجري؟ ولماذا يفكر الناس بهذه الطريقة دون غيرها؟ ولهذا ما زلت مشغولاً بالتفاصيل. الإنسان يكشف نفسه في موقف عابر أكثر مما يكشفها في خطبة طويلة.

• متى بدأت علاقتك الحقيقية بالقراءة، وما أول كتاب أو كاتب تتذكر أنه فتح أمامك عالم القراءة؟

•• لا أستطيع أن أحصرها في كتاب واحد أو يوم بعينه. بدأت القراءة الحقيقية يوم صار الكتاب يغيّر نظرتي للأشياء. قبل ذلك كنت أقرأ فقط. في البداية تقرأ لتعرف، ثم تكتشف أن كل كتاب جديد يدلّك على ما لا تعرفه. كلما كبرت المكتبة كثرت الأسئلة، ودراسة التاريخ ساعدتني. علّمني التاريخ مبكراً ألا أكتفي برواية واحدة، وأن للحدث الواحد أكثر من وجه وأكثر من مصلحة، وأن الحكم السريع غالباً حكم ناقص، بعدها توسعت قراءاتي من التاريخ والأدب والصحافة إلى الفلسفة وعلم النفس والاجتماع، ثم التقنية والذكاء الاصطناعي وعالم الحيوان. والكتاب الذي يستحق القراءة عندي هو الذي أخرج منه غير الذي دخلته.

• كيف تصف علاقتك بالكتاب اليوم، وهل تغيرت علاقتك بالقراءة والكتب مع مرور السنوات وتغير مصادر المعرفة؟

•• تغيّرت كثيراً. كنا في الماضي نتعب حتى نصل إلى المعلومة، واليوم تصلنا أكثر مما نحتمل. فصار همّي أن أفرز، لا أن أجمع. حولنا كتب ومقالات ومقاطع وبودكاست بلا حد، والمعنى قليل. لذلك صرت أطلب من الكتاب ما لا تعطيني إياه الشاشة: أن أبقى مع فكرة واحدة وقتاً كافياً لأفهمها.

أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي كثيراً وأتابعها عن قرب، ومع ذلك أرى أن حاجتنا إلى الكتاب تزيد كلما زادت السرعة. الكتاب يكاد يكون المكان الوحيد الذي لا تقاطعك فيه فكرة جديدة كل عشر ثوانٍ، وصار عندي المكان الذي أستعيد فيه تركيزي.

• مَن الشخصيات الأدبية أو الثقافية أو الصحفية التي تركت أثراً فيك، وما الذي أخذته من تجاربها؟

•• لا أنتمي إلى اسم واحد ولا إلى مدرسة واحدة. تكوّنت من قراءات متفرقة تقاطعت مع الوقت، أثّر فيّ كل كاتب يجرؤ على السؤال، وكل صحفي يحترم الحقيقة، وكل أديب يأخذ حكاية صغيرة ويجعل منها سؤالاً يخص الناس جميعاً، ومع مرور السنين صرت أحذر من التأثر نفسه. التعلم من الكبار مطلوب، أما تقليدهم فيقتل الكاتب. خذ منهم المفاتيح، وابحث عن بابك أنت، وأهم درس خرجت به من القراءة والصحافة معاً: لا تطمئن إلى الإجابة الأولى، فخلفها في الغالب سؤال آخر.

• ما أول مادة صحفية نشرتها، وماذا تتذكر عن تلك اللحظة عندما رأيت اسمك للمرة الأولى منشوراً؟

•• لا أذكر عنوانها بصراحة. الذي أذكره جيداً رهبة أن ترى اسمك مطبوعاً لأول مرة، في البدايات تظن أن ظهور الاسم هو الإنجاز. بعد أعوام تفهم أن الاسم أقل ما في المادة قيمة، وأن السؤال الحقيقي: ماذا أضفت للقارئ؟ وكانت الصحافة مدرستي الطويلة، من صحيفة الرياض إلى العمل التلفزيوني والإعلامي في CNBC عربية وMBC وغيرهما، وفي كل محطة تغيّر فهمي للمهنة. كنت أظن أن عمل الصحفي أن يصل إلى الخبر، ثم عرفت أن الأصعب أن يفهم ما وراءه.

• خلال تجربتك في العمل الصحفي هل هناك موقف لا يزال حاضراً في ذاكرتك وتشعر أنه غيّر شيئاً في نظرتك إلى الصحافة أو إلى الناس؟

•• الصحافة أدخلتني أماكن لم أكن لأدخلها، وأجلستني أمام ناس لا يجمعني بهم شيء في الحياة العادية، وأكثر ما تعلمته منها أن الإنسان أكبر من العنوان الذي نضعه عليه. صور كثيرة كنت أحملها عن أشخاص تغيّرت حين جلست معهم وسمعتهم وعرفت من أين جاؤوا. فصرت أبطأ في الحكم، وأحرص على الفهم قبل الإدانة، الصحافة الجيدة لا تزيد الصحفي ثقة بنفسه، بل تزيده تواضعاً. والحقيقة نادراً ما تأتي في جملة قصيرة، وجزء كبير من عمل الصحفي أن يقاوم إغراء التبسيط.

• للقطط حضور خاص في تجربتك امتد إلى الكتابة والتأليف عنها، ماذا تمثل لك القطط، وكيف تحولت هذه العلاقة من اهتمام شخصي إلى مشروع كتابي؟

•• بدأت عاطفة، ثم صارت سؤالاً، ومن هذا السؤال خرج كتاب «كيف تفكر القطط؟». حين تعيش مع قط لأعوام تكتشف أنك أمام كائن له عالمه: رغباته ومخاوفه وطريقته في التواصل، وحدود يرسمها لك ولا يسمح بتجاوزها. فتبدأ الأسئلة: بماذا يفكر؟ كيف يراني؟ هل يحب كما أفهم أنا الحب؟ لماذا يختار هذا المكان أو هذا الشخص دون غيره؟

ومع «هابي»، بطل الكتاب، ومع غيره من القطط التي عاشت معي، انتبهت إلى أننا نقيس الحيوان بمقياسنا نحن. والأمتع أن تحاول رؤية العالم كما يراه هو، والقط يعلّمك شيئاً عن الحب: أنه لا يعني الملكية، تعطيه البيت والأكل والأمان، ويبقى له ركن لا يدخله أحد. وربما لهذا أحبه، والكتابة عن القطط أوصلتني إلى سؤال أكبر منها: هل نحترم المختلف عنا، أم نحب فقط ما يشبهنا؟ والطريقة التي يعامل بها الإنسان من هو أضعف منه تقول عن أخلاقه أكثر مما يقوله هو عن نفسه.

• كيف ترى العلاقة بين الصحافة والمشهد الثقافي اليوم، وهل ما زالت الصحافة قادرة على صناعة حراك ثقافي مؤثر؟

•• نعم، لكن دورها تغيّر، كانت الصحافة الطريق شبه الوحيد إلى الجمهور. اليوم يصل الكاتب والفنان إلى الناس مباشرة عبر المنصات. خسرت الصحافة احتكار التوزيع، ولم تخسر أهميتها، مهمتها الآن أصعب: أن تختار وتفسر وتتحقق وتضع الأشياء في سياقها. كانت قيمتها في الوصول إلى المعلومة، وصارت قيمتها في أن تقول للقارئ وسط هذا الضجيج: هذا ما يستحق وقتك، والثقافة أوسع من صفحة عن الكتب والندوات. هي في السينما والتقنية والعمارة وسلوك الناس واللغة التي يتكلمون بها كل يوم. والصحافة الثقافية التي تفهم ذلك أمامها عمل كثير.

• كيف تقرأ المشهد الثقافي السعودي في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المملكة، وما أبرز التحولات التي لفتت انتباهك خلال العقد الأخير؟

•• أكثر ما يلفتني أن المساحة نفسها اتسعت. الكتاب والسينما والمسرح والموسيقى والفنون والتراث والنشر وصناعة المحتوى، كلها حاضرة اليوم بقوة. والأهم أن جيلاً جديداً صار يرى في العمل الثقافي مهنة وحياة، لا هواية على الهامش، لكن الاتساع وحده لا يكفي. السؤال الذي يهمني بعد كل فعالية: ماذا بقي في رأس من حضرها بعد أن انطفأت الأضواء؟ فالثقافة لا تقاس بعدد الكتب والمسارح والمعارض. تقاس بما تغيّره في طريقة تفكير المجتمع ونظرته إلى نفسه، والسعودية أمامها فرصة حقيقية لتجربة ثقافية لها ملامحها: منفتحة على العالم، وقادرة في الوقت نفسه على أن تحكي حكاياتها بصوتها.

• كيف تنظر إلى التحولات التي شهدتها معارض الكتب في المملكة، وهل أصبحت تؤدي أدواراً تتجاوز بيع الكتب واقتناءها إلى صناعة المعرفة والحراك الثقافي؟

•• نعم. المعرض الذي يكتفي ببيع الكتب مكتبة موسمية لا أكثر. المعرض الذي أريده هو مكان للأفكار واللقاءات والأسئلة، والجيد فيما حدث أن الكتاب صار مركزاً تدور حوله أشياء كثيرة: لقاءات مع المؤلفين، وحوارات، وورش، وكاتب يجلس مع قارئه وجهاً لوجه، أحياناً لا يكون أهم ما تخرج به من المعرض هو كتاب اشتريته، بل كاتب عرفته، أو فكرة سمعتها، أو سؤال عدت به إلى البيت، وأتمنى أن تصبح المعارض مختبرات أيضاً، نناقش فيها مستقبل القراءة والنشر الرقمي والترجمة والذكاء الاصطناعي، وكيف يتكوّن القارئ الجديد. فالسؤال اليوم لم يعد: ماذا نقرأ؟ صار: كيف سنقرأ في عالم يتغير بهذه السرعة؟

• برأيك ما الذي يحتاجه المشهد الثقافي السعودي اليوم ليواصل تطوره، وما المساحة التي تتمنى أن تمنح للكتاب والمثقف والصحفي خلال المرحلة المقبلة؟

•• ثلاثة أشياء: العمق، والاستمرار، ومساحة أوسع للتجريب. الحراك واسع وهذا جيد، لكن الثقافة تراكم. الكتاب العظيم لا يُكتب في موسم، والمثقف لا تصنعه مناسبة، والمشروع الفكري يحتاج سنوات حتى تظهر ملامحه، وأتمنى إتاحة مساحة أكبر للأفكار المختلفة والأصوات الجديدة، وللمشاريع التي تبدو غريبة في أولها. أغلب ما غيّر الثقافة بدأ في مكان لم يلتفت إليه أحد، وأتمنى أن يستعيد الكاتب والصحفي والمثقف دور السائل. زمن السرعة يدفع الناس إلى الإجابات الجاهزة، ومع الذكاء الاصطناعي ستصبح الإجابات متاحة لكل أحد وبلا جهد. عندها تنتقل قيمة الإنسان إلى مكان آخر: أن يختار، وأن يصوغ السؤال الصحيح، وأن يتحمل مسؤولية ما يفعله بما يعرف، وهذا ما على الثقافة أن تحرسه: أن تذكّر الإنسان، وسط كل هذا التقدم، بما يجعله إنساناً.