ارتبط الإنسان بالطبيعة منذ أقدم العصور، فرأى في مظاهرها صورًا لمعاناته وأحلامه، وجعل الشعراء من عناصرها لغةً تعبّر عن خفايا الروح، وكان المطر من أكثر هذه الرموز حضورًا في الوجدان الإنساني.

وللمطر حكايةٌ ترويها السماء للأرض، وله في الشعر حكايةٌ أخرى خطَّها بدر شاكر السَّيَّاب، فمنذ ميلاد «أنشودة المطر»، تجاوز الغيث حدود الطبيعة، وأضحى رمزًا للإنسان في ضعفه ورجائه، وللوطن في ألمه وأحلامه.

اختار السَّيَّاب المطر؛ لأنه أوسع من أن يكون ظاهرةً طبيعية، فهو في الوجدان الإنساني رمزٌ للحياة، وبشارةٌ بالخصب، ووعدٌ يتجدّد مع كل هطول، ولهذا غدا في قصيدته لغةً للروح، وصوتًا للأمل، ومرآةً لما يختلج في النفس من ألمٍ ورجاء.

وتتجلّى هذه الرمزية منذ مطلع القصيدة؛ إذ يأخذنا السَّيَّاب إلى مشهدٍ تتآلف فيه الطبيعة والشعور، فتتشابك عناصر الطبيعة مع العاطفة الإنسانية في لوحةٍ شعرية آسرة، فيقول:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحرِ

أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهما القمرُ

وحين يردد السَّيَّاب:

«مطر، مطر، مطر»

يسري صدى الكلمة في أرجاء القصيدة كما يسري النبض في الجسد، وتتسع دلالاتها مع كل هطلة، حتى تغدو روح القصيدة وعلامتها الفارقة، ويظل وقعها حيًّا في الوجدان، يتجدد مع كل قراءة، ثم يقول:

أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعث المطر؟

وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟

وبهذين البيتين يفتح السَّيَّاب بابًا واسعًا للتأمل، ويوقظ في النفس أسئلة لا تنتهي: كيف يمكن للمطر أن يوقظ الحزن كما يوقظ الحياة؟ وكيف تتحوّل قطرات الماء إلى لغةٍ تنطق بها المشاعر؟

هنا تتجلّى قدرة الشعر على تجاوز ظاهر الأشياء، فيهبها أرواحًا جديدة، ويجعل من المطر صورةً تتداخل فيها الذاكرة بالألم، والرجاء بالانتظار.

إن بعض القصائد تبقى حيَّةً في الوجدان؛ لأنها تحمل من الصدق والجمال ما يجعلها قادرةً على التجدد مع كل قارئ، وتعد «أنشودة المطر» واحدةً من تلك القصائد، فما تزال تهطل في الوجدان، وتكشف في كل قراءةٍ عن معنى جديد.

ولهذا أصبحت «أنشودة المطر» أكثر من قصيدةٍ تُقرأ؛ إنها تجربةٌ إنسانية تستعيد حضورها كلما عاد الإنسان إلى أسئلته الكبرى، وكلما بحث في الشعر عن معنى يتجاوز الألفاظ. وما تزال بعد عقودٍ طويلة، تمد جسورًا بين شاعرها وقرائها، وتهطل في الوجدان كما يهطل الغيث على الأرض، حاملةً معها جمال الكلمة وصدق الشعور، ومؤكدةً أن الشعر العظيم يجد طريقه إلى الخلود.