وإن تمَّ إقصاؤه مبكراً من خدمةِ العَلَمِ والحدودِ البعيدة؛ إلاّ أنّه سيقولُ كلمتَه يوماً: «أعدَّ الصدرَ لبكاءٍ ضارّ، لأعرقِ ليل يمرّ، لخوذِ المواسين وروعِ الريح، إلاّ أنّهم جردوه من حق المحاولات.. سُرّح من كلّ الأدوار قبل أن يمتدحَ أداءَه أحد».

على الأهلِ أن يُعيدوا كلَّ غُصّة إلى زمنِه المضني مع تكريسِ الموقفِ تجاه مخلوقاتِ العتمةِ ومسألةِ اقتسام تاريخه الشخصي معها ـ كما يفضحه سلوكه اليومي.

غرفةٌ ـ تنأى بعلوها ـ يُؤثثها هدوءٌ واسع.. هذا ما يدفعُ البيتَ إلى قليلِ اتكالٍ، وعدمِ الاكتراثِ لأيِّ حركةٍ لا تنمّ من هناك.

بابٌ أبكم، هو علامة إنجازِهم في صدِّ حاجتِه للخروج، والحدِّ من إلحاحِه على العودةِ، وحتّى التخلّي -ما أمكن- عن المهمّةِ القصوى.. المطاردة المستمرة.

***

فيما أهله -بين لحظةٍ وأُخرى- يتوقعونَ إصرارَه على البحثِ؛ لن يتورعَ عن قطعِ النهارِ كاملاً للتغلّبِ على أظافرِ الخفاءِ التي حاولتْ مراراً أن تجرحَ عُنُقَه.. يراها تردُّ بعضَ لحاقِه المثابر بها.

وحده يعرفُ أنّه سيقتصُّ للأيّامِ الخوالي، ويفصلُه عن شرفِ الحسمِ موقفٌ صغير وعليه تدبيره.

لا شيء بوسعِ الأهلِ ويُجدي لثنيه عن مناشدةِ شخوصِ الظلال.. بهذا الحال منذ خمسين سنة مضتْ على بزّاتِ وطنٍ مع بنادقٍ ورفاقٍ لم يُطلقوا رصاصةً واحدةً نحو تخومِ الآخر.

***

أهلٌ يُريحون الكفوفَ على صدورِهم تَحَمُدَاً، فالبيتُ مغمورٌ بدَعَةٍ نادرة؛ لذا بدوا معفيين اليوم من الاستنفارِ الشامل!

لا شيء.. غرفةٌ خرساء، واحتدام مكبّل. هذا ما يَودُّونه لينجو من معركتِه التي يلزم حسمها متى هرعَ إلى جولةٍ فاصلة مع حُجُبِ الريح...

... لكنّ هواءً طفيفاً يغبشُ حالة الركود، فالباب على غير العادةِ موارب ويكاد يُلبّي دعوةَ مصراعَيْ الشباّكِ وهما يصطفقان بجانبِ الغرفة...

... الآن غدا مكانه خالياً بعد أن نسج من خيالاتِه الرفيقة كائناتٍ مهتاجة، ثمّ أفلتَها فانداحت من ذلك العلو الشاهق؛ ليلحقَ بها مقتفياً أثرَ اعترافٍ ما.