يقدّم عبدالرحمن موكلي في كتابه «وأنا بُر وأنا دُخن» (دار أروقة للنشر والتوزيع – القاهرة) كتابة تمتاح من فضاء المطبخ المحدود إلى أفق رمزي رحب؛ من طبق يبدو بسيطاً ومتواضعاً في مظهره إلى عوالم متداخلة من الذاكرة والأسطورة والأنثروبولوجيا. فهو لا يتناول «المرسة» بوصفها وجبة ريفية وحسب، بل باعتبارها فكرة مثقلة بالإشارات، نقطة تلتقي عندها الحواس والجسد والمكان واللغة، ليغدو الطعام مدخلاً لقراءة الذات في طبقاتها الأعمق. من سوق الثلاثاء في صبيا إلى رائحة التنور ولهيب النار وصوت المرأة المنحنية فوق الجمر، يلتقط موكلي المشهد الشعبي في أدق تفاصيله، كأنه يعيد بناء سيرة المكان من فتات الحنين. يكتب المؤلف من موقع «الأنا الشاهدة»، طفلٍ يراقب المطبخ من مسافة، محروم من لمس العجين أو تحديد مقدار الملح، لكنه يلتقط ما هو أبقى أثراً: رائحة الامتزاج بين جسد المرأة والتنور، القلق الخفي من العوز، ترقّب العائدين من السوق، واقتصاد القلّة الذي يجعل «المرسة» وسواها من أطعمة جيزان، ضرباً من طمأنينة الجسد الريفي.

هذه الجزئيات، وإن بدت عابرة، تتحوّل في السرد إلى مادة تفكير، تُقرأ من خلالها الحياة القروية كأنها نصّ إنساني مكتمل، لا مجرد ذكريات لطيفة من زمن مضى.

غير أن النص لا يقف عند حدود اليومي، فالعبارة الشعبية التي اتخذ منها الكتاب عنوانه: «وأنا بُر وأنا دُخن»، تُستعاد هنا بوصفها مفتاحاً ذهنياً، وكأنها لا تعبّر فقط عن التلبية أو الجاهزية، بل تحيل إلى طريقة الإنسان في تعريف ذاته عبر ما يقتاته، وكيف تحتفظ اللغة الشفوية ببقايا رمزية متصلة بالخصب والوفرة ومواسم الحصاد. ومن هذه النقطة تتشعب أسئلة أرحب: ماذا تُبقي اللغة من صلتها القديمة بالطبيعة؟ وكيف تتحوّل الحبوب إلى علامات لهوية وموقف من العالم؟ وفي المسار نفسه، يتأمل صاحب «أحمر مورق» اسم «جازان» بوصفه نصاً متوهجاً بالتاريخ والدلالة، فتغدو الجغرافيا بنية قابلة للتأويل، لا مجرد خلفية صامتة للأحداث. بهذا المعنى، يشكّل الكتاب استجابة عملية لما دعا إليه خزعل الماجدي في حديثه عن مشروع موكلي السابق حول «كتاب الهبل»، حين أشار إلى ضرورة كسر «السجن البلاغي» الذي يحاصر الأدب في زخرفته اللفظية ويبعده عن جوهر الإنسان المعيش، داعياً إلى ثورة تصل الأدب بالأنثروبولوجيا لتعيد تشكيل بنيته في زمن ما بعد الحداثة. يقول المفكر العراقي:

«إن العلاقة الوثيقة بين الأنثروبولوجيا والأدب كانت وما زالت ضعيفة، ومردّ ضعفها هو السجن الأدبي البلاغي الذي ينصبه الأدب لنفسه ويسجن فيه خطابه، ولا بد من ثورة في هذا المجال؛ لكي يتحرر الأدب من ميوعته البلاغية الوصفية، والمتحذلقة أحياناً. لا بد من أن تعيد الأنثروبولوجيا صيغة الأدب الجديد في زمن ما بعد الحداثة، الذي نحن فيه، فيعود بناؤه، وبذلك ستكون هناك ثورة جديدة في الأدب تتناسب مع طاقته الكامنة المعطلة».

وموكلي، من غير أن يرفع لافتة تنظيرية، يأخذ هذه الدعوة بجدية صامتة، فيكتب بنثر مقتصد لكنه مشحون بالإيحاء. يتخفّف من البلاغة الاستعراضية لصالح المشهد الحي، حيث تعمل التفاصيل عملها الرمزي العميق: عجين المرسة، عناقيد الموز المعلّقة في المطبخ، خطوات النساء المرهقات نحو سوق الثلاثاء، والأسماء الدقيقة للأودية والقرى. هذه الشذرات الصغيرة، المصاغة بعناية، تكشف كيف يمكن للجمال أن يقيم في قلب البساطة، وأن الأدب يبلغ صدقه حين يصغي للحياة اليومية وهي تتكلم بلسانها الخاص. في الخلفية، يبرز حضور الباحث الذي يتعامل مع الأمثال والعادات الغذائية بوصفها وثائق ثقافية، لا مواد للزخرفة السردية. فالأمثال هنا نصوص اجتماعية تحمل رؤية القرية لوجودها، والخرافة ليست وهماً بقدر ما هي ذاكرة جمعية تذكّر الإنسان بجذوره الأولى. بهذا الوعي، ينجح موكلي في جعل الأدب حقلاً أنثروبولوجياً داخلياً؛ قراءة من الداخل لا من برج أكاديمي، بل من قلب التجربة المعاشة نفسها.

ويأتي الكتاب حلقة جديدة في مشروع موكلي الذي يكتب تراث منطقة جازان من تخوم اللغة والبحث المعرفي، كما في أعماله السابقة بما تفتحه من أفق ديني وصوفي وتاريخي. أما في «وأنا بُر وأنا دُخن»، فينتقل مركز الثقل إلى الحياة اليومية، إلى طقوس الطعام والأسواق وملامح المكان، من دون أن يتخلى عن الحسّ الشعري الذي يميّز لغته. فعباراته مشدودة بين الاقتصاد اللفظي واللمعان الدلالي، ويغدو كل مشهد من المطبخ أو السوق حاملاً لبنية رمزية مضمرة، تجعل من «المرسة» وتفاصيل التنور كائنات حيّة نابضة بالمعنى. موكلي، إذن، لا يقدّم فلكلوراً للتزيين، ولا يوظّف الأغنية الشعبية أو المثل السائر كديكور بلاغي، بل يتعامل معها باعتبارها مفاتيح معرفية ينبغي الإصغاء إليها. فالفلكلور عنده مجال دلالي لا يقل أهمية عن أي نص أدبي، ومن خلاله يمكن فهم رؤية القرية للعالم، علاقتها بالخوف والخصب، بالفقر والكرم، وبذلك التوازن الإنساني بين الحاجة والبهجة. بهذه المقاربة يحوّل موكلي الموروث بكل تمظهراته من موضوع للزينة إلى أداة تأويل، ومن مادة شعبية إلى منظور ثقافي حي.

في المحصلة، «وأنا بُر وأنا دُخن» ليس مجرد سجل لطفولة أو وصف لأطباق شعبية، بل تجربة فكرية وجمالية لاختبار حدود الأدب ذاته. إنه محاولة لكتابة نص يسمح للأنثروبولوجيا بأن تعيد تشكيل الأدب من الداخل، أدب يؤمن بأن المعرفة تنبع من تفاصيل الحياة الصغيرة كما من الكتب الكبرى، وأن المطبخ وسوق الثلاثاء وحرارة التنور، وبقية الأطعمة الواردة في الكتاب، يمكن أن تكون نصوصاً كثيفة الدلالة في فهم القرية ومخيالها الجمعي. بهذا الهدوء التأملي، يعيد صاحب «كتاب الفل» اكتشاف جازان الحقيقية: لا جازان المعروضة على الشاشات، بل تلك التي تسكن أطباقها وأمثالها وأساطيرها، وتجد أخيراً من يكتبها بصدق وعمق يليقان بها.