تعيش الدراما المصرية مواجهة واضحة بين عالمين؛ الحارة بما تحمله من صراعات اجتماعية وعائلية وتفاصيل يومية، وعالم «إيجيبت»، الذي أخذ المشاهد خلال السنوات الأخيرة إلى الفيلات والمنتجعات والجامعات الخاصة والسيارات الفارهة، حيث قصص الحب والخيانة والأزمات داخل طبقات تبدو بعيدة عن حياة قطاع واسع من الجمهور.

هذا الانقسام، كشف مع الوقت عن تغير في مزاج المشاهد.. الأعمال الشعبية استعادت مساحة كبيرة لأنها تملك خامة درامية أكثر ثراءً؛ عائلة تتصارع، جار يراقب، شاب يحاول الصعود، أب يخشى فقدان سلطته، ومال يعيد تشكيل العلاقات؛ عناصر تمنح الكاتب فرصة لبناء شخصيات تتحرك داخل مجتمع كامل، بدلاً من بقائها أسيرة دائرة محدودة.

لكن «الشعبي» نفسه يواجه أزمة صناعة.. الحارة تحولت في تجارب كثيرة إلى مجموعة محفوظة من البلطجة والثأر والسلاح والصراخ، حتى أصبحت بعض الشخصيات نسخاً متقاربة بملابس ولهجات مختلفة. نجاح هذا اللون يحتاج إلى اكتشاف الإنسان داخل الحارة، وليس استدعاء الصورة التقليدية عنها.

على الجهة الأخرى، قدمت «قصص إيجيبت» صورة بصرية جذابة، لكنها دفعت في أحيان كثيرة ثمن الانبهار بالشكل؛ الفيلا أصبحت حاضرة أكثر من أصحابها، والملابس أكثر لفتاً من الحوار، والسيارة جزءاً من تعريف الشخصية، فيما تدور الأزمات داخل دائرة الحب والزواج والخيانة والأسرار العائلية.

القضية هنا، تتجاوز اختلاف البيئات الاجتماعية التي تتحرك داخلها الأحداث. فالدراما المصرية صنعت قوتها تاريخياً حين اقتربت من المجتمع، والتقطت تحولاته وتناقضاته، وحولت تفاصيله اليومية إلى حكايات وشخصيات بقيت في ذاكرة المشاهد طويلاً بعد انتهاء المسلسل.

تقدُّم «الشعبي» اليوم - إن استمر - يرتبط بقدرته على إعادة المشاهد إلى الحكاية. فالجمهور قد يندهش من الفيلا، لكنه يتعلق بالشخصية، وقد تجذبه الصورة للحظات، بينما تبقى القصة وحدها صاحبة القرار في النهاية.