أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

رؤية 2030.. النموذج الاستثنائي

في كل عام يمضي على «الرؤية»، منذ انطلاقتها المباركة في العام 2016م، وهي تقدم جرد حسابها، وتطرح ما أنجزت، وما هي بصدد إنجازه.

يقيناً لا شك فيه، أن الله أنعم على هذه البلاد المباركة بقيادة لا مثيل لها في كافة دول العالم. ومن يرى في ما أقول مبالغة أو «شطح» محب في حضرة الوطن، ومقام قيادته، فلينظر ما وسعه النظر، وليقلب طرفه أينما شاء، ولينظر في كراسة التاريخ الإنساني الحديث. فإن رأى أن هناك دولة واحدة في القديم والحديث استطاعت أن تنجز ما أنجزته «الرؤية» في عقد واحد من الزمن فليأتني، وأنا قمين له بالاعتذار، وضمين له بالاعتراف بالفضل ولن يجد ثمة مبتغاه.

فما أعظم كلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في تصدير تقرير الرؤية للعام 2025، وقد جاءت حاملة البشرى، مبرقة بالأمنيات الصوادق، بقوله البالج الأغر «بلادنا تمضي نحو مستقبل أفضل مع منجزات رؤية 2030 منذ إطلاقها»، وهي كلمة صدق، ورؤية حق، تدعمها المنجزات الماثلة، وتعضدها العطاءات المنظورة، وتكشفها الأرقام التي لا تتجمل ولا تكذب، ولست بصدد التطرق لها، فذاك مجال تضيق عنه المساحة، وتتراحب آفاقها لذوي الاختصاص كلٌّ في مجاله، لينهلوا من معين الإنجاز، وليكشفوا ما حققته الرؤية في وجيز الزمن، الذي تتلامع حقائقه في مرآة كلمات خادم الحرمين الشريفين «بلادنا أصبحت نموذجاً في استغلال الطاقات والثروات من أجل تنمية شاملة»،

كلمة قائد بصير، عارف بحقائق الأشياء ودقائقها، ومدرك بأن ما قدمته المملكة من إنجاز مع الرؤية، تتقاصر دونه كبريات الدول الراسخة في ميدان التقدم التقني والصناعي والاقتصادي، لتقف المملكة برؤيتها موقف الند، وموقف المزاحم بالعطاء في ميدان العطاء الإنساني.

ومن ذات منسج الثقة العميق، ومنطق القول المفحم، جاءت كلمات ولي العهد المرافقة لإعلان تقرير الرؤية عن العام 2025، لتؤكد أن «المملكة قدّمت نموذجاً استثنائياً في تحويل الرؤى إلى واقع»، وهو الميدان الذي تبيّن فيه المسافة بين الأقوال والأفعال، والنظريات والتطبيق، وتستجلى في تفاصيله القدرات وموازين الدول، وحكمة ورشد قيادتها، وقدرتها في الصعود بأوطانها إلى المراقي الساميات، وتدفع بها إلى سوح التنافس الشريف في ميادين التقدّم، خدمة للإنسانية جمعاء، وهذا حال المملكة لمن أراد أن يبصرها بعين النصفة دون انحياز أو تطفيف.

فلئن كان ما تحقق من إنجاز يحمل المنصفين على الدهشة، فالدهشة أعظم حين يقرر ولي العهد الأمين أن «ما حققته الرؤية من إنجاز يضعنا أمام مسؤولية لمضاعفة الجهود»، فنحن هنا أمام قائد لا ينظر إلى المنجز بوصفه نهاية الطريق، والغاية المبتغاة التي لا تحتاج إلى مزيد؛ بل يراها منطلقاً لمرحلة أرحب تحدياً، واستشرافاً لأفق أبعد، بلا ركون أو إبطاء، وهذا دأب «الرؤية»، ما صعدت قمة إلا رنت لقمة أسمق، وما أنجزت فرضاً إلى رسمت أفقاً آخر لفروض تتطلع إلى الكمال، فنظرك قاصر، وخيالك ضامر إن حسبت أنّ «المجد» قد ختم سطوره في ربوع بلادي، وأنّ «الإنجاز» قد سكن ذاكرة الماضي الحاشد، ولم يبقَ للحاضر ما يضيف، وللمستقبل ما يدهش.. فما مضى كان أزهر، لكن الحاضر أورق وأنضر، والمستقبل أزهى وأبهر.

انظر وتأمل فعل «الرؤية» منذ أن أظلّت حاضر حياتنا، وتجذّرت سريعاً في نسيج المجتمع، باثة في حياتنا طاقة جديدة، ومحركة تروس الإنجاز لترسم الدهشة والغبطة والإعجاب، في متواليات من إبهار، ومتتاليات من البدائع المتفردات في كل مجال ومساق، مسجلة في دفتر السبق العالمي حضورها المميّز، ومنجزها الباعث على استمطار الحمد والثناء..

لست بصدد مناقشة ما جاء في تقرير الرؤية لهذا العام، فما احتشد به التقرير عصيٌّ على التلخيص، فمن رام ذلك فقد ركب غير ذلول، وقامر بمهزوم، وراهن رهان خاسر مكلوم، فذاك محيط فسيح تضاربت أمواجه بالإنجازات العصيّة على الحساب، واحتشدت بواطنه الفسيح من العطاءات التي جاوزت المتوقع، وتخطت المنظور، ولا غرو ولا عجب.. فعلى مقياس «العزم» فصّلت القيادة هياكل «الرؤية»، وبيقين الواثق في شعبه راهنت على النجاح، فما خاب عزم، ولا انهزم رهان؛ بل كان «المحصول» أكبر من مظان «الحقل»، والمحصود أوفر من وعد السلال، ليسجل التقرير هذا العام سطور مرحلة استثنائية من تاريخ الوطن، غير أن إشارة التقرير أن «المملكة تتقدّم من المرتبة 37 إلى 22 بمؤشر السعادة العالمي»، زادني سروراً، وملأني بهجة، فذاك ما أرجوه لوطني وبني وطني، خاصة الذين تأذوا في شبابهم، وساءهم في كهولتهم صنيع «الصحوة».

فما أعظم الرؤية وقد رفعت معدل السعادة إلى هذا المقام السامق، وأعادت ترتيب وجه المملكة كما ينبغي، فهل آن للعالم أن يعيد ثوابت ترتيبه للدول على مقياس التفريق بينه أولاً وثانياً وثالثاً..

فالمملكة برؤتها قمينة وجديرة بمكان الصدارة في عالمها الأول.

حفظ الله للوطن وأهله الملك سلمان وولي عهده الأمين محمد الخير

والحمد لله رب العالمين.

منذ 19 ساعة

الخالدي.. مراقي الشهادة وجلال الوفاء

ألا ما أعظم اللّحظة، وما أجلَّ الموقف؛ حين يستقرّ بك المقام في نصف المسافة الواشجة بين «الفداء» في أعلى مراقيه، و«الوفاء» في أسنى مراتبه، فتمضي مُقلّبًا طَرف الزّهو بينهما، منعقدٌ لسانك عن جائش التعبير هيبة، وملتزم الصمت إجلالًا وتقديرًا واعتزازًا.

فانظر بمِ تُماثل فداء شهيد الوطن جراح بن محمد الشعلان الخالدي، رحمه الله، وقد أدى فرضه، وجاد بنفسه، فدًى لوطنه، وذودًا عن حماه وأرضه.

وانظر بذات الطرف بحثًا عن مكافآت المعاني لصنيع صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، وقد أمر بتسمية مسجد الشركة السعودية للطاقة في المركز الرئيسي بالقطاع الشرقي باسم الخالدي وهذا ديدنه، ودأبه، وخلّة كأنّها «جين» توارثه كابرًا عن كابر منذ فجر «التوحيد» الأبلج، إلى هذا العهد الرَّخِي الزاهر.

معانٍ معتقة بعبق التراب الغالي، ووفاء يعلّق في أعناق المستحقين من أبناء الوطن، كفاء ما يهبون الوطن من جليل الصنائع، وعظيم المواقف، فتتكامل الصورة، وتبقى أيقونة في أضابير التاريخ، ورمزًا نباهي به العالم أجمع، ومثالًا نعرضه في مسرح المباهاة والفخر، يثبت جوهر الوطنية فعلًا مؤصّلًا، لا قولًا مرسلًا، ويعمّق المعاني الإنسانية الأصيلة بين القيادة في رشدها، والمواطنة في عطائها..

لقد صدق الشاعر بقوله

والفخرُ يلمعُ والأمجاد ساطعةٌ

والنصرُ ينهمرُ والتاريخُ يمليني

درٌّ تألّق في تاجٍ على ملكٍ

من وحيهِ كلُّ منثورٍ وموزونِ

تاريخُ آل سعودٍ في جلالتِهِ

فصلُ الفصول وعنوانُ العناوينِ..

هكذا عشنا الحياة على مرّ عهود آل سعود الزواهر، عطاء، وفداء، وكفاح، ووفاء، فشكرًا للأمير عبدالعزيز بن سلمان، فقد خلّدت معنى، وحفظت اسمًا، ورفعت ذكرًا، وسجلت في ذاكرة التاريخ سطرًا جديدًا من سطور عهدكم الباذخ..

موقف تراه مجلوًّا في مرآة قول الشاعر:

أرضُ الفداءِ ومهدُهُ وغراسُهُ

أفدي بنفسي المفتدي والمُفتدَى

أمّا إن رحلت ببصرك تلقاء «الخالدي»، وتخيلته في تلك اللحظة الفارقة، وهو يقف طودًا شامخًا، وقلعة صمود بانتسابه إلى رجال الأمن الصناعي، ورأيته وهو يصد التهديدات التي استهدفت قلب الاقتصاد الوطني ومصادر قوته، والمنبعثة كرهًا من تلقاء «الحقد الصفوي» الأعمى، وأبصرته وهو يجود بنفسه في موقف الفداء، والشهادة مبتغاه، فكأنك حينها تكاد تسمعه، وهو يجسّد بلسان الحال الناطق، ما سطّره يراع الشاعر الأمير عبدالله الفيصل رحمه الله:

أفديكَ يا وطني إذا عزَّ الفدا

بأعزِّ ما جادتْ به نِعمُ الحياة

كلُّ الوجودِ وما احتواهُ إلى الفنا

إلا هواك يظلُّ مرفوعًا لواه

كأنّ اللحظة تلك لا كفاء لها غير تخليد اسمك يا «جراح» يا «خالدي»، رفعت اسمك عاليًا، وعلوت بذكرك، فحقّ لنا أن نستعيد ذكراك في الخالدين من أبناء الوطن الخُلّص، فقد آثرت أن تمثل خط الدفاع الأول عن المنشآت الإستراتيجية، من حقول النفط إلى المصافي إلى مراكز الطاقة، حيث أي اختراق يعني تهديدًا مباشرًا للاقتصاد والأمن معًا، فكنت واحدًا من هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا في مواقع الخطر، لا خلفها، وتزداد صورتك وضوحًا وعمقًا في تفاصيل سيرتك الإنسانية؛ كونك من أبناء مدينة «عنك» بمحافظة القطيف، في المنطقة الشرقية، وقد بلغت من العمر (44) عامًا، وهي مرحلة نضجٍ واكتمال، حيث يكون الإنسان في ذروة عطائه ومسؤوليته تجاه أسرته ومجتمعه.

لم تكن رقمًا في سجل الوظائف، بل إنسانًا له جذور في أرضه، وامتداد في أسرته، وحضور في مجتمعه.

عُرفت بين زملائك بالإخلاص والتفاني، حتى لُقِّبت بأبي محمد إشارة إلى مكانتك الإنسانية القريبة من القلوب، قبل أن يكون اسمًا في ميادين العمل.

وها أنت اليوم يُخلّد ذكرك بتسمية اسمك لبيت من بيوت الله في الأرض، يقرأ داخله السلام عليك، ويخصّك بالدعاء جلبًا للرحمة، ويحفظ سيرتك في سجل الشهداء الأبرار.

إنّه فعلٌ رمزي عميق الدلالة، من أمير هذا دأبه، وذاك ديدنه.

فعل يختصر فلسفة الوفاء في الدولة السعودية، ويؤكد أن من يحرس الوطن يُحفظ اسمه في ذاكرته الحية، فهذا التكريم يعكس وعيًا مؤسسيًا عميقًا، بأن الأمن الصناعي ليس عملًا تقنيًا فقط، بل رسالة وطنية، وأنّ العامل في هذا المجال يقف على خطّ تماس مباشر مع التهديدات، ويواجهها بإرادة صلبة وكفاءة عالية؛ ولذا سيبقى مسجد «شهيد الوطن جراح الخالدي» أكثر من معلمٍ معماري؛ سيكون ذاكرةً حيّة، وشاهدًا على أن في هذه الأرض رجالًا إذا ناداهم الواجب لبّوا، وإذا واجههم الخطر ثبتوا، وإذا جاءهم القدر ارتقوا بكرامة.. ينادون بصوت العزم والحزم والإخلاص:

يا وطني تفدي ترابَك أنفسٌ

تجودُ بلا خوفِ المماتِ وخطبهِ

رحم الله الشهيد، وجعل اسمه نورًا في سجل الخالدين، لتصبح قصته درسًا يُتلى، لا بالحروف، بل بالمواقف.. وشكراً الأمير عبدالعزيز وفيت وكفيت.

00:01 | 23-04-2026

رياض مود... نهاية زمن النكد..!

أعلن المستشار تركي آل الشيخ إطلاق الألبوم الموسيقي الأول بعنوان «رياض مود». توليفة موسيقية عالمية فريدة، تجمع بين الحداثة والأصالة، لتعزيز دور الموسيقى عنصراً أساسيّاً على الصعيد الترفيهي والثقافي، بعد زمن الصحوة الكالح، الذي صنع من مفردة «البدعة» فزّاعة تمنع أي خروج عن «الصندوق» العقلي، الذي جعلته السائد وسط مجتمعنا، فجافينا الفرح وانشغلنا بالموت والنكد. الموسيقى ليست اهتماما طارئاً، ولا فناً مستعاراً من حضارات أخرى، هي امتدادٌ حيٌّ لتاريخٍ طويلٍ تشكّل في الصحراء، وتغذّى من الإيقاع الفطري للحياة. حب قديم تمكّن من قلب العرب منذ الجاهلية، تأصل في مكة، المدينة، الطائف، خيبر، دومة الجندل واليمامة.

عرفوا الحداء، وغنّوا للشعر، وضبطوا أوزانه على إيقاعٍ موسيقيٍّ فطري،

ومع تطوّر الحضارة العربية، تحوّلت الموسيقى إلى علمٍ وفن، فازدهرت المقامات، وتطوّرت الآلات، وانتقل تأثير العود والناي والربابة إلى العالم، حاملةً معها روح الشرق وإحساسه العميق بالنغم.

فموسيقى الجاز والسمبا والرمبا أصلها موجود في ألحان الجزيرة العربية. كما قدّمت الموسيقى العربية أعظم المغنين والملحنين إلى العالم مثل إسحاق الموصلي والفارابي وابن سينا والكندي وطويس ومعبد وابن سريج وابن طنبور وجميلة الحجازية وإبراهيم الموصلي والسهمي وإبراهيم بن المهدي الذي أنشأ أول مدرسة لقواعد الفن والموسيقى

في دولة الأندلس أدخل العرب الموشحات والزجل وعرفوا أوزاناً ومقامات جديدة، وكان رائد الموسيقى زرياب بن جعفر الحاجب الذي زاد في أوتار العود إلى خمسة بدلاً من أربعة.

على أرض المملكة تشكّلت هوية موسيقية فريدة، يمكن تتبعها عبر نماذج حيّة من التراث القديم، فـالعرضة السعودية لم تكن مجرد رقصة، بل إيقاع حرب وهيبة، تتداخل فيها الطبول مع الإنشاد الجماعي، بينما حملت السامري طابع الطرب الشعبي الهادئ، وجسّدت المجرور في الحجاز تمازج الإيقاع بالحركة، في حين قدّمت الخطوة الجنوبية نموذجاً مختلفاً ينبض بالحيوية والسرعة، كلها كانت تعبيراً عن الهوية والانتماء والذاكرة الجمعية، حتى جاءت مرحلة التحول المؤسسي فأصبحت الموسيقى مشروع دولة، تقودها هيئة الموسيقى التي تأسست عام 2020 لتطوير القطاع وبنائه على أسس احترافية، لدعم وتمكين التعليم الموسيقي، والإنتاج، بما يخلق منظومة متكاملة تعزز حضور الموسيقى محلياً وعالمياً.

الهيئة العامة للترفيه، لعبت دوراً محورياً في إعادة تقديم الموسيقى للجمهور بصورة حديثة، عبر مشاريع نوعية، منها برنامج توثيق إيقاعات الجزيرة العربية؛ بهدف حفظها للأجيال القادمة. مؤتمر الموسيقى العربية، لتوثيق المقامات والإيقاعات وتطويرها أكاديمياً دعم الحفلات الكبرى والمواسم الفنية؛

بهدف إعادة صياغة الموسيقى العربية بوصفها علماً وصناعة وثقافة، وإعادة تقديمها بلغة معاصرة، مع ربطها بالبحث الأكاديمي والتقنيات الحديثة

المملكة لم تبدأ من فراغ، بل انطلقت من إرثٍ عريق، وأعادت بناءه برؤية حديثة، ضمن إطار رؤيتها المباركة التي جعلت الثقافة والفنون جزءاً من جودة الحياة، وأداةً لتعزيز الهوية الوطنية، وصناعة متكاملة تُدرّس وتُنتج وتُصدّر.

وهكذا تكتمل الدائرة، من إيقاع البادية الأول، إلى منصات العالمية الحديثة، حيث تلتقي الأصالة بالتجديد، ويُكتب للموسيقى العربية فصلٌ جديدٌ من التألق، عنوانه المملكة العربية السعودية... حيث يُعاد تشكيل الذائقة الموسيقية بروح العصر.

رياض مود قفزة نوعية في عالم الموسيقى، مطلب ملح لرئيس هيئة الترفيه بتعميم رياض مود على الفنادق والمنتجعات وخطوط الطيران، ترددها قاعات الأفراح في حفلات الزواج والمناسبات السعيدة، بدلاً من التشوه السمعى والبصري والمعاناة مع فرق لا تمت للفن بصلة.

00:15 | 20-04-2026

العطاء غير المشروط.. قوة لا يفهمها الجميع..!

يقول جلال الدين الرومي:

«الشمس لا تقول.. سأشرق على الصالح وأترك العاصي، بل تضيء على الجميع.

تعلّم من الشمس كيف تُحب بلا حساب، وكيف تمنح بلا انتظار، وكيف تضيء حتى للذي يسبّك».

عبارة تشير إلى فكرة العطاء غير المشروط. فالشمس تشرق على الجميع دون تمييز، ولا تختار من يستحق نورها ومن لا يستحق.

إنها تمنح بطبيعتها، لا بدافع المكافأة أو الامتنان.

الحب الحقيقي يشبه هذا النور؛ فهو لا يقوم على الحسابات الدقيقة أو انتظار المقابل أو الوعود الكاذبة أو الحجج الواهية.

عندما يصبح العطاء جزءاً من طبيعة الإنسان فإنه يمنح الخير؛ لأن ذلك يعكس ما في داخله، لا لأن الآخرين يستحقونه بالضرورة.

الرسالة التي يحملها القول إن القيمة الأخلاقية للعطاء لا تُقاس بردّ فعل الآخرين، بل بصدق المصدر الذي يصدر عنه.

فالإنسان الذي يمنح بمحبة يشبه الشمس: يضيء العالم من حوله، حتى لو لم يدرك الجميع قيمة هذا الضوء.

تتجلّى في هذه الكلمات التي قالها المتصوف جلال الدين الرومي رؤية روحية عميقة لطبيعة الإنسان السامي.

فالرومي لا يتحدث عن مجرد فضيلة أخلاقية عابرة، بل يضع أمامنا نموذجاً كونياً في السلوك الشمسي ذلك الجرم المضيء الذي لا يعرف التمييز ولا يدخل في حسابات البشر الضيقة.

الشمس رمز للعطاء الخالص؛ لأنها تمنح بلا سؤال ولا انتظار. نورها يسقط على الجبال والبحار، وعلى الحقول والمدن، وعلى بيوت الصالحين كما يسقط على بيوت العصاة والخطائين، الجميع يستفيد من ضيائها، دون أن تُطالبهم الشمس باعتراف أو امتنان.

هذا المثال الكوني يكشف حقيقة جوهرية في الأخلاق الإنسانية قيمة العطاء لا تُقاس بمدى تقدير الآخرين، بل بصفاء القلب الذي يصدر عنه.

العطاء الذي ينتظر الثناء يتحوّل بسهولة إلى تجارة خفية، بينما العطاء الذي ينبع من صفاء الروح يظل عطاءً خالصاً لا تشوبه المصلحة.

الإنسان في حياته اليومية يميل إلى الحساب. يقدّم الخير لمن يتوقع منهم الخير، ويغلق أبواب قلبه أمام من يظن أنهم لا يستحقون. هذه الحسابات قد تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تحرم الروح من أسمى معانيها، الحرية في المحبة.

الحب الذي يقترن بالشروط يتحوّل سريعاً إلى صفقة كل طرف يراقب الآخر، وكل فعل ينتظر مقابلاً يعادله. بذلك يفقد الحب صفاءه ويتحوّل إلى علاقة متوترة تقوم على التوازن الدقيق بين الأخذ والعطاء.

الحب الذي يتحدث عنه الرومي هو حالة روحية أوسع من تلك الحسابات حب يشبه النور؛ ينتشر لأنه جزء من طبيعة صاحبه. الشخص الذي يحمل هذا النور لا يمنح لأنه ينتظر مقابلاً، بل لأنه لا يستطيع أن يعيش بغير العطاء.

التاريخ الإنساني مليء بأشخاص امتلكوا هذا الضوء الداخلي، أنبياء ومصلحون وعلماء تركوا أثراً عظيماً في حياة البشر؛ لأنهم لم يقيسوا عطاياهم بميزان المكافأة.

ادركوا أن الخير في ذاته قيمة عليا، وأن إشعال شمعة في حياة الآخرين أسمى من انتظار الشكر.

كلمات الرومي تذكّر الإنسان بحقيقة بسيطة: القلب الذي يمنح لا يخسر شيئاً.

العطاء الحقيقي يوسّع الروح، ويجعل الإنسان أكثر قرباً من جوهر إنسانيته.

أما البخل بالمحبة والمشاعر فيضيق القلب ويثقل الحياة بالمرارة والضيق.

الشمس، في رمزيتها البديعة، تقدّم درساً يومياً للبشر. ضياؤها يشرق كل صباح دون ضجيج أو ادعاء، ودون أن تعلن فضلها على أحد.

تفعل ما خُلقت له، ذلك هو المعنى الأسمى للعطاء الذي أراده الرومي أن يتحوّل الخير إلى طبيعة، وأن تصبح المحبة لغة تلقائية تصدر من القلب كما يصدر الضوء من الشمس.

الإنسان الذي يتعلم هذا الدرس يعيش حياة أكثر صفاءً واتساعاً، يوزع الدفء حوله دون خوف من الجحود، ويزرع الخير دون قلق من الحصاد.

وبهذا يصبح حضوره مصدرَ نورٍ، شمساً صغيرة تمشي على الأرض، تضيء ما استطاعت إليه سبيلاً.

00:04 | 16-04-2026

«خوجة» ووجع الجبروت..!

يا ربَّ المشْرقِ والمغْربْ

يَا ربَّ المَلَكُوتْ

جَبروتْ في عَينيها،

يا ربِّي جبروتْ

أيْنَ المَنْجَى مِنها، أينَ المهربْ

مَن علَّمَها أسْرارَ الكَهَنوتْ

وتَمائمَ هاروتَ، ومَاروتْ

فَطربتُ ومَالي لا أَطربْ

وتَركتُ قِيَادي لِرُموشٍ لا تَتْعَبْ

وتسهّدَ فيها فَسَقَتْهُ الوجدَ وأسرارَ اللاهوتْ

ومَضَى في رِحْلةِ عمرٍ يَكتَشِف الملكوتْ

يمَّمْتُ بأشرعتي شرقاً فأبتْ سُفُني إلا المغرب

إلاَّ المغربْ.

يا لروعة الكلمات وسحر الشعر وبلاغة الوصف عندما يتدفّق الإبداع من لحظة خاطفة، من ومضة ألم ودهشة لا تُخطئها روحٌ مرهفة حساسة.

كان هذا هو حال الوزير والدبلوماسي السعودي الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة، في حكاية تتجاوز حدود الصدفة لتصبح ميلاداً حقيقياً لنص شعري مبهر.

الشعر يتأثر بموقف أو تجربة تلهب وجدان الشاعر وترغمه على أن يخطها شعراً في ولادة حقيقية يحملها الشاعر في صدره.

كان العقاد يؤمن بأن الشعر ليس خيالاً خصباً، ولا هو بطلاء مزركش، بل يحمل بعض الحقيقة؛ لذا فإنه ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها به، فهو خطفة من خطفات الوجدان، وومضة من ومضات الروح لها دور في كلمات اللغة الشاعرة فتعطيها طاقة وتنفلت كقطرة من سحابتها نقية صافية.

فالشعر عند الدكتور الخوجة هو الشعور لا الكلام الموزون المقفى الخالي من المشاعر.

يروي الخوجة لحظة ميلاد نصه

هناك بعض اللحظات لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بقدرتها على إشعال الروح.

لحظةٌ خاطفة، كوميض برقٍ في ليلٍ ساكن، كفيلة بأن تُعيد تشكيل وجدان شاعر. يقول في أحد ردهات فنادق المغرب العربي: لم يكن في المشهد ما يوحي بولادة نصٍّ غير أن العيون إذا أُصيبت بدهشة الجمال، انفتحت أبوابٌ لا تُغلق.

وقفت أمام مشهدٍ أربك الحواس، جمالٌ باغت القلب دون استئذان حسناء فاتنة، دخلت إلى بهو الفندق فتوقّفت مأخوذاً، وانفلتت من بين شفتي كلمة (جبروت) دهشة صافية، مكثّفة، تحمل في طيّاتها انبهاراً لا يُوصف.

كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتعلن أن شيئاً استثنائياً قد بدأ.

يضيف الخوجة لم تكن زوجتي بعيدة عن هذا الوهج، فقد التقطت الإحساس قبل أن يكتمل، نظرت إلي وبادرت إلى حقيبة يدها التقطت ورقة وقلماً، وهمست بثقة العارف اكتب عنها ترجم أحاسيسك..

انساب الشعر كما لو أنه كان ينتظر تلك الإشارة، فكانت ولادة كلمات ساحرة، تنبض بالحياة وتفيض بالدهشة.

وُلدت حالة شعرية كاملة، لها نبضها وسرّها ودهشتها.

من هذه الشرارة، تشكّلت القصيدة جبروت بوصفها واحدة من التجارب الغنائية العربية التي تمزج بين الشعر الصوفي والوجدان العاطفي في قالب موسيقي مهيب، تتعانق فيه الكلمة مع اللحن في حالة من السمو والتجلّي.

منذ المطلع، يتبدّى البُعد الروحي عبر النداء

يا ربَّ المشرقِ والمغربْ

يا ربَّ الملكوتْ

يستدعي النص فضاءً كونياً مفتوحاً، يتجاوز حدود العاطفة الأرضية ليُلامس تخوم المطلق.

افتتاح يمنح النص هيبة خاصة، ويؤسّس لحالة من الانبهار العميق الذي يسيطر على الشاعر أمام حضور الأنثى، حضور يتجاوز الجمال الحسي ليبلغ مرتبة (الجبروت)، كما يتجلى في قوله:

جبروتْ في عينيها، يا ربّي جبروتْ

أين المنجى منها، أين المهربْ

نص يشتغل على ثنائية مدهشة العشق بوصفه تجربة إنسانية، والتصوف بوصفه حالة فناء وذوبان. تتجلى هذه الثنائية في عبارات مثل من علّمها أسرار الكهنوت

وتمائم هاروت وماروت

يتم استدعاء الرموز الدينية والأسطورية لتكثيف الشعور بالعجز أمام سحر الأنثى الجبروت، فيتحوّل الحب إلى قوة قاهرة تُشبه القوى الغيبية التي لا تُقاوم.

يتصاعد الإيقاع الشعوري في النص مع انتقال الشاعر من حالة التساؤل والدهشة إلى حالة الاستسلام الكامل:

فطربتُ ومالي لا أطربْ

وتركتُ قيادي لرموشٍ لا تتعبْ

صورة تختزل لحظة الانقياد التام، حيث يفقد العاشق إرادته أمام سطوة الجمال، فتغدو الرموش رمزاً لهيمنة ناعمة، تمارس سلطانها بسحر خفي لا يُرى.

تداخل عميق بين مفردات العشق ومصطلحات التصوف، كما في قوله

وتسهّد فيها فسقته الوجد وأسرار اللاهوت

ومضى في رحلته يكتشف الملكوت

ليتحوّل الحب إلى رحلة كشف ومعرفة، ويغدو العاشق سالكاً في طريقٍ روحي، ينهل من أسرار الوجد ويغوص في عوالم اللاهوت والملكوت، باحثاً عن معنى يتجاوز حدود التجربة الحسية.

أما على المستوى اللحني، قدّم عبدالوهاب الدوكالي لحناً يوازي هذا العمق الشعري، حيث تتصاعد الجمل الموسيقية في تناغم مع تصاعد الحالة الشعورية، خصوصاً مع تكرار اللازمة يا ربَّ المشرقِ والمغربْ

بما تحمله من شحنة وجدانية عالية، يتردد صداها في النفس كأنها دعاءٌ أو نشيد تأملي. الأداء الصوتي جاء محمّلاً بخشوعٍ داخلي، يجعل المتلقي يعيش التجربة بدل أن يكتفي بسماعها.

وتأتي الخاتمة محمّلة برمزٍ بالغ الدلالة، يتجلّى في هذا المقطع:

يمّمتُ بأشرعتي شرقاً

فأبت سفني إلا المغرب

إلا المغربْ

في المحصلة، تقف (جبروت) عملاً فنيّاً متكاملاً، تتضافر فيه الكلمة واللحن والصوت لتشكّل تجربة استثنائية، تعيد تعريف الغناء بوصفه مساحة للتأمل والكشف، وتجعل من الشعر الغنائي باباً نحو عوالم أعمق، حيث يلتقي الحب بالروح، والإنسان بالمطلق.

في هذه القصيدة الرائعة يتألق الشعر، ويبدع الشاعر المفتون، وتسهم الزوجة بتشجيعها لتكون محفّزاً يلهم الشاعر نكهة خاصة لكلماته..

00:05 | 13-04-2026

زهير الهليس.. قلبٌ نابض في التخصصي..

كلما اكتحلت عيناك بتكريم جديد في القطاع الصحي التخصصي، لا بد أن تتداعى إلى وعيك الكلمات المضيئة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان في استنهاض الهمم لبناء الوطن، يقول: «مستقبل وطننا الذي نبنيه معاً لن نقبل إلا أن نجعله في مقدّمة دول العالم، بالتعليم والتأهيل، بالفرص التي تتاح للجميع والخدمات المتطورة في التوظيف والرعاية الصحية والتعليم والسكن والترفيه وغيره».

إنها الرؤية التي وضعت القطاع الصحى التخصصى في مقدّمة القطاعات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتطور صحة المجتمع ورفاهيته، معتمدة على الطاقات البشرية المبدعة والمنتجة ذات المهارة العالية التي تُسهم في تطويره وتعزيز قدراته.

رؤية خاطت من نول القدرة والعزم ووافر المعطيات ثياب العز والفخر لوطننا الغالي، فعشنا معها وعداً أخضر غير مكذوب، ومنجزاً مدهشاً غير مجلوب، وتوقعاً مبرقاً بكل جديد خلاق ومطلوب.

على إيقاع هذه الرؤية، كان مستشفى الملك فيصل التخصصى ومركز الأبحاث على موعد مع الفرح، بتتويج استشاري جراحة القلب البروفيسور زهير يوسف الهليس بجائزة الإنجاز مدى الحياة من الكلية الأمريكية لأمراض القلب؛ تقديراً لمسيرته في تطوير جراحة القلب، وإسهاماته العلمية والتعليمية التي ارتقت بالرعاية القلبية داخل المملكة وخارجها.

تاريخ مشرّف امتد لما يقرب من 50 عاماً، أجرى بمشرط الخبرة والدراية أكثر من 25 ألف عملية قلب داخل المملكة وخارجها، مساهماً في تأسيس أول سجل لعيوب القلب الخلقية في الشرق الأوسط.

أشرف على تدريب مئات الجراحين، وطور مركز قلب متكامل يجمع بين الجراحة وأمراض القلب والعناية الحرجة.

دولياً قاد أكثر من 6. مهمة جراحية خيرية وتعليمية في أكثر من 20 دولة، إلى جانب 150 بحثاً علمياً والمشاركة في كتب ودوريات مرجعية متخصصة.

انتخب رئيساً للجمعية العالمية لجراحة قلب الأطفال وقسطرة القلب الخِلقية كأول سعودي يتولى هذا المنصب.

له إسهامات في تطوير جراحات استبدال صمام القلب التالف بصمام من جسم المريض نفسه، وهي تقنية أتاحت للمرضى فرصة العيش بصمام يتكيف مع نموهم الطبيعي، ويقلل من حاجتهم للأدوية الدائمة، ويمنحهم جودة حياة أفضل على المدى الطويل.

جائزة (الإنجاز مدى الحياة) تتويج لمسيرةٍ لم تُبنَ على الأرقام وحدها، بل على أثرٍ إنساني عميقٍ أعاد تعريف معنى الجراحة، وجعل من القلب موضوعاً ومقصداً حكاية علم ورحمة، وسجلاً حياً يروي كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى رحمةٍ تمشي على الأرض.

في كل نبضةٍ أُعيدت إلى جسدٍ كاد أن يخذله، وفي كل طفلٍ أُعيد إلى حضن الحياة بقلبٍ أقوى، وفي كل أسرةٍ استعادت طمأنينتها بعد خوف، وفي كل طبيبٍ شابٍ تعلّم على يديه.

إن الطب ليس تقنيةً باردة، بل مسؤولية أخلاقية تتطلب معرفةً متجدّدة وروحاً عالية، وضميراً يقظاً لا يساوم على حياة الإنسان.

في منظومةٍ واحدةٍ تُعلي من كفاءة الأداء وترفع من فرص النجاة، وتختصر الزمن بين التشخيص والعلاج، وتمنح المريض تجربة علاجية متكاملة تتسم بالدقة والإنسانية في آنٍ واحد.

وفّر المستشفى للبروفيسور بيئة علمية متقدّمة، وتجهيزات طبية رفيعة، ومنصة بحثية عالمية، مكّنته من تحويل أفكاره إلى إنجازات ملموسة، وأتاحت له أن يجرّب ويبتكر ويطوّر دون قيودٍ تحدّ من طموحه العلمي وسط دعم إدارى ومعنوي ومادي لا محدود، يعكس (رؤيةً) إستراتيجية جعلت من الاستثمار في الإنسان أولوية قصوى، ومن تطوير المؤسسات الصحية مساراً ثابتاً نحو الريادة.

حضوره عالمياً لم يكن مجرد أداءٍ لمهام طبية، بل رسالة إنسانية مكتملة الأركان، تُجسد معنى أن يكون العلم جسراً للتواصل بين الشعوب، وأن تكون الخبرة وسيلة لإنقاذ الحياة أينما وُجدت.

يكتسب هذا الإنجاز بُعداً وطنياً عميقاً يعكس نضج البيئة العلمية في المملكة، وقدرتها على إنتاج كفاءاتٍ تنافس عالمياً وتؤثر في مسارات المعرفة الطبية.

فليس من قبيل المصادفة أن يخرج هذا النموذج من مستشفى صار مرجعاً إقليمياً وعالمياً في الرعاية الصحية، نتيجة تراكم العمل المؤسسي المنظم، والإيمان بأن التفوق العلمي لا يتحقّق إلا في بيئةٍ تُقدّر المعرفة.

إن التفوق ليس وليد لحظة، بل ثمرة صبرٍ طويل، وعملٍ متواصل، وشغفٍ لا يخبو.

وإن الطبيب الحقيقي لا يقاس بعدد العمليات التي يجريها، بل بقدرته على إحداث فرقٍ دائمٍ في حياة الناس، وعلى إلهام غيره ليكمل المسيرة، وعلى غرس القيم قبل نقل المهارات.

لا يُقرأ إنجاز البروفيسور الهليس بوصفه محطة ختامية لمسيرة إنسان، بل بوصفه قمةً تفتح آفاقاً جديدة، وبوصفه قصة نجاحٍ تُلهم كل من يسعى إلى أن يجعل من علمه رسالة، ومن عمله أثراً.

قمةٌ تقول إن القلب الذي يُصلح قلوب الآخرين لا بد أن يترك أثراً خالداً في ضمير الإنسانية، وإن الإنسان العظيم لا يُقاس بما حققه لنفسه، بل بما منحه للعالم من نورٍ وحياة.

إن هذه الجائزة المائزة في مسيرة التخصصي هي حصيلة عمل دؤوب، وجهد مستمر، كانت حصيلته أوسمة كللت جبين «التخصصي»، وكؤوساً ازدحمت بها دوالبيه وأرففه، وشهادات تزيّنت بها جدرانه، وممراته، وإدارة مميّزة جعلت من رؤية ولي العهد محمد الخير هدفها نحو العالمية والتميّز.

00:13 | 9-04-2026

مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الدبلوماسية الصحية

حضر وفد المملكة هذا المؤتمر في نسخته الرابعة في مدينة ميامي الأمريكية بثقل المتصدّر وثقة العارض المبشّر، بنخبة من المفكرين رجال الرؤية التي جعلتنا رقماً عصيّاً على التجاوز في معادلة الاقتصاد العالمي، نفهم ما سيطلبه الغد من الاحتياجات؛ ومصدر يملك الموارد، ويتّسم بالكفاءة والموثوقية والالتزام. تكمن أهمية الحدث كونه منصة عالمية تجمع رؤوس الأموال وصنّاع السياسات وكبار المسؤولين والمستثمرين والمبتكرين حول العالم، في ظل التحوّلات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة تحت شعار رأس المال المتحرك.

المملكة أكدت أمام العالم أنها لم تعد مجرد لاعب اقتصادي إقليمي يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن خارطة الأسواق التقليدية، بل غدت فاعلاً مركزياً يعيد تشكيل منطق الاستثمار العالمي، ويقترح نموذجاً متوازناً يجمع بين الوعي بالمخاطر والقدرة على تحويلها إلى فرص، تحوّل عميق في الرؤية والدور.

في المؤتمر عكس خطاب وزير المالية محمد الجدعان مستوى عالياً من اليقظة الاستراتيجية، إذ لم يكتفِ بالإشارة إلى احتمالات الاضطراب الجيوسياسي، بل وضعه في سياق تصاعدي قد يتجاوز تداعيات جائحة (كوفيد 19).

مقاربة تنطلق من قراءة واقعية لطبيعة النظام الدولي الذي يتجه نحو مزيد من التعقيد والتشابك، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتتشابك سلاسل الإمداد مع بؤر التوتر، وتصبح الصدمات أكثر سرعة وانتشاراً.

تتجلى أهمية هذا التحذير في كونه يصدر عن اقتصاد نجح في بناء قدر معتبر من المناعة الداخلية، مرونة الاقتصاد السعودي أتت نتيجة تراكمية لإصلاحات هيكلية عميقة، شملت تنويع مصادر الدخل، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وتطوير بيئة الاستثمار، مرونة منحته قدرة مزدوجة على امتصاص الصدمات من جهة، والمبادرة بالفعل.

على الضفة الأخرى، قدّم الدكتور ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات رؤية تكاملية لا تكتفي بإدارة المخاطر، بل تتجاوزها إلى صناعة المستقبل.

فالإشارة إلى استراتيجية خماسية مرتقبة تعكس انتقالاً مدروساً من مرحلة (بناء الداخل) إلى مرحلة (تصدير الفرص)، لم يعد الهدف محصوراً في تقوية البنية الاقتصادية الوطنية، بل اتسع ليشمل تحويل المملكة إلى منصة عالمية تستقطب رؤوس الأموال وتعيد توجيهها نحو مشاريع نوعية ذات أثر طويل الأمد.

تحوّل يعكس نضجاً في فلسفة الاستثمار، حيث لم يعد رأس المال يبحث فقط عن العوائد السريعة، بل عن البيئات المستقرة القادرة على إنتاج قيمة مستدامة.

تبرز المملكة حاضنةً لمعادلة نادرة استقرار سياسي، رؤية اقتصادية واضحة، وإرادة تنفيذية قادرة على تحويل الخطط إلى واقع ملموس.

ليؤكد الدكتور ماجد الفياض المستشار في الديوان الملكي الرئيس التنفيذي لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث دور الدبلوماسية الصحية في بناء منظومة صحية عالمية أكثر توازناً لتعزيز التعاون الدولي وبناء الثقة وتوسيع الخدمات الصحية وتوطين أوسع للتقنيات لتمتد عبر الحدود والتخصصات واللغات بما يعزز الشراكات الصحية العالمية ويعمّق من تكاملها.

نجاح الدبلوماسية الصحية يتطلب أن تكون هناك مواءمة مع السياسات الوطنية ومعالجة الفجوات الموجودة بين الصحة والسياسة الخارجية بشكل منهجى،

مؤكداً أن هدف الدبلوماسية الصحية بناء عالم أكثر صحة من خلال دعم جودة الحياة وتعزيز متوسط عمر الإنسان المتوقع على المدى الطويل وتوظيف البيانات والتقنيات كركيزة أساسية لتطوير القطاع الصحي عالمياً بوصفه استثماراً استراتيجياً طويل الأجل.

موضحاً ما حققته المملكة من تقدم نوعي في مجالات البحث والابتكار والتقنيات الحيوية، وتوسيع آفاق التعاون الدولي وتطوير العلاجات المتقدمة، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز صحة الإنسان عالمياً.

في المؤتمر ظهر الدور السعودي قوةً موجهةً لا مجرد مستجيب، فالمملكة لا تنتظر تدفقات الاستثمار، بل تسهم في إعادة تعريف مساراتها، عبر مبادرات كبرى ومشاريع عملاقة، وبناء شراكات متعددة تمتد من الشرق إلى الغرب.

هذا الامتداد يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الاقتصاد العالمي الذي لم يعد أحادي المركز، بل متعدد الأقطاب.

الحضور الواسع لقادة الأعمال وصنّاع القرار في القمة يعزز من مكانة المملكة محور حوار عالمي، حيث تتلاقى الرؤى وتتشكل التحالفات، وتُصاغ ملامح المرحلة القادمة. وجود هذا التنوع الجغرافي والثقافي في منصة واحدة يؤكد أن مستقبل الاقتصاد لن يُبنى داخل حدود ضيقة، بل عبر شبكات من التعاون العابر للقارات.

خلاصة المشهد تكشف معادلةً دقيقةً تمثّل جوهر الرؤية السعودية الجديدة، التي لا تكتفي بمواكبة التحولات، بل تسعى إلى قيادتها في عالم يتغيّر بإيقاع متسارع، إذ تبدو المملكة وكأنها تعيد تعريف موقعها، ليس فقط اقتصاداً قويّاً، بل فكرة متكاملة عن كيفية إدارة المستقبل.

00:01 | 6-04-2026

«الأخضر».. الطاسة الضائعة !

تستطيع أن تحلف بالمغلّظات من القسم أنّ منتخبنا الوطني هو الوحيد بين كافة المنتخبات الوطنية المتأهلة لنهائيات مونديال كأس العالم 2026؛ الذي يعيش حالة من التوهان، وفقدان البوصلة، بصورة تعدّت حالة «القلق» إلى «الرثاء» والخوف من كارثة وشيكة، و«فضيحة» مقبلة ستمحو آثار السمعة الطيبة التي تركها «الأخضر» في المونديال السابق؛ كونه الفريق الوحيد الذي استطاع الفوز على حامل اللقب (الأرجنتين)..

ففي الوقت الذي تنصرف فيه كل المنتخبات إلى وضع «اللمسات الأخيرة»، وخوض المباريات التجريبية في أيام الفيفا؛ للوقوف على جاهزية العناصر، وضبط إيقاع الخطط التي سيؤدي بها كل منتخب، حسب غايته من المونديال، وأهدافه التي يسعى إليها، في هذا الوقت الحاسم والحساس، تضرب سفينة «أخضرنا» في عباب التيه مع مديرها الفني هيرفي رينارد، فلا هو استقرّ على اختيار العناصر التي سيخوض بها المونديال ناهيك عن وضع ملامح التشكيلة الأساسية، ولا هو اختار الطريقة المثالية التي سيؤدي بها مبارياته الثلاث مع منتخبات إسبانيا، والأورواغوي والرأس الأخضر. وكل ما يقوم به الآن يكشف حقيقة أن رينارد «عاجز» كل العجز عن حل المعضلات التي تواجه الأخضر، وأن معالجاته تفتقد إلى الحس الزمني السليم، وأن ما يقوم به الآن يمثل «بدعة» في عالم التدريب، فهل رأيت في كافة المنتخبات المتأهلة للمونديال، وحتى غير المتأهلة، مديراً فنياً يجمع 50 لاعباً ويقسمهم إلى فئة (A)، وفئة (B)، ويبدأ في المداورة، فتصبح القائمة الأولى على أسماء، وتنتهي في المساء على أخرى، ويرسل آخرين إلى منازلهم، في نهج يكشف حجم الفوضى التي تضرب بأطنابها، ويزيد عليها بالاستبعاد دون أسباب، والاستدعاء دون مسوغات، وتبديل مراكز اللاعبين، وإشاعة حالة من الإحباط بينهم، كما ظهر ذلك جلياً في المباراة الودية التي خاضها الأخضر مؤخراً مع مصر وانتهت بهزيمة مذلة وبالأربعة، وما أعقب تلك المباراة الكارثية من معالجات وتصريحات، درج على تمريرها رينارد، وتكرارها بشكل ممجوج في كل مؤتمر صحفي يعقب هزيمة للأخضر، فإشاراته الدائمة إلى أن اللاعب السعودي لا يلعب دقائق كافية في مباريات الدوري بما يفقده حساسية المنافسة، توصيف صحيح في كثير من جوانبه، لكنه لا يعفيه مطلقاً من المسؤولية، ويظل السؤال المُلحّ يطارده: وماذا فعلت أنت بوصفك مديراً فنيّاً لمعالجة هذا الواقع؟ وقد هُيئت لك كل الظروف لذلك، ومن بينها تعطيل الدوري لأكثر من شهر، وخوض مباريات كأس العرب بالتشكيلة الأساسية خلافاً لبقية المنتخبات العربية الأخرى، وكانت الحصيلة مخيبة، بل لم تظهر أي جوانب تكتيكية أو ملامح أداء تكشف عن جهد فني، وخطط مرسومة، وإنما هو تجريب بلا هدى، وترقيع بلا تخطيط، والنتيجة هذه الحالة التي نعيشها اليوم.. ومهما تعلّق رينارد بحجة عدم مشاركة أكثر اللاعبين السعوديين بشكل أساسي في مباريات الدوري، فهذا القول حجة عليه، وليس داعماً لفرضياته، فمع هذا الشح الذي يشير إليه من مشاركة اللاعب السعودي، كان من المفترض أن تنحصر دائرة اختياره، وقد هيّأ له الدوري بهذه الصورة الأميز والأقدر على منافسة اللاعب الأجنبي والقادر على اقتحام التشكيلة، ولكننا رأينا في المقابل أنه توسع في الاختيار، وجاوز المعقول بهذا العدد الكبير، وهو صنيع كان سيكون مقبولاً لو أنه في بداية عمله، وأن في الوقت متسعاً يمتد لعامين أو عام على أقل تقدير، لكن أن يعالج الإشكال بهذه الطريقة ولم يبقَ لانطلاقة المونديال سوى أيام معدودات فلا وصف لذلك إلا أنه عمل يفتقر إلى الاحترافية، وأن «الطاسة ضائعة» بينه وبين اتحاد الكرة، الذي لم يحرّك ساكناً وهو يشهد هذا الانحدار وضياع هوية المنتخب السعودي، وقد كان يلزمه معالجة الواقع قبل زمن طويل خاصة أن الخبراء والنقّاد قد أشاروا بصريح القول إلى مواطن الخلل، وشخصوا العلل، ووضعوا الحلول الممكنة.. ولكن لا أحد يستجيب..!

والحال كذلك؛ فلا أقل من وضع حد لهذه المهزلة التي تطال «الأخضر» اليوم، وأول معالجة هي كف يد رينارد عن تدريب المنتخب، خاصة أن في الخاطر «غصّة» من مغادرته الأولى في وقت حرج، ولأسباب واهية، لم يحترم معها العقد بينه وبين اتحاد الكرة، ولم يكن متوقعاً أن يعود مرحّباً به لتدريب المنتخب وكأن شيئاً لم يكن، وحتى لو تغاضينا عن كل ذلك فما يقدمه اليوم لا يكشف عن جدية، ولا يظهر قدرة، بل على العكس، يحاول رينارد في كل مناسبة ترحيل التبعات على غيره، و«غسل» يديه مما حاق بالأخضر، وهو أمر كان لزاماً على اتحاد الكرة أن يلجمه، ويطالبه بالعمل عوضاً عن كثرة الانتقاد.. فلا أقل من إقالته فوراً وتكليف أحد العناصر الوطنية المشهود لها بالكفاءة لاستدراك ما يمكن استدراكه في ما تبقى من أيام.. كما أن الاتحاد السعودي مطالب بمراجعة شاملة لواقع الحال الذي نعيشه اليوم، وأولها تقييم تجربة الاحتراف بصورته الحالية، وأثر ذلك على أداء المنتخب الوطني، فليست الغاية أن تنجح الأندية ويفشل المنتخب، بل الغاية كل الغاية أن يكون نجاح الأندية هو العامل الأساسي الذي يفضي إلى تقوية أداء المنتخب في المحافل العالمية..

00:19 | 2-04-2026

المملكة في «مجموعة السبع».. أحلام «السداسي العربي»

حسنًا فعلت دول «مجموعة السبع» وهي تستضيف المملكة العربية السعودية، في اجتماعها في فرنسا الأسبوع المنصرم.

وهي الاستضافة الوحيدة لدولة خارج عضوية المجموعة، بما يعكس المكانة المتنامية للمملكة على الساحة الدولية ودورها الفاعل في الملفات السياسية والاقتصادية والطاقة، إلى جانب إسهاماتها في دعم الجهود الدولية وتعزيز الاستقرار العالمي؛ وقدرتها على توظيف هذه العلاقات والمكانة لصالح قضايا العرب جميعًا.

وتكمن أهمية المشاركة في ضوء ما تشهده المنطقة من حرب ماضية في الاتساع مع كل يوم يمر عليها،

وآخذة في التشظي بلا أفق لحل منطقي يجنّب المنطقة مزيدًا من الكوارث، وأفضت إلى حالة توشك أن تتقولب إلى حرب إقليمية لولا ما تفرضه دول مجلس التعاون على نفسها من ضبط للنفس، واحتمال للأذى الإيراني، تقديرًا لما يمكن أن تؤول إليه التداعيات، مكتفية بمبدأ الدفاع ورد الهجمات الصاروخية المتتالية، والاعتداءات المتكررة بالمسيّرات.

إن إشراك المملكة في اجتماعات مجموعة السبع يأتي منسجمًا ومنطقيًا، واستجابة لدعوتها المستمرة بأهمية إشراكها ودول مجلس التعاون الخليجي في المحادثات مع الجانب الإيراني، وربط ذلك بفرص نجاح المحادثات، وهي عين ما ظلت تنادي به المملكة حتى قبل وقوع الحرب، لكونها الأقدر والأكثر معرفة بهذا الملف، والأكثر تأثيرًا بتداعياته. كان حضور المملكة هذه الجلسات وهي تفتح ملف إيران بالتشخيص والمعالجة المتجاوزة للبيانات الباردة، والدعوات الرخوة التي لا تطفئ حريقًا، ولا توقف كارثة، فكانت مشاركة وزير الخارجية فاعلة بخاصة في جلستَي «التهديدات العابرة للحدود والسيادة» بما اشتملت عليه من نقاش حول التهديدات الدولية، وتنسيق سرعة الاستجابة حيالها، فضلًا عن ضرورة تعزيز أمن الملاحة والموانئ، والجريمة العابرة للحدود، وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.

بجانب الحضور الفاعل في جلسة «إصلاح الحوكمة العالمية» التي ناقشت المبادرات الدولية لتحسين كفاءة منظمات الأمم المتحدة، وتعزيز العمل الإنساني لتحسين سلاسل الإمداد، وتسريع إيصال المساعدات ورفع مستوى التنسيق بين الدول..

هذه المشاركة سيكون لها أثرها المنظور على أرض الواقع، بالنظر إلى ما انتهى إليه وزراء خارجية كل من كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب كبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي من تأكيد حاسم وقاطع ومبشّر مفاده أنهم «يدعمون شركاءهم في المنطقة في مواجهة الهجمات غير المبررة من النظام الإيراني وقواته الوكيلة»، كما أدانوا الهجمات التي تشنّها طهران ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية، ومنشآت الطاقة.

الخلاصة التي انتهت إليها مجموعة السبع تنسجم تماماً، وتتسق مع موقف «السداسي العربي» السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، وفقًا لبيانها المشترك الأربعاء الماضي إثر الاعتداءات التي شنّتها فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، والتحذير المستمر من توسيع دائرتها، ودخول أطراف إقليمية في أتونها بالوكالة عن إيران، حيث «شدّدت الدول الست على حقها الكامل والأصيل في الدفاع عن النفس إزاء هذه الهجمات الإجرامية، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يكفل حق الدفاع عن النفس للدول فرديًا وجماعيًا في حال تعرضها للعدوان».

إن حالة ضبط النفس التي تحلت بها دول مجلس التعاون، والمملكة الأردنية، في هذه الحرب، يجب أن لا يفهم على أنها ضعف وعجز عن الرد، ولكنها تقدير وحكمة تفوّت على الطائشين والحمقى، ومسعّري الحروب، وموقدي نار الفتن، إما بالأصالة أو الوكالة، وكلا الموقفين لهما علاجهما الناجع سواء على المستوى القريب أو البعيد بما يرتب فوضى المنطقة ويعيد إليها الأمن والسلم بشكل مستمر..

إن دخول الميليشيا العراقية المنفلتة الحرب سيكون له أثره على أمن المنطقة، وسيؤثر على علاقة العراق بالمملكة ودول مجلس التعاون، بما يتطلب من الحكومة العراقية تحرّكًا واعيًا، لكبح جماح هذه الفئة المتفلتة، وقمع فتنتها بأسرع ما يمكن، وبشكل حاسم وباتر، بخاصة وأنها تنتهج ذات النهج الذي تمارسه إيران من استهداف للأعيان المدنية في دول مجلس التعاون، ادعاء لا ينهض على ساق، ولا يشتد على قوائم، مع كل استهداف ينال من الأعيان المدنية، والمنشآت الحيوية في دول الخليج بلا استثناء.

وتكفي فقط الإشارة لمحًا للحصيلة الإحصائية المسنودة بالبيانات الرسمية الموثقة أن إيران أطلقت حتى مساء الأربعاء الماضي (4391) صاروخًا ومسيّرة على دول الخليج العربية، مستهدفة المنشآت الحيوية والأعيان المدنية، فيما أطلقت (930) صاروخًا ومسيّرة على إسرائيل، أي ما يعادل 17% من مجمل الهجمات، بما يكشف بجلاء ووضوح أن المستهدف ليس إسرائيل، وإنما دول الخليج، وأن الهجمات على إسرائيل لا تتعدى كونها «رسائل» تغذّي بها المنفعلين والحمقى والسفلة والمغفلين ممن يرون فيها سندًا للقضية الفلسطينية، وواقع الحال غير ذلك على الإطلاق.

إن حالة ضبط النفس التي ينتهجها «السداسي العربي» تمثل أقصى درجات الحكمة والعقل، وهي حالة تتجاوز منظور «الضعف» الذي يتصوّره المنفعلون وقصيرو النظر، إلى أفق لا ينظرون إليه الآن، وسيدركونه عمّا قريب، حين تمتد يد البتر الحاسم، وتنبسط رؤى التغيير بما يعيد التوازن، ويجتث شأفة الأحلام غير المنضبطة، والمغامرات التي تقودها العقول المفخخة.

00:09 | 30-03-2026

المتنبي.. بهاء القلب عندما يهزم الكبرياء

«أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ

وَجَوى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ

وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ

فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ»

«لِعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَما لَقي

وَلِلْحُبِّ ما لم يَبْقَ مِنِّي وما بَقِي

وَما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ

وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ»

أبيات ليست غزلاً عابراً، بل سيرة داخلية لروحٍ جُرِّدت من ترف الادّعاء، وأُلقُي بها في قلب التجربة حتى النهاية.

المتنبي هنا لا يكتب عن الحب بوصفه موضوعاً شعرياً، بل بوصفه امتحاناً وجودياً يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويكشف هشاشته مهما بدا متماسكاً أو متعالياً.

يصور النص حالة أرقٍ مركّب، أرق فوق أرق، وكأن السهر لم يعد عرضاً بل طبيعة ثانية. الأرق ليس اضطراب نوم، بل اضطراب كيان. الجوى يتكاثر، والدمعة لا تسقط بل تتردد، تتكوّن، تترقرق، إشارة إلى حزن لا يكتمل لأنه لا يجد منفذاً للخلاص.

المتنبي يضعنا منذ السطر الأول أمام إنسانٍ مأخوذ بالكامل، لا يملك حتى رفاهية الانهيار الكامل.

ثم ينتقل إلى وصف الصبابة بوصفها جهداً مستمراً، كأن الحب عمل شاق لا عطية سهلة. عين مسهدة وقلب يخفق؛ جسدٌ لا يهدأ، وروح لا تستقر.

الصورة هنا شديدة التماسك السهد والخفقان إيقاعان متوازيان، أحدهما ظاهر والآخر خفي، وكلاهما شاهد على استبداد العاطفة.

الكون كله يتحوّل إلى مرآة لهذا الوجع. البرق، الطائر، الأصوات العابرة، الإشارات الصغيرة، كلها تستدعي الفؤاد الشائق.

الحب عند المتنبي عدسة تغيّر زاوية الرؤية، فلا يعود العالم محايداً، بل متورطاً. كل شيء يذكّر، وكل حركة توقظ الشوق.

ثم تأتي نار الهوى التي تفوق جمرة غضا حرارتها لا تنطفئ

المقارنة ليست بلاغية فقط، بل فلسفية.

نار العشق لا تنطفئ لأنها لا تحرق الجسد وحده، بل تستوطن المعنى.

إنها نار لا تُرى آثارها، لكنها تستمر لأنها تغذي نفسها بنفسها.

التحوّل الأهم يظهر في الاعتراف.

المتنبي الذي عذل العشّاق، ووقف يوماً في صف العقل المتعالي، يجد نفسه مضطراً إلى الاعتذار.

التجربة تُسقط الأحكام المسبقة، لا يعود العاشق ضعيفاً، بل يصبح الإنسان الوحيد الذي اختبر الحياة بعمقها الحقيقي.

ومن لم يعشق، لم يعش، هكذا يُعاد تعريف الوجود.

الحب لا ينفصل عن القلق الوجودي، عن الإحساس بعدم الاستقرار، عن الخوف الدائم من الفقد حتى وسط القرب، يعمق هذا المعنى والمسار قسماً عاطفياً للمتنبي «لِعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَما لَقي» يختزل المأساة فما يلقاه الفؤاد يفوق الوصف.

الحب استنزاف، يأخذ مما بقي ويترك ما لا يُحتمل.

مُقراً بأن العشق لم يكن طبعه، لكنه استسلام قسري أمام سحر النظرة. الجفون هنا ليست عضواً، بل سلاح ناعم يهزم الحصون كلها.

يتأرجح النص بين الرضا والسخط، القرب والنوى، وتظهر المساحة الرمادية التي يسكنها العاشق الحقيقي. ليس سعيداً تماماً، ولا شقياً بالكامل. الدمع يجد مجاله الطبيعي هناك، بين الاحتمالين، حيث لا يقين ولا خلاص.

أجمل ما في هذا العشق أن المتنبي لا يقدّم الحب بوصفه وصالاً مضموناً، بل شكّاً جميلاً. لذة العشق كامنة في التردد، في الخوف، في الرجاء المؤجل. الوصل التام الذي ينهي القصة، أما الشك فيُبقِي النار متقدة، والروح تتشوق

هذه النصوص تكشف متنبئاً آخر، أقل صخباً وأكثر صدقاً.

شاعر خلع درعه، وسمح للجرح أن يتكلم. غزلٌ لا يغازل الجسد فقط، بل يعرّي النفس، ويؤكد أن العظمة الحقيقية لا تظهر في السيطرة، بل في القدرة على الاعتراف بالهزيمة أمام الحب.

00:05 | 26-03-2026