لماذا يقيس البعض قيمة الإنسان بما يملك من مال لا بما يحمله من أخلاق ومبادئ؟، هذه النظرة تسللت إلى علاقاتنا الاجتماعية، وأصبح المال –أحياناً– بوابة للقرب والاهتمام والتقدير.

وقد يمتلئ رصيد الإنسان بالمال وتبقى روحه فقيرة، وقد لا يملك الكثير لكنه يترك في حياة الآخرين ثراء لا ينفد.

إن الإنسان لا يكبر بما في يده بقدر ما يكبر بما في قلبه، ولا تصنع مكانته أرصدته بقدر ما تصنعها أخلاقه ومواقفه وأثره الجميل في حياة الآخرين، فالثراء الحقيقي هو ثراء النفس حين تتسع للجميع دون أن تسأل عن مكانتهم أو أرصدتهم، وحين يكون السلام والمحبة والتواصل والعطاء سلوكاً نابعاً من القلب لا علاقة له بما يملكه الآخرون.

بركة المال ليست في جمعه وحده، بل فيما يصنعه من خير وما يتركه من أثر، ومن أجمل صور هذا الأثر أن نشارك الناس أفراحهم، ونقف معهم في ظروفهم، ونصل أقاربنا ومعارفنا بعطاء معتدل لا إسراف فيه ولا انتظار لمقابل.

وليس معنى أن يمنحك الله سعة في الرزق أن تمد يدك فقط لمن يستطيع أن يمد يده إليك، فالعلاقات الإنسانية ليست صفقات تجارية، ولا ينبغي أن تخضع لمبدأ المكسب والخسارة، والمعروف يبذل للثري ومتوسط الحال والفقير، والمحبة تمنح للإنسان لأنه إنسان، وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معنى عظيم في سمو النفس فقال: (صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك).

وهنا تتجلى قيمة الثراء الروحي؛ أن تعطي لأن العطاء يشبهك، وأن تصل لأن الوفاء من أخلاقك، وأن تكرم لأن الكرم جزء من تكوينك، لا لأنك تنتظر مقابلاً أو مكافأة، فما أجمل أن يكون الإنسان ثرياً بروحه، غنياً بأخلاقه، طيب المعشر، واسع القلب، يرى الناس بإنسانيتهم لا بأموالهم، ويمنحهم مكانتهم بمحبتهم وأخلاقهم لا بما يملكون،

فالأموال قد تزيد وتنقص، والمكانة قد تتغير، والجاه قد يزول، لكن ثراء الروح يبقى أجمل ما يملكه الإنسان وأبقى ما يتركه في قلوب الآخرين.