ثمة سؤال يبدو طبيعيًا عند النظر إلى المشهد: لماذا تصنع واحدة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للنفط سيارة كهربائية؟ لكن ربما يكون السؤال نفسه هو ما يحتاج إلى إعادة النظر.
فالكهرباء طاقة، والسيارة الكهربائية لا تُخرج السعودية من عالم الطاقة، بقدر ما تعكس توسعًا في المجالات المرتبطة به. ومن هذه الزاوية، لا يمثل إطلاق «إكزوبوت» من شركة «سير» خروجًا سعوديًا من عالم النفط، ولا امتدادًا مباشرًا لسلسلته، بل توسعًا في مفهوم القيمة المرتبطة بالطاقة: من إنتاج الموارد إلى بناء التقنيات والصناعات والأنظمة التي تخزن الطاقة وتديرها وتستخدمها.
هذه ليست -بطبيعة الحال- الرسالة الرسمية الوحيدة أو حتى الرئيسية للمشروع. «سير» مشروع صناعي واقتصادي في المقام الأول. وعند إطلاق طرازي السيدان والدفع الرباعي من «إكزوبوت» في 21 سبتمبر 2026، وضع الخطاب الرسمي الحدث في سياق بناء منظومة صناعية مستدامة، وجذب الاستثمار، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتوسيع دور القطاع الخاص. كما أعلنت الشركة خطة لطرح سبعة إصدارات خلال خمس سنوات، وتوقعات بأن يتجاوز إسهامها في الناتج المحلي 30 مليار ريال بحلول 2034، وأن يتجاوز أثرها في تحسين الميزان التجاري 80 مليار ريال.
غير أن النظر إلى «سير» بوصفها مصنع سيارات فقط يحجب نصف القصة. فالسيارة الكهربائية منتج صناعي، لكنها في أثناء استخدامها تصبح جزءًا من نظام الكهرباء. مصنعها ينتمي إلى السياسة الصناعية، أما حركتها اليومية فتعتمد على قدرة الشبكة، وانتشار الشواحن، وتوقيت الطلب، والبرمجيات التي تدير الطاقة.
حتى لغة السيارة تغيرت. كان الحديث يدور حول سعة المحرك والأسطوانات واللترات، وأصبح يدور حول الكيلوواط ساعة، والجهد الكهربائي، وقدرة الشحن، وكفاءة البطارية. تعلن «سير» أن «إكزوبوت» تحمل بطارية بسعة 112 كيلوواط ساعة وبنية كهربائية بجهد 800 فولت، وأن الشحن السريع من 10 إلى 80 في المئة يستغرق أقل من 30 دقيقة، فيما يصل المدى المعلن للسيدان إلى 670 كيلومترًا وفق معيار NEDC.
هذه ليست أرقامًا لزينة المواصفات. إنها تقول إن السيارة أصبحت جهازًا كبيرًا لتلقي الطاقة وتخزينها وإدارتها. وما يراه السائق مدة شحن أو مدى قيادة، يراه قطاع الكهرباء حملًا جديدًا له مقدار وموقع وتوقيت.
ولهذا فإن نجاح السيارة الكهربائية لا يُقاس بخروجها من خط الإنتاج وحده. فالسيارة التي لا تجد شاحنًا موثوقًا تبقى منتجًا منفصلًا عن المنظومة التي يفترض أن تخدمه. ومن هنا تأتي أهمية شركة البنية التحتية للمركبات الكهربائية «EVIQ»، وهي مشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة والشركة السعودية للطاقة. وتظهر البنية التحتية اليوم بوصفها منظومة بدأت تتشكل فعليًا؛ إذ تمتد شبكة EVIQ إلى 8 مدن و55 موقعًا، وتضم 131 شاحنًا و254 قابسًا، فيما تستهدف الشركة تركيب أكثر من خمسة آلاف نقاط شحن سريعة موزعة على جميع أرجاء المملكة.
كما أن المملكة انتقلت من الحديث عن المركبة الكهربائية داخل المدينة إلى بناء شبكة يفترض أن تجعل السفر الكهربائي بين المدن ممكنًا. وقد افتتحت EVIQ في مارس 2025 أول محطة لها على الطرق السريعة في موقع ساسكو الجزيرة على طريق الرياض–القصيم.
لكن الشاحن ليس مجرد «مقبس كهربائي» أكبر. إنه معدات قدرة، واتصال رقمي، وبرمجيات دفع وتشغيل، ومعايير توافق، وبيانات، ومتطلبات سلامة وأمن سيبراني. ولهذا أنشأت EVIQ مركزًا في الرياض لاختبار أنواع الشواحن والبرمجيات المرتبطة بها، والتحقق من الكفاءة والموثوقية والتوافق وملاءمة التشغيل للبيئة السعودية.
ومع ارتفاع أعداد السيارات الكهربائية، لن يكون السؤال الأهم هو مقدار الكهرباء السنوي الذي تستهلكه فقط، بل متى وأين وبأي قدرة تطلبها. فمثلاً، مئة ألف سيارة تشحن تدريجيًا في ساعات مختلفة ليست مثل مئة ألف سيارة تبدأ الشحن معًا عند عودة أصحابها إلى المنازل. والأثر في محطة توليد كبيرة قد يكون مختلفًا تمامًا عن الأثر في محول أو مغذٍ داخل حي معين.
هنا يظهر الشحن الذكي. فبدل أن يبدأ الشحن فور توصيل السيارة وبأقصى قدرة متاحة، يمكن—عندما تتوافر البنية التنظيمية والتقنية المناسبة—توزيع الطلب على ساعات مختلفة، أو خفض القدرة في وقت الذروة، أو تقديم حوافز للشحن في أوقات انخفاض الطلب. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن أثر المركبات في النظام الكهربائي يتوقف على متطلبات الطاقة والقدرة وعلى الشبكة التي تتصل بها، وأن زيادة الشحن المُدار مقارنة بالشحن غير المُدار هي الاستراتيجية الأساسية لدمج المركبات بكفاءة.
ولا يصح القول إن «إكزوبوت» تعمل بالطاقة المتجددة؛ فهي تستمد الكهرباء من الشبكة، وتختلف بصمتها التشغيلية باختلاف مزيج التوليد. لكن المملكة تستهدف أن يشكل كل من الغاز والطاقة المتجددة نحو 50 في المئة لكل منهما من مزيج إنتاج الكهرباء بحلول 2030، مع إحلالهما محل الوقود السائل المستخدم في التوليد. كلما تغير المزيج، تغيرت الخصائص البيئية للكهرباء التي تشحن المركبة من دون الحاجة إلى تغيير المركبة ذاتها.
ولا يقتصر هذا التحول على جانب التوليد. فالمملكة تتوسع أيضًا في مشاريع تخزين الكهرباء بالبطاريات (BESS)، بما يعزز مرونة قطاع الكهرباء في موازنة التوليد والطلب والاستفادة من الطاقة المتاحة في الأوقات المختلفة. ولا ترتبط هذه المشاريع مباشرة بـ«سير»، لكنها تندرج ضمن قطاع كهربائي يتجه إلى مزيد من المرونة في التوليد والتخزين وإدارة الطلب.
اتصاليًا، اختارت «سير» أن تقدم نفسها من بوابة التصميم والأداء والقدرة الصناعية الوطنية. والتغطية الدولية المتخصصة التقطت، في يوم الإطلاق، جرأة التصميم والمدى والقوة وكون «إكزوبوت» أول سيدان وSUV كهربائيتين من العلامة السعودية. وهذا مفهوم؛ فالسيارة هي العنصر المرئي. أما الشبكة ومراكز الاختبار وسلاسل التوريد والتخطيط للأحمال فلا تظهر على منصة الإطلاق، رغم أنها تحدد في النهاية قدرة المنتج على التحول من مشهد لافت إلى سوق قابلة للنمو.
لذلك فإن وضع النفط في مواجهة الكهرباء لا يساعد على فهم الحدث. الاقتصاد السعودي لا يحتاج إلى التخلي عن خبرته في الطاقة كي يدخل صناعة المركبات الكهربائية؛ بل يستطيع استخدام رأس المال والبنية التحتية والخبرة المؤسسية لبناء قيمة في مساحات جديدة حول الطاقة. التحدي الحقيقي ليس اختيار طرف في مواجهة متخيلة، بل القدرة على وصل المصنع بالشبكة، والسياسة الصناعية بالتخطيط الكهربائي، والمنتج المحلي بسلسلة إمداد تنافسية.
بعد سنوات، قد لا يكون السؤال المهم كم سيارة ظهرت على منصة «سير»، بل كم حلقة اقتصادية أصبحت تعمل معها: مهندس يصمم، ومورّد يصنع، ومختبر يتحقق، وشاحن يتصل، وشبكة تستجيب، وبيانات تحسّن القرار. فالسعودية لا تغادر عالم الطاقة مع «سير»، بل توسّع ما يمكن أن تصنعه حول الطاقة. والقيمة الحقيقية لا تبدأ عند السيارة ولا تنتهي بها، بل في المنظومة التي تتحرك معها.


