استكمالاً للمقالة السابقة المعنونة بـ: السعودية.. والردع القادم لـ«الحوثة»، المنشور في «عكاظ»، بتاريخ 14 سبتمبر 2026، جاء السؤال: لماذا تجاوز الحوثي كل الخطوط الحُمْر؟
والجواب ببساطة، لانه أصلاً لا يعرف خطوطاً، لكونه «عبداً مأموراً»، منفذاً مطيعاً لكل ما يمليه عليه سادته في إيران، التي لن تجد أفضل منه في «الطاعة العمياء»، بغية تقطيع أوصال بلادٍ عربية عريقة متنوعة كاليمن كما فعلت في العراق ولبنان وسورية، لتصبح متشظية منقسمة منشقة على نفسها ينهشها الفقر والجهل والدمار، ولكن الأهم أن هذه اليمن (العربية) استعصت على الحوثي، ولم يحتلّ منها عملاء طهران سوى صنعاء وبضع مديريات في شمال البلاد. فأما الخطوط الحُمْر فقد تعداها يوم انتقل بـ«ابتزازه وعدوانه وجرائمه» من مرحلة استهداف المملكة، ومنشآتها النفطية، ليتجاوز كل الحدود بإطلاق المسيّرات صوب «بكة» أقدس بقاع المسلمين (مكة المكرمة)، حيث الكعبة المشرّفة، والبلد الحرام. وقبل أن يفيق الناس من هول محاولة قصف بيت الله الحرام؛ فاجأ الحوثي العالم بقصف مدينة الطائف. وقد أدّى ذلك القصف إلى مقتل مقيم يمني. فالحوثي في اليمن يقتل اليمنيين بلا حساب، وأيضاً يقتلهم خارج حدود اليمن.. بلا حساب!
ولعل أبلغ وصف لما يقوم به الحوثي تجاه السعودية هو ما أطلقه عليه موقع إخباري أمريكي: ابتزاز السعودية. والحقيقة أن السعودية تراكمت لديها خبرات واسعة مع من يجيدون وقاحة «الابتزاز». ولم يعد ثمة شيء يخيفها أو يزعجها، وأصبحت هوايتها إغاظة من يبتزونها بحرمانهم مما يرومونه ويسعون إليه.
والواقع يقول إن الحوثي يريد ضرب عشرة عصافير بحجر واحد. فهو يريد ابتزاز السعودية لرفع الرقابة على الموانئ والمطارات. وتلك رقابة مفروضة وفق قرارات أممية لمنع إيران من تزويد الحوثي بالأسلحة، ومكوّنات المسيّرات والصواريخ، وإيفاد «الخبراء» لتدريب مقاتليه. وهي في الوقت نفسه تقوم بواجبها كاملاً غير منقوص تجاه الشعب اليمني، من مساعدات إنسانية وإغاثية، وقوافل علاجية، وتفتح أبوابها أمام الملايين من اليمنيين الفارين من جور الحوثي وظلمه، وجرائمه.
وها هو الحوثي يفتح فصلاً جديداً في «الابتزاز» بمحاولة السيطرة على الساحل الغربي لليمن، خصوصاً الجزر المطلّة على باب المندب. ويعلن أن مضيق باب المندب مفتوح أمام الملاحة الدولية باستثناء السفن السعودية. وينسق مع وكلاء إيران في العراق ليقصفوا خط أنابيب النفط شرق - غرب.. ظناً منهم بأن تلك هي قمة «الابتزاز»، وبأن السعودية لم تعد لديها خيارات لتصدير نفطها ومنتجاتها من الأسمدة والبتروكيماويات. وهو تفكير سطحي، يسقط سريعاً!
إن إغلاق باب المندب بوجه السفن والناقلات وشحنات النفط والبتروكيماويات لن تتضرر منه السعودية وحدها بقدر ما سيتضرر منه العالم قاطبة.
صحيح أن السعودية لديها من الرجال والقوة والتحالفات ما يكفي للذود عنها، وللثأر لها من الحوثي ووكلاء إيران في العراق. ولن يكلفها سوى تفعيل تلك القوة والتحالفات، لكنها تُعْرِض عن ذلك في ما يمكن وصفه بأنه «صبر إستراتيجيّ» على الأذى الحوثي - الإيراني، تغليباً لمصالح كبرى لأنها لا تريد أن ترى المنطقة مشتعلة بالنار والبارود، وتتجه إلى المزيد من الحروب والصراعات.
الأكيد أن السعودية قادرة وقادرة جداً على تلقين الحوثي دروساً لن ينساها قادته، ولن ينساها سادته في قمْ وطهران. فهي قادرة بقواتها ورجالها وعتادها وما تملكه من صفقات تسليح ضخمة على أن تلقمه أحجاراً لن يسهل عليه ابتلاعها إلا على حافة القبر. وما دام قد اختار «الابتزاز الإجرامي» فعليه أن يتحمّل التبعات، وسيذوق الويْل والثُّبور والنار، فالسعودية تصبر ولكن عندما تضرب توجع وترد الصاع صاعين.. ولا عزاء للحاقدين.


