أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/223.jpg?v=1766066054&w=220&q=100&f=webp

جميل الذيابي

تأكيد الجغرافيا.. «السعودية خطٌّ أحمر»

لم تكن السعودية في زمانٍ مضى تردُّ على مَنْ يتناوشونها. وفي وقتنا الحالي لم يعد الصمت مجدياً؛ ما تطلّب منهجيةً أكثر حزماً وصرامةً؛ خصوصاً بعدما أصبح البعض -ومنهم من أقرب الأقربين - يوظّفون «قوتهم الخشنة والناعمة» للطعن في الظهر. بيد أن المملكة ظلت تتعامل -حتى في حال اضطرارها إلى الردِّ على تلك الإساءات، والافتراءات- بعدم التصعيد والتثبيط. فلا هي تبذَّلتْ، ولا هي أفحشت في القول بما يوازي حجم ما يتكشّف من الدسائس والمؤامرات.

ولعلَّ الرسالة السعودية الأخيرة الموجّهة للمجلس الانتقالي الجنوبي كانت واضحةً: لن تتوقف المملكة عن القيام بدورها الذي تعتبره مهمتها تجاه حماية شعبها، وأشقائها، إذ حاولوا هذه المرة ضرب السعودية في مقتل مما خالوه «كعب أخيل»، الذي لن تنهض منه لو ضربت فيه، (اليمن). وصُعقوا حين تكشّف لهم أن السعودية لن تسكت، ولن تصمت على محاولات التجريب أو التخريب. ليس لأنها تدافع عن «مناطق نفوذ» كما يزعمون، بل لأنها تدافع عن مصالح حيوية مهمة، هدفها الأول والأخير صدّ التهديدات، ودرء المخاطر، وسدّ الثغرات التي قد تنفذ منها مُزعزعات للأمن والاستقرار. تفعل ذلك كله وهي بريئة من الهوس بالأيديولوجيا، والتنطُّعات القومية؛ ولذلك لم تُنكر أية جهة دولية ذات وزن ما قامت به المملكة في حضرموت والمهرة وعدن.

لقد ظلّت علاقة المملكة باليمن محكومةً بجغرافيا واقعية لا يمكن تحريكها، أو تقطيع أوصالها؛ ولهذا دأبت على معالجة العقبات التي تطرأ على تلك الجغرافيا، من دون تدخُّلٍ في شؤون الدول الأخرى، ومن دون سعيها وراء مكاسب حدودية، أو ما بعد الحدودية. فهي ليست بحاجة إلى توسّع إقليمي، بما تملك من أراضٍ شاسعةٍ، وأقاليم متنوعةٍ، وشعبٍ أصيلٍ لا يعرف الانكسار.

ما حدث في اليمن أخيراً، لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً يمنيّاً داخليّاً؛ إذ إن مَنْ يقفون وراءه اختاروا «الجغرافيا الخطأ» لتهديد أمن واستقرار المملكة، وسيادتها على ترابها الوطني، عبر حدودٍ ملاصقةٍ تمتدُّ آلاف الكيلومترات. وكان الحل الذي توافق عليه الأشقاء اليمنيون، بمَنْ فيهم قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، أن يلتئم في الرياض مؤتمر وطني لتقرير مصير الجنوب اليمني، بما لا يضير المعركة الطويلة لاسترداد الشرعية اليمنية. وفي الساعة المحددة للحضور إلى الرياض قرّر رئيس المجلس عيدروس الزبيدي الهروب من عدن، والتخلّف عن الرهانات العاقلة. قام بذلك وهو مَنْ أعلن بنفسه في عدن أنه يقدّر حرص السعودية على تشجيع اليمنيين -من الشمال والجنوب- على وضع خريطة طريق خالية من الألغام والمخاطر لتلبية تطلعات الجنوب.

مَنْ يظنون أن استهداف السعودية بهذه الطريقة سيؤدي إلى تفكيك التحالف لدعم الشرعية في اليمن خاطئون، بل هم سُذَّج لا يعرفون شيئاً عن قدرات السعودية، وإمكاناتها، وتحالفاتها الإقليمية والدولية. وأظنهم لا يعرفون أيضاً القدرات الكبيرة حقّاً لقوتها الناعمة وكذلك الخشنة.

ويعلم الداني والقاصي أن سياسة المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ترتكز على أن تكون المملكة والمنطقة خاليتين من النزاعات، والخلافات، والتشاحن، والبغضاء، بل ذهبت إلى سياسة «تصفير المشاكل»، بما يتيح الازدهار الاقتصادي والتنمية التي تنشدها لها ولدول المنطقة. ولذلك نشطت الدبلوماسية السعودية؛ لضمان أمن واستقرار سورية، ولبنان، ووقف حربَيْ السودان واليمن.

الأكيد أن الأزمة في جنوب اليمن مُتجهة إلى حلول مُرضية بعد حلِّ «المجلس الانتقالي»، وبدء الحوار «الجنوبي» من خلال تغليب «الحكمة اليمانية» واستجابة أبنائه لنداء العقل، والأمن، وترجيح مصالح الشعب اليمني، من دون تشبّث بمصالح شخصية، وأجندات خارجية، فالمملكة ليست طامعةً في موارد أية دولة أخرى؛ إذ يكفيها ما وهبها الله من خيرات ومكاسب وعلاقات تمتدّ عبر العالم من أدناه إلى أقصاه.

وكلمة السرّ بوضوح، وتأكيداً للجغرافيا: تهديد أمن المملكة خطٌ أحمر سيتم التصدي له بحزم صارم.

19:09 | 22-01-2026

لماذا الزبيدي.. خان جنوبه وطعن يمنه ؟!

لم يكن عيدروس الزبيدي قبل عقد من الزمن، اسماً كبيراً في المشهد الجنوبي، لكنه عمل على استغلال الفراغَيْن الأمني والسياسي في الجنوب، وانشغال الشرعية بـ«الانقلاب الحوثي»، ولجأ إلى تشكيل كيان خارج إطار الدولة، رافعاً شعارات انفصالية دوماً، وعنصرية حيناً آخر، ما أسهم في تعميق الانقسام ونشر الفوضى والعنف، خصوصاً في المحافظات الجنوبية.

وهكذا لم ينحصر خطر تفكيك الدولة في انقلاب الحوثي في الشمال، بل تمدّد الخطر ليضرب بنية الدولة من الداخل عبر مشاريع موازية تحمل شعارات سياسية برّاقة ولكنها زائفة، تسير في اتجاه واحد وهو إضعاف الدولة وتقويض مؤسساتها، إذ تحوّل المجلس الانتقالي إلى سلطة «أمر واقع» تفرض قراراتها بقوة السلاح، وتشكّل تهديداً ليس للأمن والسلم اليمني بل تحوّلت إلى «خنجر مسموم» في ظهر القضية الجنوبية ذاتها، ما دفع الجنوبيين أنفسهم إلى رفض ممارسات الزبيدي والدعوة لمحاكمته بصفته «خائن» لمطالبهم في الحل العادل للقضية.

وعلى الرغم من منح الزبيدي فرصة الشراكة السياسية عبر مشاركته في الحكومة ثم مجلس القيادة الرئاسي، وأخيراً في الحوار الجنوبي -الجنوبي المرتقب في الرياض، والذي دعت إليه السعودية ووافقت عليه الأطراف كافة، إلا أنه انقلب على كل ذلك بعد (ترحيب)، فبعد أن حرّك قواته لاحتلال حضرموت والمهرة أحدث انقساماً وشرخاً عميقاً في الجسد الجنوبي، بل وداخل المجلس الانتقالي نفسه، إذ بدأ أنصاره يدركون حقيقة هذا الرجل ومواقفه المتقلبة، وارتهانه لأجندة خارجية مدمّرة لليمن والمنطقة، وهو ما فضحته ممارساته على الأرض التي أفصحت عن ازدواجية خطيرة بين خطاب الشراكة وعبثية الانقلاب، لينتهي به المطاف فارّاً إلى أرض الصومال ومنها إلى أبو ظبي.

لا شك في أن أبرز الخسائر التي لحقت بالقضية الجنوبية تتمثل في اختزالها في كيان واحد وشخص واحد، وبدلاً من أن تكون القضية مظلّة جامعة لكل القوى الجنوبية، جرى حصرها في شخصية الزبيدي، مع إقصاء أو تهميش قوى جنوبية تاريخية، مدنية وقبلية وحزبية، ما شتّت أهداف القضية الجنوبية وأظهرها أمام الرأي العام المحلي والدولي على أنها مشروع انفصالي وليست قضية حقوقية.

وفي ظل هذه السياسات «الزبيدية» الحمقاء، رهن حقوق أبناء الجنوب بمشاريع «مؤامراتية» باتت مرفوضة، تفضح اعتماد المجلس الانتقالي على تحريض جعل مشروعه حتى في نظر أنصاره، مرتبطاً بأجندات خارجية مشبوهة هدفها تحويل المحافظات الجنوبية والشرقية إلى منصة تأزيم لتصدير الفوضى وإثارة القلاقل والاضطرابات داخلياً!

ولعل أخطر ما فعلته سياسات «الزبيدي» أنها وضعت المواطن الجنوبي في مواجهة مباشرة مع الدولة اليمنية الساعية إلى استرداد كل التراب الوطني، وساهمت في تآكل الثقة بالمؤسسات الشرعية، ولم تتوقف تداعيات هذه السياسات عند حدود الجنوب، بل انعكست على مسار المعركة الوطنية ضد الحوثيين، إذ أدّى الانشغال بالصراعات الداخلية إلى تشتيت الجهد السياسي والأمني، ومنح الانقلابيين في صنعاء فرصة لالتقاط الأنفاس وتعزيز مواقعهم العسكرية، وهنا تتجلى خطورة مشروع «الزبيدي»، ليس بوصفه مشروع انفصال فحسب، بل باعتباره عامل إضعاف شامل للدولة اليمنية في لحظة تاريخية فارقة. والعلاقة بين الزبيدي والحوثيين ليست خافية، فقد رحّبوا به ووصفوه بـ «ابن العم»، فالفصيلان الانقلابي والانفصالي تجمعهما روابط قديمة، وقد تدرّبا سوياً في معسكر «حزب الله» وينفذان مشروعاً متشابهاً مرتهناً لأجندات خارجية.

ومن المؤكد أن الإجراءات الأحادية للزبيدي لم تكن مجرد مواقف سياسية، بل خطوات عملية لتفكيك الدولة اليمنية، بدءًا من إنشاء قوات أمنية وعسكرية لا تخضع لسلطاتها، مروراً بالسيطرة على مؤسسات سيادية في عدن، وانتهاءً بإعلان إدارات وهيئات موازية تحل محل مؤسسات الدولة الرسمية، وهو ما أفرغ مفهوم الشراكة من مضمونه، وحوّل الجنوب إلى ساحة صراع بدل أن يكون الركيزة الرئيسية لاستعادة الدولة.

الإجراءات الأحادية للزبيدي انتجت بؤر توتر جديدة داخل المحافظات الجنوبية، خصوصاً في حضرموت وشبوة وأبين والمهرة، وقوبلت محاولات فرض «الأمر الواقع» برفض شعبي وقبلي، ما أدّى إلى صدامات مسلحة وسقوط ضحايا، ورسّخت تلك الإجراءات حالة عدم الاستقرار وكشفت أن هذه الفوضى لم تكن عرضاً جانبياً، بل نتيجة طبيعية لمشروع يقوم على الإقصاء واحتكار التمثيل وفرض الرؤية بالقوة.

لا يمكن تجاهل أن أخطر ما يواجه اليمن اليوم، هو استمرارية التعامل مع كيانات موازية باعتبارهم شركاء سياسيين رغم سلوكهم الانقلابي والعبثي، وهو ما شجّع عيدروس ومن معه ومن حرّضه على التمادي في إجراءاته الأحادية، معتقداً أن القوة المسلحة يمكن أن تمنحه شرعية سياسية، بيد أن التجربة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن أي مشروع لا يقوم على التوافق الوطني واحترام مؤسسات الدولة، لا ينتج إلا العنف والانقسام والتشظّي وإفشال مشروع الدولة.

الأكيد أن الزبيدي، خان بلاده، ولم يكن عامل استقرار كما روّجت له أبواق التضليل والتزمير والتطبيل، بل تحوّل إلى أحد أبرز عوامل تفكيك الدولة اليمنية، من خلال سياسات تعزّز الانقسام وأربكت عمل «الشرعية»، ونقلت الجنوب من حلم الاستقرار إلى واقع الفوضى، ولا حلّ إلا بتجفيف منابع المشاريع الانفصالية الإقصائية، والعودة إلى المشروع الوطني الجامع الذي لا مكان فيه لسلاح خارج إطار الدولة ولا لسلطة فوق القانون.. وما هروب الزبيدي إلا نهاية كل متلاعب بدماء شعبه.. وما أقبح الغدر وطعن الأوطان!

22:33 | 8-01-2026

واشنطن بين زيارتين.. ولي العهد وترمب ثقة وشراكة تفاعلية.. وأبواب مفتوحة

بين زيارتين في ربيع 2018 وشتاء 2025... وجدت واشنطن أجواءً مثالية للترحيب بولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. كانت الزيارة الأولى للأمير الشاب بدءاً لتأسيس علاقة صداقة راسخة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بعد 14 شهراً من توليه رئاسة الولايات المتحدة في عام 2017. وها هي زيارته الثانية لواشنطن في نوفمبر 2025 تضيف أبعاداً جديدة لعلاقة تعمّقت بالسياسة، والاقتصاد، والذكاء والتكنولوجيا.

وقد بدأ ترمب تلك العلاقة الدافئة باختياره المملكة أول محطّةٍ لأول زيارة خارجية يقوم بها منذ أدائه اليمين رئيساً لأكبر دولة في العالم. وفي صيف 2025 اختار ترمب الرياض أيضاً أول وجهة لأول زيارة خارجية له بعد توليه مهمات رئاسته الثانية. وبين الزيارتين جرت مياه كثيرة، إذ وجد ترمب نفسه في الرياض محاطاً ليس بالقيادة السعودية وحدها، بل بقادة البلدان العربية والإسلامية، الذين لبّوا دعوة الرياض آنذاك للقائه، وبحث قضايا الإقليم والعالم معه. وشهدت الزيارة الأولى للأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة جولة مكثّفة غير مسبوقة لولي العهد في المراكز المالية والتكنولوجية والصناعية لمدة أسبوعين. ويمكن اعتبارها الزيارة التي وضعت أسس التفاهمات والتعاقدات التي انطلق منها عملياً نحو تنفيذ مشاريع رؤية السعودية 2030. وها هو الأمير «المحنّك» يحلّ في البيت الأبيض مجدّداً - بعد ثماني سنوات ليجد واشنطن تفتح ذراعيها لاحتضانه بالحرارة والتقدير والاحترام؛ بل أكبر من ذلك، بعدما تأكدت جدية تفكير ولي العهد في إعادة صياغة مستقبل بلاده، وبالخروج من القوالب التقليدية للتحالفات إلى نوع جديد من التحالف الموجّه إلى تحقيق معمّق للمصالح المشتركة بين البلدين، وتحقيق قدر أكبر من طموحات المنطقتين العربية والإسلامية، في عالم يسوده الاضطراب، وتنهكه الحروب، وتشعله التوترات والنزاعات.

لقد حقّقت الزيارة الأولى لولي العهد لواشنطن نجاحاً لا يزال صداه يتردد في آفاق العلاقات الدولية. وبعد زيارة الرئيس ترمب للرياض في مايو الماضي، ونجاحها في إبرام أكبر صفقات في مجالات التسليح، والتكنولوجيا، والتجارة، والتنسيق السياسي والدبلوماسي؛ بدا واضحاً أن زيارة ولي العهد الراهنة لواشنطن ستكون أكثر نجاحاً في ملفات عدة. ولا بد من القول إن السر في نجاح زيارتَي ترمب للمملكة وزيارتَي الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة يكمن في «الكيمياء» الناجمة عن إعجاب الرئيس ترمب بديناميكية ورؤية الأمير الشاب، وطريقة تفكيره، ووضوح هدفه في ما يريده لبلاده من تعاطيها مع القطب الأكبر في العالم. في كلتا الزيارتين يأتي ولي العهد إلى واشنطن وهو يعرف ماذا يريد، وماذا سيبحث، ولماذا، ووفقاً لأي جداول زمنية محدّدة. وهي دقة تنظيمية عرف بها الأمير محمد بن سلمان منذ ما قبل توليه مسؤوليات حكومية، ويسنده ما تحقق من نجاحات كبيرة لرؤية المملكة 2030. لا شك في أن زيارة ولي العهد لواشنطن تأتي استكمالاً للإنجازات التي تحقّقت بفضل زيارته الأولى للولايات المتحدة، وتمثّل ذروة التنسيق والتفاهمات التي تمّت خلال زيارتَي الرئيس ترمب للمملكة في 2017 و2025. يتصدّرها هذه المرة الوضع الصعب الذي يشهده العالم والمنطقة بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ونزاعات عدة تؤجج الصراعات بين شعوب العالم، إذ يسعى الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي إلى إيجاد حلول تضع لها حداً؛ خصوصاً الحرب في أوكرانيا، والنزاع بين باكستان وأفغانستان، وحرب السودان. ووفقاً لمبادئ الأمير محمد بن سلمان فإن الأمن والاستقرار شرطان أساسيان لا بد منهما لتحقيق أي ازدهار، ونماء، وسلام في أرجاء العالم. وهو مبدأ مهم أعلنه الأمير محمد بن سلمان في الكلمة التي استهل بها قمة الدول العربية التي استضافتها جدة في عام 2022. وهو من المبادئ المهمة التي يتوافق عليها الرئيس ترمب والأمير محمد بن سلمان في نهجهما السياسي. وبدت ملامح ذلك التوافق في الأدوار التي بذلتها الرياض لتسهيل التفاوض بين روسيا وأوكرانيا، والتفهم الذي أبداه ترمب بدفع من الأمير محمد بن سلمان لضرورة احتواء سورية وقيادتها الجديدة، والدفع بها إلى آفاق السلام، والاندماج في عملية الاستقرار الضرورية لأي ازدهار لسورية وشعبها. وبدت أهمية التقارب بين الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي في تغيّر موقف واشنطن من إنهاء الحرب على قطاع غزة، وانتهاءً بفتح مسار يؤدي إلى إمكان تنفيذ حلّ الدولتين. غير أن مصالح المملكة لا تقل أهمية عمّا عداها من قضايا المنطقة والعالم؛ إذ يذهب ولي العهد لواشنطن وفي صدارة اهتماماته المضي قدماً في تنفيذ بقية مستهدفات رؤية 2030. وهي خطة ندر مثيلها في العالم العربي، أثارت من الإعجاب العربي قدراً جعل كثيراً من دول المنطقة تقتدي بها لضمان مستقبل مزدهر. وهي - أي خطة 2030- أثارت قدراً كبيراً من إعجاب أقطاب عالم المال والأعمال والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، ليس لما تضمّنته من مشاريع يسيل لها لعاب الرؤساء التنفيذيين في كل مكان؛ بل لما صحبها من إصلاحات بنيوية وهيكلية في النظم، والشفافية، والحوكمة، ومكافحة الفساد، بحيث أضحت خارطة الطريق إلى الاستثمار الأجنبي في المملكة واضحة، وسهلة، ومضمونة النتائج. فتحت واشنطن ذراعيها وفتحت أبوابها لولي العهد السعودي الشاب حين جاءها زائراً في عام 2018. وها هي تلتقيه بتلك الحرارة في عام 2025، وهو هذه المرة يبحث في المكتب البيضاوي تعزيز تحالف المئة عام باتفاق دفاعي يضمن أمن المملكة، واستقرار ثرواتها ومواردها الطبيعية والحفاظ على مكتسباتها التي يستفيد منها العالم، مثلما تفيد منها السعودية على حد سواء. كما أن السعودية أكّدت منذ سنوات رغبتها في إنشاء برنامج نووي سلمي يعزز إفادتها من الطاقة النووية في الأغراض السلمية، خصوصاً الطاقة. وهو أمر يحتاج إلى تعاون حقيقي بين الرياض وواشنطن، يمكن اعتباره أعظم ضمانة لنجاح هذا المشروع السلمي الذي يعتبر حقّاً لكل شعب مقتدر من شعوب العالم. أضحت التكنولوجيا شغلاً شاغلاً للقيادة السعودية وهي تبحث عن تعاون يتيح تحقيق الأهداف التي حدّدتها رؤية العام 2030، خصوصاً المدن الذكية، والصناعات، والتقدّم في الصناعات العسكرية الوطنية، وكل ما من شأنه تعزيز مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي. وأدّى العكوف على تحقيق تلك التطلعات إلى انتقال سريع ملموس في المجالات التي يراهن عليها الأمير محمد بن سلمان، كالرياضة، والألعاب الإلكترونية، والسياحة، والترفيه واللوجستيات. وأحدث ذلك كله فرصاً وظيفية ضخمة استوعبت الطاقات الكبيرة لشباب السعودية من الجنسين. الأكيد أن واشنطن تستقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اليوم بيد ممدودة للتعاون، وتبادل المصالح، وتفاهم على ما تريده المملكة، وما تستطيع المملكة أن تقدّمه إلى حليفتها التاريخية، وتحالفهما الذي صمد بقوة على مدى قرن، على رغم ما اعتراه أحياناً من تباينات في وجهات النظر هنا وهناك. وستجد واشنطن في ولي العهد السعودي قائداً محنكاً ذا رؤية ثاقبة تحركه التجارب والمواقف، وتقوده الطموحات والتطلعات إلى عالم أكثر أمناً، وأفضل تعاوناً بين الشعوب.

22:30 | 13-11-2025

الرياض.. دبلوماسية ذكية تعالج الأزمات

تثبت النظرة الواقعية «المنصفة» إلى حصاد الدبلوماسية التي يرعاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ويقودها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، منذ العام 2015، أن الرياض من أهم عواصم العالم المؤثرة سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، ورياضياً. وهي تنجح في كل ما بين يديها من إمكانات ومعطيات وقدرات وتأثيرات؛ إذ إنها لا تزال أكبر مصدّرٍ للنفط في العالم. كما أنها كسبت الرهانات على تحقيق تقدّم مُطّرد في نمو قطاعاتها غير النفطية، وتوفير المزيد من مصادر الدخل الذي لا يعتمد على إدمان النفط.

ويمكن بالإجمال القول إن المملكة استطاعت خلال الأعوام الماضية في ظل الظروف الساخنة أن ترسِّخ مكانتها كقائد عالمي، من دون أية تدخلات في شؤون الدول الأخرى. وعلى رغم تحديات البناء الوطني، بموجب خطط رؤية 2030، التي اختطها وبرع فيها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، فإن السعودية استطاعت تلبية متطلبات جودة حياة مواطنيها، من تعليم، وصحة، وسكن، وتوظيف، بموازاة فتح أبوابها للعالم سياحياً ورياضياً وترفيهياً.

ومن خلال كل ذلك الحراك الدبلوماسي النشط، نجحت المملكة في مواصلة القيام بدورها الحيوي إقليمياً وعالمياً، وحضورها الجيوبوليتيكي في الإقليم، الذي يكاد لا يستقر على حال.

وكانت رؤى 2030 خيطاً ناظماً لمسار الدبلوماسية السعودية نحو تصفير مشاكل الإقليم والوساطة في حلحلة النزاعات الدولية، بتركيز خاص على الشراكات، والوساطات والتحالفات، والانفتاح على الآخر.

والحقيقة أن هذا النهوض «السعودي الجيوبوليتيكي» تحقّق على رغم وجود تقلبات وتحديات حادة لا يمكن لكثير من الدول مواجهتها.

فقد استطاع ولي العهد التقدّم بسياسة سعودية مرنة تقوم على الديناميكية بجهود دبلوماسية لافتة في أتون أزمة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، والعدوان الإسرائيلي على لبنان، وسورية، وتبعات انهيار نظام بشار الأسد في سورية، وسقوط المشروع الإيراني في الإقليم.

وباعتقادي أن سر نجاح دبلوماسية الرياض، التي يقودها بفاعلية عالية الأمير محمد بن سلمان، يكمن في بناء أفضل علاقات مع العالمَين العربي والإسلامي، وكذلك مع القوى الغربية والآسيوية، ما جعل السعودية ركيزة دبلوماسية أساسية في المشهدَين الإقليمي والدولي. وأضحت بذلك بلداً مؤثراً في منطقة أثخنتها الأزمات، وأدمتها الصراعات، حتى أن قادة دول العالم باتوا يتطلعون إلى الرياض بحثاً عن حلول لكثير من الأزمات المستعصية.

ولا بد من القول إن القيادة السعودية نجحت في توظيف أهمية تأثير بلادها، ونفوذها ودورها على الساحتين الإقليمية والدولية، ما أوجد لها صدى وتجاوباً كبيرَين، في قدرتها على حل الأزمات القريبة والبعيدة على حد سواء.

وتبدّت نجاحات الدبلوماسية السعودية في تحوّل الرياض إلى وجهة للزعماء العرب والمسلمين والغربيين، الباحثين عن حلول لأزمات مستحكمة تعبث باستقرار بلدانهم وأقاليمهم. وقد استطاع الأمير القدير محمد بن سلمان ببراعة أن يقرن بين السياسة الخارجية والنجاح في بناء شراكات اقتصادية، وتفاهمات سياسية كانت لها جدواها في تخفيف أجواء المنطقة والعالم من الأزمات والتعقيدات والصراعات.

ولا غنى عن القول إن الدبلوماسية السعودية لا تقتصر أهدافها على تعظيم المكاسب الاقتصادية والسياسية فحسب؛ بل إن السلام والاستقرار هما ركيزتها الكبرى.

إذ وسط الأمواج الهائجة في شتى أنحاء العالم؛ واصلت دبلوماسية محمد بن سلمان تعزيز تحالف الرياض الإستراتيجي مع واشنطن وموسكو ولندن وبكين وباريس ودلهي وإسلام آباد، وبناء مزيد من الشراكات الدولية، وتطوير العلاقات مع دول أخرى تربطها علاقات وثيقة بالرياض. ولهذا حققت مساعي المملكة نجاحاً معقولاً في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وما استتبع ذلك من تبادل للأسرى بين الجانبين، وتعزيز العلاقات مع موسكو، خصوصاً في مجال التعاون للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية، وسط التوترات التي يشهدها العالم، وصولاً إلى الدور الذي قامت به الدبلوماسية السعودية في معالجة الحرب الإسرائيلية على غزة، ورفض الرياض أي مساعٍ لتصفية القضية الفلسطينية، وتهجير شعب غزة، وإعطاء الوضع الجديد في سورية فرصة راجحة لإعادة الإعمار، وإعادة الاستقرار الاقتصادي والأمني لسورية. وبلغت نجاحات الدبلوماسية السعودية المسؤولة ذروتها بالنجاح المدوّي لمؤتمر «حل الدولتين» في نيويورك الشهر الماضي، والدور الكبير والمهم الذي قام به الأمير محمد بن سلمان في الاتصالات مع واشنطن، التي انتهت بالقمة العربية الإسلامية التي عقدها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في نيويورك، التي أسفرت عن إعلان خطته لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وانفتاحه على ضرورة إعطاء الفلسطينيين حقوقهم في قيام دولتهم المستقلة، على أرضهم التاريخية.

الأكيد أن المزيج المتفرد من «الدبلوماسية السعودية»، جعل الأمير محمد بن سلمان أحد أبرز المؤثرين الناجحين الذين غيّروا وجه العالم خلال العقدين الأول والثاني من الألفية الثانية، وهو تغيير ستظهر أبعاده الكاملة خلال العقود القادمة، التي ستشهد مزيداً من النجاحات والإنجازات السعودية الكبيرة.
21:42 | 9-10-2025

الخطاب الملكي.. إصلاحات ومنجزات «غير مسبوقة»

أضحى الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى السعودي تقليداً راسخاً، ومناسبة تكشف فيها الدولة ما أنجزته من خطط كبرى، وتطلعات وطموحات للشعب السعودي، في سياق عملية الإصلاح الهيكلي «غير المسبوق»، الذي يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.

ومن أهم ما يستوقف الراصد في الخطاب الملكي الذي ألقاه ولي العهد نيابة عن الملك، شفافية القيادة السعودية في تأكيد التزامها بالإصلاح، وتنويع مسارات الاقتصاد، وتقليص الاعتماد على دخل النفط، إذ إن للمرة الأولى.. الأنشطة غير النفطية تحقق 56% من الناتج المحلي.

ولم تكتفِ القيادة السعودية بذلك، بل طرقت قضية مهمة بمنتهى الشجاعة، والصراحة، والمصداقية؛ إذ تعمّد الخطاب الملكي السنوي أن يوجّه رسالة واضحة إلى من جعلوا همّهم تضخيم كل ما يعلن عن إعادة النظر في مشاريع سعودية، أو إعادة هيكلة الإنفاق على هذا المشروع أو ذاك. كأنهم يريدون أن يقولوا للعالم إن الإصلاحات كسرت ظهر السعودية! ويعرف السعوديون وأصدقاؤهم وشركاؤهم أن ذلك عادي جداً لكل دولة تنفق على التنمية، والبناء، والتطوّر، واقتناء التكنولوجيا.

ولذلك أكد الخطاب الملكي على أن الدولة لن تتردد في إلغاء أو إجراء تعديل جذري في أي برامج أو مستهدفات إذا اقتضت المصلحة العامة. وذلك بناءً على تأكيد قدرة القطاعين العام والخاص على مواجهة التحديات، وامتصاص الصدمات الاقتصادية، ومراجعة مسار برامج وتحويرها لتكون أشد مناعة ضد التقلبات.

وجاءت تلك المعلومات، والمُنجزات من قيادة تتابع بدقة، وترصد ما يتم تحقيقه في جميع المشاريع التي تنفذها الدولة؛ خصوصاً في ظل الدور الكبير الذي قام به ولي العهد في بلورة رؤية 2030، والمتابعة الصبورة لما يتم تحقيقه، والحلول الهادفة لإزالة العراقيل والتحديات. ولذلك كان الخطاب الملكي شديد الوضوح والشفافية، في شأن إمكان مراجعة مسار برامج، أو مشاريع، أو إحداث أي تعديل جذري لأي مستهدفات، إذا كان ذلك ما تقتضيه المصلحة العامة. وهو ما يغرس الطمأنينة في نفوس السعوديين إلى متانة اقتصاد بلادهم، وبقاء قيادتهم الرشيدة عيناً ساهرة لضمان تحقّق مستهدفات رؤية 2030، وما يتصل بها من سياسات، ومشاريع، وتخطيط. مع التشديد الكامل على أن الحكومة تسعى باستمرار إلى رفعة المواطن وتقدّمه وزيادة دخله.

وقد أدّت المتابعة اللصيقة من ولي العهد الأمير محمد إلى ما تحقّق من تقدّم كبير في البنية الأساسية، والخدمات التقنية، والمستهدفات السياحية والترفيهية. وهو ما جعل المملكة منطقة جذب للاستثمارات الأجنبية، الباحثة عن الأمان، والازدهار، والاستقرار، وحرص الدولة على الإصلاح الاقتصادي والمجتمعي. وأدّى ذلك بدوره إلى تحقيق الخطط الكبرى لتطوير قطاعات الرياضة، والسياحة، والترفيه والتكنولوجيا، وجعل المملكة وجهة لملايين السيّاح الأجانب، وفرصة كبيرة للعمل التجاري والاستثماري.

ولا يمكن إغفال الجزء الأخير في الخطاب الملكي السنوي، لجهة التنديد بالعدوان الإسرائيلي على دولة قطر، وتأكيد التضامن معها بجملة قوية متوثبة «نقف مع قطر في كل ما تتخذه بلا حدّ». وهو ما قاد إلى فضح مماطلات حكومة بنيامين نتنياهو في شأن إتاحة نافذةِ أملٍ لقيام دولة فلسطينية، في وقت تتجه عشرات الدول من مختلف أرجاء العالم إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، التي تنص الشرعية الدولية على ضرورة قيامها في إطار «حل الدولتين».

لا شك أن أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أيام قليلة ستكون موجعة لنتنياهو أكثر من الفظائع التي يرتكبها ضد الفلسطينيين. إذ سيكون الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية نجاحاً حقيقياً للدبلوماسية السعودية نحو إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة في دولة مستقلة مسالمة.

الأكيد أن الخطاب الملكي السنوي قدّم الإنجازات السعودية وفق الأرقام والحقائق، في المجالات كافة، وفي مجملها تطوّرات إيجابية تؤكد تحقيق مستهدفات رؤية المملكة، قبل سنوات من الوصول إلى العام 2030، رؤية رجل شجاع «يقول ويفعل» من أجل أن تعانق بلاده «عنان السماء».
21:28 | 11-09-2025

الرياض وواشنطن.. «لقاء لا تخطئه العيون»

تمثّل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الرياض، التي اختارها مَحَطّاً لأول جولة خارجية منذ تسلُّمه رئاسة الولايات المتحدة للمرة الثانية في 20 يناير الماضي، وبعد أن كانت المحطة الأولى أيضاً خلال رئاسته الأولى في عام 2017، ذروة جديدة من ذُرَى العلاقة الإستراتيجية التاريخية العريقة بين البلدين، التي شهدت الكثير من نقل التعاون والتنسيق بين البلدين إلى مراحل أكثر تطوراً ومتانة وقوة.

وهي زيارة تعني الكثير.. والكثير جداً؛ إذ إنها تأتي وسط اضطرابات تعيشها المنطقة. ويُنتظر الإفصاح قبيل الجولة الثلاثية المرتقبة الأسبوع القادم، عن تفاصيل ما وصفه ترمب بأنه «إعلان مهم جداً».

وعلى رغم التطورات الأمنية المتسارعة في الإقليم والملفات الساخنة المتعددة، إلا أن الرئيس ترمب يأتي هذه المرة ليجد الرياض تشكِّل حضوراً فاعلاً كبيراً في أهم ملفات السياسة الإقليمية والدولية. فهي شريك في مساعي التقريب بين القوتين العظميين؛ روسيا والولايات المتحدة. وهي حاضرة بقوة في المساعي المبذولة لحل النزاع بين موسكو وكييف، ولعبت دوراً بارزاً في تبادل الأسرى بينهما، حتى أضحت مضيفاً للمحادثات بين البلدين، التي أدّت إلى توقيع «صفقة المعادن»، والتحرك للبحث عن اتفاق يتيح إعلاناً لوقف إطلاق النار بشأن حرب أوكرانيا.

ويأتي الرئيس ترمب إلى السعودية ليجدها ذات حضور مؤثر في كل ملفات المنطقة الملتهبة، من خلال مساعيها من دون كلل لإطفاء الحرائق المشتعلة في سورية، ولبنان، وقطاع غزة، والضفة الغربية. فضلاً عن دورها الإيجابي في الأزمة السودانية واستضافتها للفرقاء، وتأكيدها على وقف الدعم الخارجي للمتحاربين، باعتبارها مسألة جوهرية لا بد منها لتهيئة بيئة حقيقية لوقف النار، وفتح الطريق أمام حلٍ سياسي شامل.

وبما أن السعودية دولة موثوق بها عالمياً من قبل مختلف الأطراف، فإنها جاهزة لنزع فتيل المواجهة المتصاعدة بين إسلام آباد ونيودلهي على خلفية علاقة ولي العهد الوطيدة مع قادة البلدين، فضلاً عن جهوزيتها للتوصل إلى أية تفاهمات جديدة بين واشنطن وبكين.

ويمتد الحضور السعودي إلى الملف الإيراني المُعقّد، ما أدى إلى إيفاد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز إلى طهران، لينقل رسالة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي.

وكان اختيار ترمب حل النزاع الغربي مع إيران من خلال التفاوض أولاً، وليس الحرب، باعثاً للارتياح لدى القيادة السعودية، التي لا ترغب في حرب جديدة يعمّ ضررها الإقليم والعالم بأسره.

لا شك أن زيارة ترمب للمملكة والحضور السعودي القوي في مساعي إنهاء الحرب في غزة بارز ورصين، إذ كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز واضحاً وشفّافاً في تصريحاته وسياسة بلاده تجاه القضية الفلسطينية، وسعيها الذي لا ينقطع إلى تسوية عادلة ودائمة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، يتصدّره تنفيذ حل الدولتين، عبر مبادرة السلام العربية، التي قدّمتها السعودية، وأجمع عليها قادة الدول العربية في قمة بيروت الشهيرة عام 2002. وتأكيد ولي العهد أكثر من مرة على أن «المملكة لن تتوقف عن عملها الدؤوب، في سبيل قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وأنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون تحقيق هذا الشرط».

وتأتي زيارة ترمب للمملكة وهي في أوج ازدهارها الاقتصادي والاستثماري، وتعكف على تحقيق أهداف إصلاحاتها الاقتصادية والاجتماعية التي تتضمنها رؤية 2030، مستفيدة من انفتاحها على علاقاتها الخارجية المتوازنة مع الصين وروسيا، اللتين تقفان على الطرف الآخر من سردية التوتر بين الغرب والشرق.

وقد أدرك الرئيس ترمب منذ ولايته الرئاسية الأولى أن السعودية جادة في تعزيز تحالفها العريق مع الولايات المتحدة، من حيث التعاون الدفاعي، والأمني والتقني، والسياسي، والاقتصادي للتوصل إلى نظام عالمي قادر على ضمان أمن العالم، وحماية المنطقة من الأخطار التي تحيط بها. وهي أخطار لا تهدّد الشرق الأوسط فحسب، بل تهدّد العالم بأسره.

الأكيد أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بحصافته وحنكته وسياسات بلاده الرصينة، سيسعى إلى إنجاح الزيارة، وتحقيق أقصى قدر من مصالح السعودية العليا، بما يوازي زعامتها في المنطقتين العربية والإسلامية، وبوزنها الثقيل في مجموعة العشرين الأقوى اقتصاداً في العالم. وإذا كانت زيارة ترمب للرياض في عام 2017 تمثّل سابقة في العلاقات الدولية - الثنائية، فإن زيارته هذه المرة ستحقق نجاحاً قياسياً يعمّق الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، وتطفئ حرائق الإقليم والعالم عبر مبادرات السلم والسلام. وستبقى السعودية في صدارة الداعين والداعمين للأمن والاستقرار وتحويل الأهداف الإستراتيجية الدولية إلى واقع ملموس لا تخطئه العيون.
21:48 | 8-05-2025

واشنطن وموسكو.. ومجهر العالم.. لماذا الرياض ؟

ليس هناك أدنى شك في أن ما تشهده المملكة العربية السعودية منذ تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز أمر البلاد إنما هو نتاج فكرٍ، وعقلٍ، وعبقريةٍ إصلاحيةٍ «غير مسبوقة» في صنع السياسات الداخلية والخارجية، بتحديد الأولويات وفق المصالح العليا للمملكة.

واستطاع «البارع» ولي العهد أن يتقن التخطيط لحاضر البلاد ومستقبلها، من خلال الرؤية النموذجية 2030، السائرة بالسعودية إلى غاياتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والرياضية، والسياحية (وبالتأكيد ليس هو بحاجة إلى تلك الشهادات). ومن خلال دأبٍ وصبرٍ وحنكةٍ وذكاءٍ استطاع الأمير محمد بن سلمان أن يشكّل حضوراً باهراً في الساحتين العربية والدولية. ونجح خلال سنوات قلائل في تشكيل التحالفات على رغم المؤامرات والحملات الحاقدة، وفي تعزيز العلاقات مع الدول والتكتلات الإقليمية والدولية. وبفضل تلك الدبلوماسية الذكية، جعل الأمير محمد بن سلمان الرياض عاصمة القمم العربية، والإسلامية، والإقليمية، والدولية. فقد اتسع نطاق «الكاريزما» التي يتمتع بها ليجعله «الزعيم المؤثر» ذا المصداقية، وحصافة الرأي، والوقوف مع الحق في القضايا العادلة.

ولهذا توافق رئيسا أقوى دولتين – الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (ترمب – بوتين)، أن تكون الرياض عاصمة القمة التي يأمل أن تجمعهما خلال الفترة المقبلة. وبالفعل استضافت المملكة أول اجتماعات على مستوى وزيرَي خارجية القطبين الكبيرين في العالم خلال فبراير 2025، في مشهد تاريخي لافت ومن قلب «الدرعية».

إن اختيار انعقاد قمة ترمب - بوتين في قلب العاصمة السعودية يمثّل قمة تقدير زعيمَي أقوى دولتين في العالم للسعودية وعاهلها وولي عهدها. وهو تقدير ناجم عن معرفة الزعيمين الأمريكي والروسي ببراعة الأمير محمد بن سلمان، وإدراكه لمصالح بلاده والإقليم والعالم، وتأكيد حياده تجاه الطرفين، والأطراف المعنية، وقد استطاع ولي العهد أن يدير بحنكة بالغة علاقات المملكة مع روسيا، ما أدّى إلى بسط الاستقرار في سوق النفط العالمية، وعلاقات المملكة مع واشنطن، الحليف الإستراتيجي على مدى قرن.

وبانعقاد القمة المرتقبة في الرياض تدخل السعودية ضمن الدول التي استضافت القمم النادرة بين زعيمَي أقوى دولتين في العالم. ولن تقل قمة الرياض أهميةً عن «قمة الثلاثة الكبار»، في يالطا، التي جمعت الرئيس فرانكلين روزفلت، وجوزيف ستالين، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في فبراير 1945. وقد مهّدت قمة يالطا السبيل لالتئام قمة بوتسدام في أغسطس 1945، التي وضعت أسس تقسيم ألمانيا، وحدود بولندا، وقيام الكتلة الشرقية، التي تدور في فلك الاتحاد السوفيتي السابق. وبالطبع فقد أعقبتها قمم على مدى سنوات الحرب الباردة، التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي، وتوحيد شطرَي ألمانيا مطلع تسعينات القرن الماضي.

وتأتي قمة ترمب - بوتين في ذروة «الحرب الباردة الجديدة»، وسط توتر متفاقم بين الشرق والغرب، وحروب مأساوية في الشرق الأوسط. وستكون قمة تاريخية لأنها ستسدل الستار على حرب أوكرانيا. وقد تعيد العالم إلى التقيّد بمعاهدات الحد من التسلح، ووضع أطر لتعامل جديد بين القوتين العظميين في شأن الفضاء، والعلوم، والاقتصاد، والحروب السيبرانية.

وتدل جميع المؤشرات على حقيقة لا تتغير في كل الحالات: لقد اختط ولي العهد أرفع قدر من المصداقية لدبلوماسيته الإقليمية والدولية. وهو ما نلمسه ونراه من تصريحات قطبَي السياسة الدولية ترمب، وبوتين؛ خصوصاً بعدما نجح ولي العهد في تهيئة أجواء ملائمة لتسهيل محادثات البلدين، في شأن حل الأزمة الروسية -الأوكرانية. وهو إنجاز شهد به العالم، الذي يتابع باهتمام كبير عودة العلاقات لمصلحة السلام العالمي، والنماء، والرفاهية والتجارة في أرجاء المعمورة، في أوقات اقتصادية وأمنية عصيبة، ولولا الحكمة والحنكة، والحصافة، والشعور بالمسؤولية لكان من الممكن أن يشتعل فتيل حرب عالمية بين قوى نووية.

الأكيد أن الوصول إلى هذه الدبلوماسية الهادفة أمر عكف عليه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان منذ العام 2015، مروراً بالزيارات التي قام بها لليابان، وآسيا، والعالم العربي، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وقبلها روسيا، وما تبعها من زيارات رفيعة للعاصمة السعودية، وليس انتهاءً بجعل الرياض عاصمة لقمم جمعت رؤساء الدول والحكومات في العالم العربي، والإسلامي، وصولاً إلى جزر البحر الكاريبي. إنها السعودية القوية المؤثرة قيادةً وريادةً، يحق الاحتفاء بها، وبقادتها، وقوتها، وطموحاتها، ورؤيتها.
20:42 | 27-02-2025

السعودية.. والدبلوماسية الذكية

ربما بدا لكثيرين أن التغيّرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة كأنما هي وليدةُ فُجَاءةٍ، وبِنْتُ لحظتِها. ولو تأمل المراقب جيداً فسيجد أن السعودية عملت بدأب واجتهاد وعلى مدى سنوات لمواجهة التحديات الكبيرة لكي تحدث تلك التغيرات الكبيرة.

سمِّها ما شئت. لكنها بعبارة منطقية قصيرة، تلك ثمار دبلوماسية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.

وهي دبلوماسية لا مكان فيها لردود الأفعال المتسرعة، أو أصحاب المصالح الضيقة. ولعل أهم ما يمكن وصفها به أنها دبلوماسية فيها متّسع كبير للصبر والصبر. وتنبع أساساً من الحرص على مستقبل وأمن المنطقة، التي تعد السعودية أحد أطرافها القوية الفاعلة والمؤثرة.

ذلك الصبر، مصحوباً بالحنكة، والتّسامي على ما يثيره «الناعقون»، أدّى إلى الحل الذي رأيناه في لبنان، حيث توافق اللبنانيون بغالبية استثنائية على انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، إثر شغور استمر 26 شهراً. صحيح أن التغيير في لبنان تأتّى بفعل عوامل عدة؛ أبرزها اضمحلال قوة حزب الله اللبناني ودوره، وهروب بشار الأسد من دمشق لينهار نظامه، الذي ظل يهيمن على لبنان منذ عهد والده حافظ الأسد في ثمانينات القرن الـ 20. كما أن التناغم السعودي مع العراق أقنع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بأن استمرار فوضى الكتائب والمليشيات المسلحة سيحكم على العراق بالاضطراب والزعزعة واللا استقرار. ولهذا أقدم السوداني على استحداث خطة حصر السلاح بيد الدولة العراقية. ووجد السوداني الظرف ملائماً ليواجه جارته بخطته لنزع سلاح المليشيات، التي تلعب أوراقها لمصلحة قوة أجنبية.

وسارعت دبلوماسية ولي العهد السعودي إلى حماية التغيير في سورية، بعد فرار الأسد. فقد حذّرت المملكة من مغبة الانجرار للماضي، والتمسك بأيديولوجيا كُتِب لها الفناء. وأوفدت المملكة وفودها المتتالية إلى دمشق الحرة، للتشاور، وتقديم الدعم والعون الإغاثي والإنساني للشعب السوري الشقيق. ولهذا اختارت الإدارة السورية الجديدة أن تكون السعودية أول محطة خارجية لوزير خارجيتها. وفي لبنان لم يكن التغيير سهلاً. فقد بذلت الدبلوماسية السعودية جهداً جباراً لإقناع الفرقاء اللبنانيين بتوافق ينهي شغور قصر بعبدا. ودعت الرياض بشدة صوب توافق على اختيار قائد الجيش العماد جوزيف عون رئيساً للبلاد. وقد أوضح الأخير بجلاء، في كلمته بعد أداء اليمين الدستورية أمام أعضاء مجلس النواب، أن لبنان سيعود إلى انتمائه العربي، وإلى استعادة علاقاته مع أشقائه العرب، خصوصاً السعودية التي ظلت طوال التاريخ المعاصر تدعم استقرار لبنان، واقتصاده، وأمنه، مؤكداً على أن الدولة من ستحتكر حمل السلاح. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يعلن الرئيس عون، من قصر بعبدا، أن السعودية ستكون محطته الخارجية الأولى بعد تنصيبه.

صحيح أن الأمير محمد بن سلمان منشغل بتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وهي أجندة تتوزع بين الاقتصاد، والسياسة، والإصلاح الاجتماعي، والاستثمار، وغير ذلك. لكنه ظل مهموماً بالقضايا العربية وحلحلة الأزمات ومواجهة التحديات الكبيرة. وظل يحذّر من مغبة الاضطراب في المنطقة في كل مناسبة. وهي تحذيرات لا تقتصر على إبداء المخاوف وحدها؛ بل أردفها بعمل دبلوماسي لا يعرف التثاؤب. فعندما ترأس ولي العهد القمة العربية - الأمريكية في جدة في عام 2022 أبلغ القادة العرب والرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جو بايدن بأن التعامل مع تحديات المنطقة والعالم يتطلب التعامل بـ «واقعية ومسؤولية». وتطلع الأمير محمد بن سلمان إلى «مرحلة جديدة نبعث فيها الأمل لشبان وشابات المنطقة بمستقبل مشرق». وشدّد ولي العهد على أن «اكتمال منظومة الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة يتطلب إيجاد حلول سياسية واقعية للأزمات الأخرى» (ليبيا، السودان، سورية، العراق).

وأمام القمة العربية التي استضافتها السعودية في جدة في 19 مايو 2023، أطلق ولي العهد السعودي أقوى تحذيراته من الراهن العربي. وقال: «لن نسمح بأن تتحول منطقتنا ميداناً للصراعات». وأضاف: «نؤكد أننا ماضون للسلام، والخير، والتعاون». هكذا هي بصيرة قائد عربي سعودي شاب. وتلك هي مُثُلُه وقيمُه التي تعمل بها دبلوماسية بلاده. وما تحقق من تغيّرات في المنطقة لم يأتِ فجأة؛ بل تطلّب من الدبلوماسية السعودية التمسّك بالحوار والصبر، على رغم الأشواك، والمؤامرات، ومحاولات تشويه المواقف السعودية، وهو كفاح لن يتوقف لمجرد وقوع التغيير في سورية، ولبنان، والعراق؛ بل سيتواصل من أجل القضية المركزية - قضية فلسطين، وإحلال سلام دائم في السودان، والتوصل إلى حلٍّ سلمي في اليمن لكي يعود «السعيد».

الأكيد أنه في ظل سلام واستقرار يسودان المنطقة من الخليج إلى المحيط سيكون الصوت الأعلى لشعوب المنطقة للتنمية، والازدهار، والتعاون البنّاء. وليس للحروب، والخصام، والاستقواء بالقوى التي كانت ساعية إلى الهيمنة، وتعطيل مصالح الشعوب العربية... التي آن لها أن تحلم بمستقبل مشرق... وسيذكر التاريخ للأمير محمد بن سلمان تلك الجهود الرفيعة، والأهداف النبيلة، والدبلوماسية الذكية.
22:14 | 16-01-2025

سورية.. بعيداً عن «البعث» و«العبث»!

بهروب الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وانهيار الجيش، وسقوط دمشق وحمص وحلب وحماة والسويداء وغيرها في أيدي الفصائل السورية المعارضة المسلّحة انطوت حقبة مهمة من تاريخ سورية الحديث، هيمن على نحو ستة عقود منها نظام الأسد الأب حافظ ثم الابن بشار. ولا شك في أن ما ينتظر السوريين ونظامهم الجديد تحديات جمة. يتصدرها بسط الأمن والاستقرار، لتتسنى لملايين النازحين واللاجئين السوريين العودة إلى منازلهم وأهلهم وديارهم، وما قد تتطلبه تلك العودة من بناء وإعمار، وإعادة إعمار. وهي فترة آمل؛ على رغم أهميتها وضرورتها، أن لا تطول، في صراعات ونزاعات وانقسامات داخلية وتدخلات خارجية. شخصياً، قابلت بشار الأسد، وجهاً لوجه على الأقل ثلاث مرات خلال فترة حكمه؛ كانت إحداها جلسة مطولة، وإثر متابعتي اللصيقة للشأن السوري، أدركت أنه لم يكن منذ بدء الثورة السورية في عام 2011 رجل المرحلة، فقد رَكَن منذ بداية عهده إلى تكليف أجانب وبلدان أخرى بالدفاع عن بلاده، التي تملك جيشاً ليس سهلاً سبق أن واجه إسرائيل بنِدِّيَّة، في آخر الحروب العربية مع إسرائيل (1973). ولكن هذا الجيش انسحب أخيراً من جميع معاقله، حتى على المنطقة العازلة على الحدود مع إسرائيل، اليوم انفتح بعد هروب الأسد الكثير من الأبواب والمزيد من التكهنات والتخرصات حول مستقبل سورية الجديدة! ولعل أكبر خشية أن تنتهز قوى إقليمية أخرى حالة «التيه» السياسي والأمني التي تشهدها سورية منذ هروب بشار، وانهيار نظامه، وقبر أيديولوجية «البعث»، وما نشأ عنها من «قومية» سَمِجَة، اقتطعت من سورية المزيد من الأراضي! من المؤكد أن هروب بشار وسقوط نظامه نهاية لمعاناة الشعب السوري من تسلّط «البعث»، وقبضته الأمنية الحديدية التي ملأت السجون بالمعتقلين، والمخفيين قهراً وقسراً، وارتفاع أعداد القتلى في سجون النظام جرّاء التعذيب. ولكي يستفيد الشعب السوري من شعارات ثورته التي اندلعت في عام 2011، على رغم تعقيدات المشهد الراهن، لا بد من أن يتحلى الساسة والقادة وجميع ألوان الطيف السياسي السوري بالتأني، والصبر، وتفويت الفرص على المتربصين والمندسين والطامعين، لينكب الشعب السوري بإرادة صلبة على إعادة إعمار ما دمره «الربيع العربي» من مُقَدَّرات سورية من الثروات الطبيعية والبشرية، لتصبح عودة السوريين الذين شرَّدتهم سياسات بشار ممكنة، لدولة آمنة جديدة تبسط العدالة والمساواة، وتحمي الأقليات العرقية والدينية. لا شك في أن التطورات السورية وانكسار الجيش زاد المشهد العربي قَتَامةً، في وقت تنزف فيه الأمة العربية الكثير من دماء الأبرياء، في فلسطين، ولبنان. وعلى رغم تريث بعض الدول في اتخاذ موقف واضح من «سورية الجديدة»؛ فإن الفرصة أمام السوريين كبيرة جداً في البدء بحلحلة مشكلات سورية - الأرض والشعب. وهو شأن ليس بالعسير، إذ يتطلب وحدة وطنية خالصة، وتفاهماً معمَّقاً بين فئات الشعب السوري لا يستثني أحداً، وبسط دبلوماسية ذكية تستعيد علاقات سورية الخارجية، وتعيد دمشق إلى قلب الحراك العربي والدولي، ويبقى السؤال: إلى أين ستتجه سورية، بعيداً عن التسرع في التحليلات والتخمينات والتخرصات؟ ومتى ستنتهي المظاهر المسلحة، ويتوقف عبث الجماعات المتطرفة؟ الأكيد أن كل الآمال أن لا تنتقل سورية، من «البعث» إلى «العبث». لذلك، على سورية الجديدة النأي عن سياسة الأقطاب، والتحالفات المضرَّة غير المُنتجة؛ إذ إن التعاون العربي والدولي يتطلب مراعاة أي خطوطٍ حُمُر تتعلق بأمن سورية ومحيطها وهويتها وتنوعها. وهي مهمة أعتقد أن سورية الجديدة عليها أن تفطن لها حتى ترسّخ نظامها الجديد، الذي نأمل أن يتعافى سريعاً من الأعباء الثقيلة التي أورثها بشار وقبله والده وجرائم «البعث» على مدى ستة عقود. وهي مهمة لا شك بأن السوريين قادرون على القيام بها، في ظل فسيفساء التنوع الحضاري الذي تزدهي به، بسن قوانين وتشريعات مدنية ترسّخ مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية للجميع بلا استثناء.
22:10 | 12-12-2024

السعودية.. رؤية نموذجية وإنجازات كبيرة

يحل اليوم الوطني الـ94 على المملكة العربية السعودية ولها مع التطوّر لغة مكتسبة ونهج قويم.. في سماء المجد وساحات البطولات لإرساء دعائم هذا الوطن الذي وحّد جنباته الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (يرحمه الله)، ليشهد في هذا العهد الزاهر تقدّماً وازدهاراً في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - حيث أصبحت المملكة ركيزة أساسية بين دول العالم لما حققته من إنجازات كبيرة ومبادرات رفيعة جعلتها تحتل المكانة العالمية في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والرياضية والسياحية وغيرها.

تلعب الرياض الأدوار القيادية الأهم في العالمَيْن العربي والإسلامي بدعمها لقضاياهما، من خلال دورها في المنظومة الدولية ومبادراتها الدبلوماسية الهادفة إلى حل النزاعات بالطرق السلمية، انطلاقاً من سياساتها الرصينة ونهجها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بحكمة واعتدال، والسعي إلى تعزيز الأمن والاستقرار من خلال سياسات تنموية واجتماعية تراعي مصالح شعبها بما يحقق لهم مستوى عالياً من الرفاه والرفاهية.

وسعت المملكة إلى اتباع سياسة حكيمة في مواقفها السياسية لتؤكد للعالم أهمية الحوار كوسيلة لحل النزاعات والخلافات في القضايا الإقليمية والعالمية، معتمدة «التوازن» في علاقاتها مع القوى الدولية الأخرى، مع الحفاظ على سيادتها واستقلالها وقدراتها، بالتزامن مع بناء الشراكات مع مختلف الدول على أساس المصالح المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى.

كما أضحت جودة الحياة واقعاً ملموساً في المملكة بفضل خطط التنمية المستدامة والرؤية الطموحة، التي حرصت على الإنسان أولاً وعزّزت مفهوم المواطنة والتعايش مع الآخر، لتصبح صانعة للسلام ونابذة للتطرّف وإقصاء الآخر، وحاضنة للمؤتمرات الدولية والعالمية التي تُقدّم من خلالها للبشرية نموذجاً حضارياً عصرياً أبهرت به دول العالم.

وحرصاً على استدامة الطفرة الاقتصادية، وترسيخ أهداف رؤية المملكة 2030 وفق الإطار الشامل لتحويل اقتصادها من اعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع يرتكز على الصناعة والابتكار والتكنولوجيا والطاقة النظيفة، والسير قدماً في مشاريعها الضخمة مثل نيوم، القدية، ومشروع البحر الأحمر وغيرها، جاءت الاستثمارات الضخمة في تحسين البنية التحتية، وتوسيع شبكات النقل العام، والتركيز على المدن الذكية والمشاريع التكنولوجية المتقدّمة، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتعزيز البحث والتطوير، بالإضافة إلى تسهيل إجراءات الاستثمار الأجنبي.

وفي ظل هذه النهضة التنموية الكبرى.. أصبحت المملكة وجهة عالمية من خلال افتتاح المناطق السياحية وتطوير المناطق التراثية، وتشجيع ودعم الفعاليات الثقافية والرياضية الكبرى لجذب الزوّار والمستثمرين.

ولأن التعليم من أهم المرتكزات التي يعوّل عليها الوطن، وهو ركن التنمية وعماد النهضة، اهتمت المملكة بهذا القطاع ودعمته لبناء إنسان متعلم قادر على الإسهام في التنمية بكل مجالاتها ‏حتى غدا التعليم في المملكة مثالاً وأنموذجاً عالمياً يحتذى به جودةً ومخرجات، وتربّع أبناء وبنات المملكة على منصات التتويج في غالبية المنافسات العلمية والتعليمية عربياً وعالمياً.

واليوم، في الذكرى الـ94 لتوحيد هذا الكيان العظيم، تمضي السعودية عاماً بعد عام في تقدّم وتنافسية وبناء وتطوّر ونماء.. عام جديد يضاف إلى تاريخ حافل بالإنجازات والخير والسلام..

كل عام والمملكة بخير.. وخيرات.
23:09 | 22-09-2024