قبل عقدين من الزمان أو أكثر، إن سألت محامياً: «ماذا تتوقع لهذه القضية» فجوابه جاهز: «على حسب القاضي»، فلم يكن هذا المحامي متهرباً من الجواب إنما صادق فيه.
قضيتان متشابهتان بحكمين مختلفين؛ لأن كل قاض يجتهد من كتبه، فالموكل يطلع من المكتب أكثر حيرة مما دخل، والمحامي يعرف أن هذه الحيرة ليست ذنب أحد.
أما اليوم، فإن أي موكل يجلس أمامي كمحامٍ ويسألني ذات السؤال فلدي جواب مختلف، وسبب الاختلاف هو موضوع هذه المقالة.
في 8 فبراير 2021 (26 جمادى الآخرة 1442هـ)؛ كنت أقرأ تصريح ولي العهد عن مشروعات الأنظمة القضائية الأربعة، إذ قال بوضوح: إن غياب التشريعات أدى إلى «تباين في الأحكام وعدم وضوح في القواعد»، وأن ذلك كان مؤلماً للأسر (لا سيما للمرأة)، ووضع الأمير القيادي الشاب تشخيصاً لما يعيشه الناس في المحاكم كل يوم.
بعد ذلك التاريخ بفترة وجيزة؛ بدأت تلك الوعود تتحول إلى مواد نظامية؛ نظام الأحوال الشخصية (1443هـ)، ونظام الإثبات (1443هـ)، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية (ونظام المعاملات المدنية (1444هـ)، وهذا وحده فيه مئات المواد التي ما تركت معاملة يعيشها الإنسان في يومه إلا ومرت عليها، وأخيراً «النظام الجزائي للعقوبات التعزيرية» (يصدر قريباً).
إذن؛ ما الفرق بين القديم والحديث بالنسبة للرجل العادي؟ الفرق أنه اليوم يستطيع فتح النظام ويقرأ المادة قبل توقيعه على أي عقد لا بعد أن يخسر، أي أن «كل شيء له حل في مادة نظامية».
وليس معنى ذلك أن الاجتهاد قد مات، بل هو لم يزل داخل الإطار، فالقاضي يطبق نصاً يعرفه طرفا الدعوى مسبقاً، والمحامي يستطيع أن يقول لموكله: لأن المادة كذا تقول كذا.
وهذا ينعكس على شيء أبعد من المحاكم وهو المستثمر الذي يدخل السوق السعودي وهو يعرف ماذا يحكم عقده، والأسرة التي تكتب عقد زواج أصحبت تعرف حقوقها قبل الزواج لا بعد الخلاف، فالوضوح هنا لم يكن شيئاً زائداً بل أصلاً للثقة، وعرف الناس أن ما يتعاقدون عليه لا يبنى إلا إذا عرفوا ماذا ينتظرهم.
والدولة التي تكتب قواعدها على الورق؛ دولة تحترم عقل مواطنها لأنها تقول له: هذا الذي لك وهذا الذي عليك بلا مفاجآت.
وفي اليوم الوطني، أرى أن تلك الأنظمة الأربعة إنجاز يوازي الطرق والمطارات، فالطريق ينقل جسدك، والنظام يحمي حقك، فلم يعد وجود لجملة (على حسب) التي كانت في السابق جواباً للمحامي.
إنها حكاية اليوم، نحكيها لأبنائنا عن وطن كتب حقوق أهله بيده، وقال لهم: «اقرأوا».


