لا تزال كتب العلوم تطالعنا بتقسيماتها الكائنات إلى كائنات حية وجمادات، وترى أن الجمادات هي تلك الأشياء التي تنعدم فيها الحياة، ولا تتوافر فيها خصائص الكائن الحي، لكن عند النظرة التأملية وما أتانا من الوحي المقدس كتابًا وسنة، ثم الواقع والمشاهد، والتطور العلمي، سيتأكد لنا عدم صحة هذه المغالطات القديمة، فقد أثبت القرآن الحركة للجمادات «وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء»؛ فالجبال الجمادات ليست مخلوقات منعدمة الحركة، بل تتحرك حركة أشبه بحركة السحاب، وهو ما عرف بعوامل التعرية، والتي من خلالها تتغير من حين لآخر معالم الكرةالأرضية.

فالجزيرة العربية كانت يومًا مروجًا وبساتين وأنهارًا، ولكن نتيجة حركة الجبال والصحارى تغيّر مناخها وتغيّر شكلها، وهذه الحركة مستمرة لتعود هذه الأرض حدائق وأنهارًا وبساتين، كما وعد بذلك الصادق المصدوق «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهاراً»، ولولا هذه الحركة الموجودة في كل عناصر الكون لما حدث التغير على كوكب الأرض، بل جاء ليؤكد حركة الكون ودوران القمر والشمس والكواكب والنجوم.

كما أن هذه الجمادات لها لغة وحديث فهي مخلوقات متكلمة وليست صامتة، فقد سبّح الحصى في يد نبينا (صلى الله عليه وسلم)، وكانت الجبال تردد مع نبي الله دواد وترجّع معه تسبيحاته «يا جبال أوّبي معه والطير»، بل يؤكد القرآن تسبيح هذه الكائنات، بلغة ناطقة تشكر خالقها، وتحمد ربها «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم»، وثبت بسند ضعيف عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: «كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله».

بل أبعد من هذا أن هذه المخلوقات لها شعور وإحساس، وتحب وتكره، وتسالم وتعادي، فقد أكد النبي (صلى الله عليه وسلم): «أن أُحُدًا جبل يحبنا ونحبه»، وكان النبي يخطب كل جمعة على جذع شجرة فلما صنع له منبره انتقل إليه، حنّ له الجذع واشتاق فاحتضنه النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى سكن؛ وعلّق على ذلك الإمام البيهقي، حيث قال: «قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف»، وتدل على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان«، كما أنها تخشع وتتأثر لو أنزل عليها آيات الذكرالحكيم «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله»، بل إنها قد تكون أكثر إحساسًا وشعورًا بقدرة خالقها من قلوب قست فانطمست فلم تع ولم تبصر «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ».

فحريٌّ بنا إعادة النظر إلى صفات الجمادات، التي جعل الله لها حياة وملكوتًا، «صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون».