«الألم الذي لا يتحول إلى سردية يتحول إلى هوية»؛ عبارة بليغة للطبيب والكاتب النفسي د. عماد رشاد، تُصدّقها حكايا الراحلين في دهاليز الشجن، أولئك الذين سكبوا غصصهم حروفاً على سطور الورق، فكانت كلماتهم تتساقط كأوراق خريف عتيقة ليخفّ الثقل عن كاهل المحزون، ويتطهر قلبه من سطوة التعاسة وهيمنتها. ومن ملاذات الحرف أجدني أبحر نحو شطآن أخرى تداوي الأحزان القابعة في غياهب الروح لأسكب حلولاً متتالية رقّمها في حياتك كيفما تشاء.

إن أوجاع النفس لا تطببها الكتابة فحسب، بل ثمة نوافذ للسكينة تبدأ بصدقة تقع في يد محتاج فتزيح عن الصدر؛ ضيقاً وعطاء موصولاً للأقربين وإن كانوا في غنى، ففي صلة الرحم بر للقلوب المتعبة، ناهيك عما يفعله الدعاء الذي يكاد يكون الحل الأمثل والبلسم الشافي لكل كسر، تليه ركعات الضحى التي تشرق بصلاة الأوابين في عتمة الروح، وملازمة الذكر وتلاوة القرآن؛ لما فيهما من أمان مطلق وسكينة تلوذ بها أرواح الخائفين. ثم تأتي مخالطة الصادقين الأوفياء لتكون الغذاء الحقيقي للروح، إذ يغدو البوح لهم بمثابة طوق نجاة ينتشل الإنسان من قاع أي انكسار.

ولم أسطر هذه الكلمات من فراغ أو برج عاجٍ، بل تجرعت غصتها يوماً حين تعرضت لفقد والدتي الحبيبة وهي تغادر الدنيا بين يديّ وأنا بمفردي معها. ذلك الموقف المهيب تغلغل في تفاصيلي فانعكس على جسدي في هيئة أوجاع متنقلة، وآلام حائرة ليس لها سبب، ودون ذلك من مواقف محزنة وموت أحبة آخرين غابوا عن دنيانا بعد أن كانوا هم الحياة بأسرها؛ ولأجل ذلك كله لم أعد أتنفس بالكتابة وحدها بل أتنفس بكل تلك الملاذات الروحية والعطايا التي دونتها سلفاً.

في الختام..

يقيني أن الحزن لا يملك السيطرة على قلبٍ ينظر للحياة على أنها مجرد محطة عابرة، والألم لن يتمكن أبداً ممن ارتمى بصدق على عتبات الرحمن، وعلم بيقين أن باب الله لا يُغلق، وأن فضله عظيم ورحمته وسعت كل شيء.

لذلك كونوا سعداء ولا تجعلوا للشيطان ثغرات يتسلل منها ليتمكن منكم، فالحزن من الشيطان واحمدوا الله على وافر النعم وانهضوا تنهض معكم الحياة.