تستدعي الأحداث الأخيرة في اليمن التفكير في أسباب المشكلة اليمنية، ولماذا وكيف تؤثر في أمن المنطقة والعالم، وبوجهٍ خاص أمن الممرات المائية الدولية. وممّا لا شك فيه أن منشأ هذه المعاناة اليمنية هو الانقلاب الحوثي، الذي أفضى إلى جملةٍ من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، وخلق فراغًا هائلًا شكّل تهديدًا لأمن اليمنيين أولًا، ومن ثم لأمن الجيران والإقليم. كما أسهم هذا الانقلاب بكل ما نتج عنه، في تفاقم الفقر والإحباط وإنتاج مأساة إنسانية عميقة أصبحت، دون شك، مصدرًا للتطرّف، وحوّل جزءًا من اليمن، بكل ما يحمله من تاريخٍ وإنسانٍ وأرضٍ طيبة، إلى منصةٍ للأعمال العدوانية التي انعكست سلبًا على الأمنَين الإقليمي والدولي.


إن تتبّع التاريخ القريب والبعيد لليمن يؤكد حقيقة مفادها أن الاضطرابات التي يشهدها لا تبقى محصورة في حدوده، بل ان أثرها يمتد في كامل الإقليم. وقد أثبتت الوقائع أن بؤر الصراع في اليمن لا يمكن عزلها، وتمتد آثار هذه الصراعات لتشكّل عنصرًا من عناصر عدم الاستقرار في المنطقة وقد أفرزت هذه الاضطرابات جماعة الحوثي، بوصفها أحد أبرز وأخطر تجليات ضعف الدولة في اليمن، لتغدو تحديًا أمنيًا على المستوى الدولي، بعد أن أثرت على خطوط التجارة العالمية، وشكّلت، وما تزال، تهديدًا مستمرا للأمن الدولي، سواء في جانبه التجاري أو في مجال أمن الطاقة.


ومن خلال هذا الإدراك لسبب المشكلة في اليمن وأثرها على استقرار المنطقة، يأتي تمسك القيادة اليمنية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، وكذلك الأشقاء وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، بحقيقة أن الطريق الوحيد لاستقرار اليمن وحصول كافة أبنائه على حقوقهم السياسية والاقتصادية، هو دعم الدولة وإعادة الاعتبار لها وتوحيد مؤسساتها السيادية والعسكرية، وأن هذا الاستقرار في اليمن يُعد أحد أهم أسباب الاستقرار في المنطقة، فالدولة اليمنية المتماسكة هي الطريق السليم والوحيد للوصول إلى كافة الأهداف المشروعة لليمنيين، وكذلك لكل من يرتبط معهم بعلاقات استراتيجية.


إن استرداد الدولة اليمنية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مسار واضح يقوم على دعم مؤسساتها الشرعية، وتعزيز قرارها السيادي، وترسيخ مركزها القانوني، وتمكينها من الثبات على الأرض، ومنع أي كيانات موازية من منافستها والأهم، مساعدتها في احتكار القوة المسلحة، وعدم السماح بأي تشكيلات عسكرية لا تتبع للدولة ولا تأتمر بأمرها.


نشهد في هذه الأيام تحركًا جادًا وفعّالًا نحو توحيد مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية، مدعومة بقوة من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وقد تضمنت كلمة الرئيس الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة، التي القاها في تاريخ 10 يناير 2026م، مؤشرات واضحة على استعادة قوة الدولة وهيبتها ووحدة قرارها، ومثلت موجهات رئيس مجلس القيادة رؤية واضحة نحو ما يصبو إليه اليمنيون من إنصاف وانتصار لقضاياهم العادلة وعلى رأسها القضية الجنوبية التي شدّد على عدالتها ومركزيتها، كما حظيت بدعم كبير من الأشقاء في المملكة العربية السعودية وذلك عبر إعلان الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع عن دعم المملكة ورعايتها للقضية الجنوبية.


إن استقرار وقوة الدولة في اليمن أحد أهم شروط الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة، وهو ما يحتّم تمسك الجميع بدعم الدولة في اليمن، وهذا ما يعرفه جيدًا الأشقاء في المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر. ولهذا وجدناهم مع الدولة اليمنية منذ البداية، ومع خيار دعمها. وبإدراك ثابت بأن مؤسسات الدولة هي الضامن الوحيد للعلاقات بين الدول. وثباتهم على هذا المبدأ هو دليل آخر على خصوصية العلاقة اليمنية-السعودية، والفهم العميق المتبادل بين البلدين، والإيمان المشترك بوحدة المصير، وحتمية التعاضد، وضرورة الحرص على المصالح المشتركة.