•• قبل أيام، دار حديث رشيق مع صديق قديم كان على وظيفة رفيعة.. في شكواه المبثوثة يقول: «الأيام الفيروزية تبخرت الآن في ظلمة النكران».. عندما كان حبيباً للكل؛ لم تمر مناسبة إلا ويدعى إليها، أما الآن فحالة صمت مخيفة تعشعش على هاتفه.. وبهدوئه المعتاد أسر إليَّ ضاحكاً ممازحاً: «بطارية هاتفي (أكهربها) كل أربعة أيام، بعكس السابق حين كنت أملأها عدة مرات يومياً».

•• حين تتسلل إلينا صحبة غبية تستذكي علينا فتطاردنا إن كانت لها منفعة؛ تتصدّع جماجمنا منها لما نحال للتقاعد.. هؤلاء كائنات تكره الوفاء، فلا نجعلهم يستصغرون مقامنا ويقتلون حياتنا.. وخطؤنا أننا لم نعرف كيف نصطاد الأصدقاء الأوفياء، مثل من يدري أنه أمام البحر ولا يعرف أين سمكته.. نكون حيارى طائشين في الانتقاء لا نعرف كيفية اختيار الصحبة، فنضطر لمشاكسة مجرى الريح.

•• وعندما يكون بين أيدي أصدقاء يعرفون قيمتنا ومكانتنا؛ تتروض أنفسنا وتمتلئ أرواحنا بالبهجات المتلاحقة والمسرات المتزايدة.. فما يدعو للتفاخر ويجب نشره على الملأ؛ أن يكون لنا صديق يجالسنا رصيف الأمنيات فنتقاسم معه أجندة أيامنا.. صديق نعانقه يومياً فيستعمر قلوبنا ويستوطن أرواحنا.. أما ما يدعو للخزي وكتمه عن الناس؛ هو إفساد أذواقنا وذائقتنا من صداقة أناس هايفين بامتياز ضالعين في التفاهة.

•• وفاء الأصدقاء منحة حياتيه، تعيِّشنا حياة هادئة تليق بنا وبهم.. فمن حظي بأناس ذوي مصداقية حية ممتعة؛ فسيقضي حياته قبل التقاعد وبعده مستمتعاً بجمال الدنيا وضيائها.. ومن عاش مستهلاً حياته بين أصدقاء محبين؛ فسيعيش تمامها في دنيا مريحة سعيدة.. ومن جاءه شتاء خادع يحوَّل أزهار صداقته إلى ذبول؛ فسوف تنقلب حياة الشخص المختول المغشوش إلى سلسلة يومية من الخراب النفسي.