من أكثر المفارقات إيلامًا في المنطقة أن تكون الدولة التي تحاول بناء الاستقرار حولها وفي داخلها، هي نفسها التي تضطر مرارًا إلى الدفاع عن حدودها وأمنها ممن يحيطها.


السعودية بحكم موقعها وثقلها لم تتعامل تاريخيًا مع جوارها باعتباره مساحة للهيمنة بقدر ما تعاملت معه باعتباره مجالًا للأمن المشترك، وفي مواقفها الرسمية المتكررة ظلت تؤكد على احترام السيادة وحسن الجوار والحوار ودعم استقرار الدول العربية والخليجية، ظهر ذلك بوضوح في السنوات الأخيرة من خلال دعمها لأمن من حولها، ودعوتها إلى الحل السياسي في اليمن، ومساندتها للدول الخليجية في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها.


المشكلة أن الجغرافيا وحدها لا تصنع حسن الجوار، وأن بعض الدول لا تنظر إلى الأخرى باعتبارها شريكًا، بينما تنظر إليها باعتبارها منافسًا أو عائقًا أمام مشروع أوسع، وهنا تصبح السعودية أمام معادلة شديدة التعقيد، فكلما حاولت أن تجعل محيطها مستقرًا، انعكس اضطراب ذلك المحيط عليها، بالرغم من أن استقرار المحيط والخليج الآمن وإن كانت بالضرورة مصلحة سعودية، فإنها كذلك مصلحة متبادلة النتائج للدول الأخرى، وبذلك فإن دعم المملكة لهذه الدول لا يمكن اختزاله دائمًا في مساعدة الآخرين، بل هو أيضًا دفاع عن فكرة الأمن الإقليمي المشترك، لكن بعض ممن حولها لا يعرفون تلك المصلحة ولا يفهمون ماذا تعني المشاركة ولا المسؤولية، الحوثيون في اليمن مثلاً: فضلوا الانتحار على ألا يكونوا شركاء في السلم والأمن الإقليمي !


حين تدخل الأيديولوجيا أو الطموحات الإقليمية أو النفوذ الخارجي أو الجماعات المسلحة، يصبح الجار نفسه ساحة للصراع، وعندها لا يعود الخطر في الدولة المجاورة وحدها، وإنما في القوى التي تستخدم أراضيها أو أزماتها لتوجيه الضغط إلى دول أخرى، ولعل المفارقة الأوضح أن السعودية حتى في لحظات التصعيد ما زالت تكرر الدعوة إلى التهدئة والحوار واحترام السيادة، وهي تدعو في كل مرة إلى العودة إلى التفاوض والحلول السلمية، ولا ندري كم مرة يتطلب الأمر من السعودية أن تثبت أنها لا تريد من جيرانها إلا أن يكونوا جيراناً! وفي نفس الوقت؛ لماذا ما زال بعض الجوار يتعامل مع حسن الجوار باعتباره فرصة سياسية، لا مسؤولية متبادلة؟! وإن قلنا إن السعودية تستطيع أن تمد يدها لجارها وتدعمه وتفتح له أبواب التعاون، لكنها في النهاية لا تستطيع أن تكون مسؤولة عن خياراته، فالجيرة عبارة عن قدر جغرافي، أما حسن الجوار فهو قرار سياسي وأخلاقي.


السعودية ليست ملامة ولها الحق في التعامل بما يقتضيه أي موقف يهدد حدودها وأمنها، فحين تكون يدك ممدودة لجارك، بينما يمد هو يده إلى خصمك، فإن المشكلة لم تعد في المسافة بين البيتين بل في معنى الجوار نفسه، فيما لو كان النضج نعمة حرم ذلك الجار نفسه منها، فلا تجد أمامك من منطلق مسؤوليتك وسعة وعيك إلا أن تربيه حتى يفهم حدوده ويعرف ماذا يتطلبه واقع المسؤولية في كيفية التصرف معك.