في القانون الدولي، الحالة الوحيدة المبررة والمشروعة لذهاب الدولة إلى الحرب هي حالة الدفاع عن النفس، وإلا فأي حرب خارج شرعية الدفاع عن النفس هي حرب عدوانية، يتضافر مجتمع الدول لرد عدوانها. في العصر الحديث، ليس من الصعب التفريق بين الدولة المعتدية والدولة المعتدى عليها، حتى لو زعمت الدولة المعتدية أنها لجأت للحرب دفاعاً عن نفسها. حتى في الحروب العظمى، لا تقوى أي دولة على اللجوء لخيار الحرب، إلا بعد الزعم بأنها تعرّضت لاعتداء من قبل الدولة المستهدفة بالحرب. ألمانيا، قبيل بدء عملية اجتياح بولندا، بساعات، بل بدقائق، زعمت أن إحدى نقاط الحدود بينها وبين بولندا تعرّضت لاعتداء، ما كان لألمانيا إلا أن تشن هجوماً كاسحاً على بولندا، لتحتلها خلال أسبوعين فقط!

القاعدة الثانية، التي تتحكّم في قرار اللجوء للحرب، الالتزام بقواعد مرعية لإدارة الحروب، تعتمد بصورة أساسية على منطق عقلانية الدولة، لا سفه أي طرف آخر، مثل حركات العنف المسلح غير النظامية، التي لا ترقى إلى مستوى الدول. تلتزم أطراف النزاع بقواعد قوانين وأخلاقيات إدارة الحرب، حتى تظل الحرب تحت السيطرة، لا أن تتحوّل لموجة عنف هوجاء، بلا ضابط ولا رابط. كما أن الحرب هي بطبيعتها حركة عنف مكلفة باهظة الثمن، غير معروف العائد منها؛ لذا يخضع قرارها لحسابات دقيقة قبل مرحلة اعتماد خيارها. كما أن الحرب بطبيعتها هي في الأصل حركة ردع متبادل بين طرفين دوليين لجآ للحرب، بإغراء فرصة عائدها، بأقل ضرر ممكن. أحياناً تتغلب عقلانية الدولة، بالاكتفاء بآلية الردع على التهور بشن الحرب. هنا يقع الخلاف الاستراتيجي بين سلوك الدول وتهور حركات العنف غير النظامية في إدارة الحرب.

الردع الاستراتيجي قد يكون بديلاً للحرب، بل من أنجع الأدوات لتفادي نشوبها. هذا بشرط أن طرفي معادلة الردع يكونان دولتين. أما في حالة الصراع بين دولة وحركات عنف غير منظمة، مهما كانت مسمياتها، فإن معادلة الردع لن تعمل. حركات العنف غير المنظمة هذه، عندما تتورّط في الحروب مقابل الدول، بطبيعتها لا تلتزم بقوانين وأعراف الحرب، كما لا يهمها ما قد تحدثه الحروب من أضرار للبشر والممتلكات، حتى إنه يتساوى لديها النصر والهزيمة؛ فكل ما تتوقعه من الحرب إحداث أكبر ضرر على الخصم، بغض النظر عن الخسائر التي تتكبّدها.

الحرب بين الدول وحركات العنف غير النظامية المسلحة، التي يغيب عنها متغيّر الردع، عادةً ما تنتهي في صالح جيوش الدول النظامية. لكن عندما يفشل رادع القوة عند الدول في ثني حركات العنف غير النظامية عن بدء القتال والاستمرار فيه، فإن عائد شن الحرب يكون أكثر غموضاً من ذلك الذي عند الدول. كما أن ردع القوة المنظمة، عندما يفشل في ثني تنظيمات العنف غير النظامية عن اتخاذ قرار الحرب، فإن هذه المنظمات غير النظامية لن تقوى على مواصلة القتال، ما لم تلقَ دعماً رادعاً من قبل دول تحارب نيابةً عنها. في كثير من الأحيان، تكون الحروب التي تشنّها حركات عنف غير نظامية مهمة تنظيمات العنف غير النظامية هذه لصالح طرف دولي يبحث عن مثل حركات العنف غير النظامية، لتحارب حروبه، دونما حاجة لتورّط هذا الطرف الدولي في الحرب. جماعة الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان، وما يسمى الحشد الشعبي في العراق، في حقيقة الأمر، ليسوا أطراف قتال حقيقية؛ هم لا يعدون سوى بيادق يُرمى بهم في أتون حرب ليست حربهم، يدافعون عن دول تخشى خوض غمار الوغى، بعيداً عن مقتضيات الحروب الدولية، في مقدمتها الالتزام بآلية الردع المتبادل القائم على ميزان قوة حساس ودقيق، لا تقوى في حقيقة الأمر على دفع ثمنه، ولا تحمل تكلفته.

الحرب الدائرة في المنطقة هذه الأيام تختفي فيها إمكانات الردع المتبادل، وهذا أخطر ما فيها، لإقحام تنظيمات عنف غير نظامية لتقاتل نيابة عن دول، في هذه الحالة إيران، التي تفتقر لأدوات ردع استراتيجي تمكنها من خوض الحرب، خارج معادلة ردع فعّالة.