مساء الأربعاء الماضي، 16 سبتمبر، لم يكن إعلان النسخة المقبلة من منتدى TOURISE مجرد موعد جديد على أجندة السياحة العالمية؛ فالأرقام التي استعرضها وزير السياحة أحمد الخطيب، والشروحات التي أحاط بها مسار النمو المتسارع، كانت تضع أمام الحضور صورة قطاع يعيد رسم موقعه داخل الاقتصاد السعودي بثقة لافتة، وبين المستهدفات التي تحققت قبل أوانها، والتوسع الكبير في أعداد الزوّار والاستثمارات والوجهات، بدا واضحاً أن السياحة السعودية تجاوزت مرحلة بناء الحضور إلى صناعة الثقل، وأن ما كان قبل أعوام طموحاً مكتوباً في رؤية 2030 أصبح اليوم واقعاً تقيسه الأرقام وتستعد المملكة للبناء عليه نحو مرحلة أكبر.
كشفت مساهمة قطاع السياحة بـ4.7% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي عن تحوّل اقتصادي واضح في المملكة ، وتؤكده حركة 127 مليون سائح، متجاوزةً هدف 100 مليون المحدد في رؤية 2030، فالرقمان يرسمان صورة قطاع توسّعت قدرته على توليد القيمة، وتعاظم حضوره داخل الاقتصاد الوطني، حتى غدت السياحة إحدى العلامات البارزة في مسيرة التحوّل السعودي.
ويعكس تجاوز الهدف قبل موعده قوة المنظومة السياحية وترابط مكوّناتها، فالوصول إلى 127 مليون سائح يمنح نسبة المساهمة في الناتج المحلي دلالة أعمق؛ إذ يرتبط تدفق السياح بحركة واسعة تشمل الضيافة والثقافة والتقنية والاستثمار والاستدامة والتنقل. ومن خلال هذا الترابط، تتحوّل الزيارة السياحية إلى نشاط اقتصادي يمتد أثره عبر قطاعات متعددة، وتصبح الأعداد الكبيرة مقياساً لحيوية المنظومة وقدرتها على النمو.
وتتضح سرعة التحوّل في نمو أعداد السياح الدوليين بنسبة 102% خلال الربع الأول من عام 2025م، مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2019م، وتكتسب هذه النسبة أهميتها عند مقارنتها بمعدل النمو العالمي البالغ 3%، ومعدل نمو منطقة الشرق الأوسط البالغ 44%، وذلك الفارق الواسع يعزز مكانة المملكة في المشهدين العالمي والإقليمي، ويشير إلى قدرتها على جذب حركة سياحية دولية بوتيرة تفوق الاتجاهات السائدة.
ويضيف جانب الإيرادات دليلًا نوعيًا إلى دلالة الأعداد؛ فقد احتلت المملكة المركز الأول عالمياً بوصفها أعلى وجهة سياحية في نسبة نمو إيرادات السيّاح الدوليين خلال الربع الأول من عام 2025م، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019م، وفق تقرير بارومتر السياحة العالمية الصادر في مايو 2025م عن منظمة الأمم المتحدة للسياحة، وهنا تتصل كثافة التدفقات السياحية بعائد اقتصادي متنامٍ، فتكتمل صورة القطاع من حيث الحجم والقيمة.
وفي هذا السياق، يحمل إعلان وزير السياحة رئيس مجلس إدارة منتدى TOURISE الأستاذ أحمد الخطيب، تحت رعاية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، عن انعقاد المنتدى في الرياض من 23 إلى 25 مارس 2027، دلالة مهمة، فالمملكة تستضيف قادة السياحة والتقنية والاستثمار والاستدامة والثقافة والتنقل، مستندةً إلى تجربتها بوصفها نموذجاً للتعامل مع السياحة كمنظومة اقتصادية مترابطة.
إن بلوغ 127 مليون سائح، والمساهمة بنسبة 4.7% من الناتج المحلي، والتفوق في النمو والإيرادات، مؤشرات تضع التجربة السعودية في قلب النقاش العالمي، ومنتدى TOURISE يمنح الرياض مساحة لعرض هذه التجربة والمشاركة في رسم مستقبل السياحة انطلاقاً من إنجازات قابلة للقياس ورؤية اقتصادية واسعة.


