ثمة لحظة لا تعود فيها اللغة الدبلوماسية المخففة قادرة على وصف ما يحدث، ويصبح من الإنصاف أن نسمّي الأشياء بمسمياتها. فعندما تتكرر الهجمات على المدن، ويسقط المدنيون بين قتيل ومصاب، وتصل مسيّرة -بحسب ما أعلنته المملكة- إلى اتجاه مكة المكرمة قبل اعتراضها، لم يعد الحديث عن «رسائل» و«ضغوط» و«تصعيد» كافياً. هذا اعتداء، ومن يستهدف أمن المدنيين ويعرّض المقدسات للخطر معتدٍ، والاعتداء آثم قبل أن يكون خطأً في حسابات السياسة.
والمسألة لم تعد حادثة منفردة يمكن تفسيرها بخطأ عسكري أو ظرف عابر. خلال أيام تتابعت الهجمات، ثم جاءت واقعة الطائف لتختصر بشاعتها في مشهد واحد: مسيّرة حوثية اعتُرضت، فسقط حطامها ليقتل مقيماً يمنياً ويصيب مواطنة سعودية ومقيماً باكستانياً إصابته حرجة، وتتضرر مبانٍ ومركبات مدنية. والمفارقة المؤلمة أن نار الحوثي لم تسأل ضحاياها عن جنسيتهم؛ قتلت يمنياً وجد في المملكة أمناً وعملاً، وأصابت سعودية وباكستانياً في مدينة مدنية. أحياناً تختصر واقعة واحدة عبث مشروع كامل أكثر مما تفعل عشرات الخطب.
أما مكة، فالأمر يتجاوز السياسة وحدها. أعلنت المملكة اعتراض وتدمير مسيّرة حوثية أُطلقت باتجاه العاصمة المقدسة قبل دخولها مجالها الجوي المحظور، بينما نفى الحوثيون استهداف مكة. لكن مجرد وصول تهديد عسكري إلى اتجاه البلد الحرام مسألة لا يمكن التعامل معها كرقم إضافي في سجل التصعيد. فمكة ليست مدينة سعودية فحسب؛ إنها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وحماية الحرمين بالنسبة للمملكة ليست فقط واجب سيادة، بل أمانة تاريخية ودينية تحملها أمام العالم الإسلامي.
وحتى الحرب، بكل قسوتها، ليست مساحة بلا قانون ولا أخلاق. هناك تمييز بين المقاتل والمدني، وبين الهدف العسكري والبيت والطريق والمنشأة المدنية، وهناك التزام باتخاذ الاحتياطات لحماية السكان. هذه ليست رفاهية قانونية اخترعها المحامون بعد الحروب، بل الحد الأدنى الذي يمنع الحرب من التحول إلى فوضى مطلقة. ولهذا فإن استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر لا يصبح مقبولاً لأن صاحبه يضعه داخل خطاب سياسي أو عسكري.
بل إن في تراث العرب قبل مواثيق العصر شيئاً اسمه المروءة؛ وفي الشريعة حرمة للدم، وللمستأمن، وللبلد الحرام، وفي القانون الدولي قواعد لحماية المدنيين. فإذا اجتمعت هذه المعاني كلها، يصبح السؤال مشروعاً: أي خصومة هذه التي تحتاج إلى أن يدفع ثمنها طفل أو امرأة أو عامل مدني، وأي رسالة عسكرية تلك التي تمر من فوق أمن مكة أو الطائف؟
ومع ذلك، فإن الخطأ المقابل هو أن نقرأ صبر المملكة باعتباره عجزاً عن الرد. السعودية لم تكن في تاريخها الحديث دولة تبحث عن الحرب لذاتها، ولم تجعل القوة وسيلتها الأولى كلما اختلفت مع أحد. أعطت للدبلوماسية مساحتها، وللحكمة وقتها، وللسلام فرصه؛ لأن الدولة الواثقة لا تحتاج إلى أن تثبت قوتها في كل صباح.
لكن ثمة فارقاً هائلاً بين الصبر على الخصومة والصبر على الاعتداء.
ولعل هذا هو الفارق الذي أخطأ الحوثي في قراءته. فالصبر السعودي ليس فراغاً في القدرة، وضبط النفس ليس تنازلاً عن السيادة، وتجنب توسيع الحرب ليس إذناً مفتوحاً لاستهداف المدن والمواطنين والمقيمين والمقدسات. والدولة لا تُقاس قوتها بسرعة غضبها، بل بقدرتها على اختيار الأداة والتوقيت والقدر الذي يحمي مصالحها.
ومن الناحية القانونية، لا تحتاج المملكة إلى اعتذار عن حماية نفسها. فالنظام الدولي الذي يحظر استخدام القوة يعترف في الوقت ذاته بحق الدول في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح. وهذا الحق لا يسقط لأن الدولة صبرت، ولا يضيق لأنها حاولت خفض التصعيد، ولا يتحول المعتدي إلى صاحب حق لأن الطرف الآخر اختار الحكمة زمناً أطول.
ولا يحتاج الكاتب هنا إلى التنبؤ بما ستفعله المملكة عسكرياً، ولا أن يحدد للدولة متى وكيف ترد. ذلك قرار سيادي تملكه القيادة ومؤسسات الدولة، وهي الأعرف بمصالح المملكة وبالوسيلة والتوقيت. لكن المؤكد أن المملكة تملك القدرة والحق في حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها ومقدساتها ومقدراتها، وأن من يبني حساباته على أن الصبر السعودي بلا نهاية يرتكب خطأً استراتيجياً قبل أن يكون خطأً أخلاقياً.
ولعل أكثر ما يكشف قصر النظر في هذا التصعيد أن المملكة، طوال سنوات الأزمة اليمنية، لم تتوقف عن دعم الحلول السياسية والعمل الإنساني ومسارات الاستقرار، بينما تدفع الحرب اليوم عشرات الآلاف من اليمنيين مجدداً إلى النزوح من بيوتهم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص خلال التصعيد الأخير. فالمعتدي لا يهدد جاره وحده؛ قد يكون أول من يدفع ثمن مغامرته هو شعبه.
ولهذا لم تعد الإدانة وحدها كافية لفهم المشهد. تكرار الهجمات على المدن والمنشآت، وتهديد طرق الملاحة والطاقة، وسقوط المدنيين، ثم إعلان المملكة اعتراض مسيّرة متجهة نحو مكة، كلها تقول إن مساحة الخطأ في الحساب تضيق. كما أن آثار التصعيد تجاوزت الحدود بالفعل إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
ومع ذلك، تبقى المعادلة السعودية واضحة: لا تبحث عن الحرب، ولا تتنازل عن السلام، لكنها كذلك لا تجعل سلامة شعبها وسيادة أرضها وحرمة مقدساتها ثمناً لاستمرار التهدئة.
ولذلك، فلنسمِّ الأمور بمسمياتها: المدني ليس هدفاً، ومكة ليست ساحة حرب، وضبط النفس ليس ضعفاً، والسيادة ليست مجالاً للاختبار. والحوثي حين يكرر الاعتداء ويعرّض المدنيين والمقدسات للخطر ليس طرفاً أساء التعبير عن موقفه؛ إنه معتدٍ، والاعتداء أثيم.
ومن يسيء فهم صبر السعودية، لا يكون قد بالغ في تقدير نفسه فحسب؛ بل يكون قد أخطأ في قراءة دولة عرفت منذ تأسيسها قيمة الحكمة، كما عرفت تماماً متى يصبح الحزم واجباً.


