أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1792414333&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محام ومحكم دولي وكاتب رأي سعودي، يجمع بين العمل القانوني والكتابة الصحافية، ويكتب مقالات رأي متخصصة في عكاظ.

العدالة الناجزة... من كسب الدعوى إلى استيفاء الحق

قد يقضي الإنسان سنوات في أروقة المحاكم، وينفق من ماله ووقته ما ينفق، حتى يحصل أخيراً على حكم قضائي ينصفه. لكن ماذا لو اكتشف أن خصمه نقل أمواله إلى قريب، أو أخفاها خلف معاملات ظاهرها مشروع، ثم وقف أمام قضاء التنفيذ مدعياً العجز عن السداد؟ هنا تبدأ معاناة أخرى، قد تكون أشد وطأة من الخصومة الأولى؛ لأن صاحب الحق لم يعد يبحث عمن يثبت له حقه، بل عمّن يعيده إليه. فالعدالة لا تكتمل حين ينطق القاضي بالحكم، وإنما حين يصل الحق إلى صاحبه.

ولعل هذه المسافة بين صدور الحكم واستيفاء الحق هي ما يمنح قرب نفاذ نظام التنفيذ السعودي الجديد أهميته. ففي الثامن والعشرين من أكتوبر الجاري، ينتقل النظام من مرحلة الإقرار إلى حيّز النفاذ، لتبدأ معه مرحلة جديدة في تطوير أدوات التنفيذ وتعزيز فاعلية استيفاء الحقوق. ويأتي ذلك امتداداً لجهود وزارة العدل في تطوير المنظومة العدلية، وتوفير الممكّنات التي تجعل الأحكام والسندات التنفيذية أكثر قدرة على تحقيق غايتها، ضمن ضمانات تحفظ حقوق الدائن والمدين معاً. فالحكم الذي يصدر باسم العدالة ينبغي أن يجد طريقه إلى التنفيذ، لا أن يبقى حقاً ثابتاً على الورق، معلقاً على قدرة صاحبه على ملاحقة أموال المدين.

ومن أبرز ما يستحق التوقف عنده في النظام الجديد توسيع أدوات تتبع الأموال. فحين تتوافر قرائن على أن المدين أخفى أمواله أو نقلها بقصد تعطيل التنفيذ، أصبح بالإمكان طلب تتبعها وفق إجراءات قضائية محددة، والتحقق من التصرفات التي أجراها، بما في ذلك الأموال التي يُشتبه في انتقالها إلى أقارب أو وكلاء أو أشخاص تربطهم به معاملات مالية. وهذه ليست مسألة إجرائية بسيطة؛ بل معالجة لواحدة من أكثر صور المماطلة إضراراً بالحقوق، حين يتحول نقل المال من تصرف مشروع إلى وسيلة للتهرب من الوفاء.

ولنأخذ مثالاً قريباً من الواقع: دائن يحمل حكماً بمبلغ كبير، ومدين يدّعي عدم امتلاكه ما يكفي للسداد، بينما تظهر قرائن على نقل أصوله إلى شخص قريب منه أو إجراء معاملات مالية غير معتادة. هنا لا ينبغي أن يتوقف التنفيذ عند الأسماء الظاهرة في السجلات، بل يمتد البحث، وفق الضوابط النظامية، إلى حقيقة التصرفات والغاية منها. ومن يظن أن نقل أمواله إلى قريب أو صديق يكفي لإبعادها عن متناول التنفيذ، عليه أن يدرك أن تغيير اسم المالك لا يغيّر بالضرورة حقيقة التصرف.

ولا تقف أدوات النظام عند تتبع الأموال؛ إذ يعالج أيضاً التصرفات التي قد تستهدف الإضرار بالدائنين، ويتيح في حالات محددة طلب إبطالها قضائياً. لكن ذلك لا يعني أن كل تحويل مالي بين الأقارب موضع اتهام، ولا أن مجرد تعثر المدين يجعله محتالاً. فهناك فرق جوهري بين من عجز عن الوفاء رغم حسن نيته، ومن امتلك القدرة ثم تعمّد إخفاءها. وهذه التفرقة هي التي تمنح أدوات التنفيذ مشروعيتها وتحول دون استخدامها للإضرار بالمدين.

وفي الوقت نفسه، لم يغفل النظام حماية المدين ومقوّمات معيشته، فوضع ضوابط للحجز واستثناءات لبعض الأموال اللازمة للحياة والعمل. فالمقصود من التنفيذ ليس تجريد الإنسان من كل ما يملك، وإنما تمكين الدائن من حقه ضمن حدود النظام. فالعدالة التي تنصف الدائن لا ينبغي أن تظلم المدين، كما أن حماية المدين لا يجوز أن تصبح غطاءً للمماطلة.

ولا تقف آثار هذا التطوير عند أبواب المحاكم؛ بل تمتد إلى الأسواق وبيئة الأعمال. فالمقاول الذي ينفذ مشروعاً، والمورد الذي يبيع بالأجل، والمستثمر الذي يدخل شراكة جديدة، جميعهم يحسبون مخاطر عدم الوفاء قبل توقيع العقود. وكلما كانت إجراءات التنفيذ أكثر وضوحاً وفاعلية، تعزّزت الثقة في التعاملات، وأصبح تقدير المخاطر أكثر دقة. فالمستثمر المحلي أو الأجنبي لا يسأل فقط عن سهولة تأسيس شركته، بل عن قدرته على استرداد حقه إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته.

ومن هذه الزاوية تكتسب جهود وزارة العدل في رقمنة الخدمات وتيسير الإجراءات وتعزيز الربط الإلكتروني وتطوير أدوات التنفيذ والاستفادة من مقدّمي الخدمات المرخصين قيمة اقتصادية إضافية. فهذه التحوّلات، حين تتكامل، تسهم في تقليص الوقت والتكلفة اللذين يتحملهما صاحب الحق، وتدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء بيئة أعمال أكثر موثوقية وجاذبية للاستثمار.

ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لأي نظام لا يكون في قوة نصوصه وحدها، بل في أثر تطبيقه. وسيكون من المهم أن نرى كيف تنعكس هذه الأدوات على سرعة استيفاء الحقوق، ومدى فاعلية تتبع الأموال، وقدرة الإجراءات على التمييز بين المدين المتعثر ومن يتعمّد تعطيل التنفيذ. فنجاح التطوير يقاس بما يلمسه المتقاضي في الواقع، لا بما يقرأه في صفحات النظام.

ولعلنا إذا أردنا اختصار الغاية من مجمل هذا التطوير، فإنها تكمن في حقيقة بسيطة كثيراً ما تغيب وسط تفاصيل التقاضي وإجراءاته: أن الحكم القضائي، مهما بلغت قوة أسبابه وسلامة منطوقه، لا يحقق غايته كاملة إذا ظل صاحبه عاجزاً عن استيفاء حقه. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لنظام التنفيذ الجديد تكمن في تقريب المسافة بين الحكم والحق، حتى لا يكون انتصار المتقاضي نهاية خصومة وبداية معاناة أخرى. فتلك هي العدالة الناجزة: أن يصل الحق إلى صاحبه، لا أن يكتفي بحمل حكم يثبت أنه له.

منذ يومين

وسط العواصف... حين تصنع السعودية الاستقرار

في الوقت الذي ألقت فيه الاضطرابات الإقليمية بظلالها على حركة الطيران وتنقّل المستثمرين، تستعد الرياض لاستضافة مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (FII)، أحد أبرز الملتقيات الاقتصادية التي تجمع سنوياً كبار المستثمرين وصنّاع القرار وقادة الشركات العالمية. وقد فرضت الظروف الأخيرة تحدياً غير معتاد على ترتيبات المؤتمر، فبرزت خيارات المشاركة عن بُعد ضمن البدائل المطروحة لتسهيل حضور بعض المشاركين. وما استوقفني هنا ليس مجرد البحث عن وسيلة بديلة للحضور، وإنما الفكرة التي تقف خلفه: أن تبقى الغاية الاقتصادية قائمة، حتى لو فرضت الظروف تغيير الطريق المؤدي إليها.

وهذا في تقديري جانب مهم من الحكمة في إدارة الأزمات. فالمملكة التي تستقطب رؤوس الأموال وتنفذ مشروعات طويلة الأجل تدرك أن المستثمر لا ينظر إلى الفرص المعلنة وحدها؛ بل يراقب أيضاً كيف تتصرف المؤسسات عندما تتغيّر الظروف. فالمستثمر لا يبحث عن دولة لا تعرف الأزمات، وإنما عن دولة يستطيع أن يتوقع طريقة تعاملها معها، ويثق بقدرتها على المحافظة على التزاماتها ومشروعاتها.

ولنأخذ اضطراب حركة الطيران مثالاً. قد يبدو تأخر رحلة مسألة تخص المسافر وحده، لكنه بالنسبة إلى الاقتصاد قد يعني اجتماعاً استثمارياً مؤجلاً، أو شحنة لم تصل في موعدها، أو مشروعاً تعطل وصول أحد مورديه. وهنا تتجاوز الأزمة حدود الحدث الأمني إلى أثر اقتصادي تتفاوت حدته بحسب استعداد المؤسسات والشركات للتعامل معه. فالبدائل التشغيلية، وسرعة استعادة الخدمات، ووضوح الإجراءات، كلها عناصر تحدد حجم الخسارة ومدتها.

والقدرة على التعامل مع مثل هذه الظروف لا تُبنى في يوم واحد. فقد استثمرت المملكة خلال السنوات الماضية في تنويع الأنشطة الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز البيئة التنظيمية والاستثمارية. وفي سبتمبر الماضي، أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» تصنيف المملكة الائتماني عند مستوى A+ بنظرة مستقبلية مستقرة، مشيرة إلى عوامل من بينها مرونة الاقتصاد غير النفطي وتنوع قدرات تصدير الطاقة. ولا يعني هذا التصنيف أن الاقتصاد بمنأى عن الاضطرابات، لكنه يوضح بعض عناصر القوة التي يستند إليها في مواجهتها.

ومع ذلك، فإن الأحداث الاستثنائية تكشف دائماً جوانب تحتاج إلى مراجعة. فوجود مطار حديث أو شبكة نقل متطورة لا يكفي وحده؛ المهم أيضاً وجود بدائل عملية عند تعطل الخدمات، وخطط واضحة لاستمرارية الأعمال، وقدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وهذه مسؤولية لا تقع على الجهات الحكومية وحدها، بل تمتد إلى الشركات التي ينبغي أن تختبر استعدادها قبل وقوع الأزمة، لا أن تكتشف أوجه القصور أثناءها.

ومن واقع الممارسة القانونية، أرى أن جانباً من هذه المسؤولية يبدأ من العقود نفسها. فالشركة التي تتعطل شحنتها بسبب إغلاق مطار، هل تعرف مسبقاً من يتحمّل تكلفة التأخير؟ وهل يمنحها عقدها حق تمديد المدة أو إعادة ترتيب الالتزامات، أم تجد نفسها أمام نزاع قد يستمر سنوات؟ وهنا تظهر أهمية الصياغة الدقيقة لشروط القوة القاهرة والظروف الاستثنائية وتوزيع المخاطر. فالعقد الجيد لا يضمن عدم وقوع الأزمة، لكنه يقلل الخلاف حول كيفية التعامل معها.

ولذلك فإن من المهم، ونحن نتابع ما تحققه المملكة من مشروعات واستثمارات، أن ننظر أيضاً إلى قدرة هذه المنجزات على الاستمرار تحت الضغط. فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى بنية تشغيلية وقانونية تواكب حجمها، وإلى تعاون فعلي بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بحيث لا تتحول كل أزمة طارئة إلى توقف طويل أو نزاع معقد. وهذه إحدى صور النضج الاقتصادي التي لا تظهر دائماً في أرقام الاستثمارات المعلنة، لكنها تؤثر مباشرة في قرارات المستثمرين وثقتهم على المدى الطويل.

وما أراه جديراً بالتقدير في التعامل السعودي مع هذه المرحلة هو إدراك أهمية التكيّف مع الظروف دون التخلي عن الأهداف الاقتصادية. وليس معنى ذلك أن التحديات قد انتهت، أو أن كل الإجراءات بلغت صورتها المثلى؛ فإدارة المخاطر عملية تتطور مع كل تجربة، وما يُكتشف اليوم من ثغرات ينبغي أن يصبح جزءاً من استعداد الغد.

ولعل ما يستحق التوقف عنده في التجربة السعودية أن الأزمات، مهما اشتدت، لم تعد تعني بالضرورة توقف العمل أو تعليق الطموحات إلى حين زوالها. فالدولة التي تستثمر في أمنها ومؤسساتها واقتصادها إنما تبني قدرتها على مواجهة ما لا يمكن التنبؤ به. وهذه هي القيمة الحقيقية للاستقرار الذي تصنعه المملكة؛ أن تستمر الحياة، وتمضي المشروعات، وتبقى ثقة المستثمر قائمة، حتى عندما لا تكون الظروف من حولها مواتية.

23:59 | 15-10-2026

الرياض ملاذ المحب... ومقبرة المعتدي

ليست القوة أن تكون الأسرع إلى السلاح، ولا الحكمة أن تصبر بلا نهاية. وبين الاثنين تُعرف هيبة الدول، أن تمنح السلام فرصته كاملة، وأن تملك من الحزم ما يحميها حين تُستنفد تلك الفرص. فالدولة القوية لا تبحث عن الحرب لتثبت قوتها، ولا تجعل حرصها على تجنبها باباً مفتوحاً لاختبار سيادتها. وتلك معادلة عرفتها السعودية منذ تأسيسها؛ تمد يدها لمن يقصدها بسلام، وتدرك أن حماية الأرض والإنسان ليست موضع مساومة.


ولعل ما تعرضت له الرياض خلال الأيام الماضية يعيد هذه المعادلة إلى الواجهة. فالمدينة التي أصبحت عنواناً للتحول والعمران، وملتقى للاستثمار والثقافة والحياة، امتدت إليها يد الخسة والدناءة عبر الهجمات الصاروخية التي أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عنها، وطالت مرافق مدنية وحركة الطيران. والرياض ليست مجرد عاصمة سياسية؛ إنها مدينة يعيش فيها الملايين، ويقصدها الناس للعمل والعلم والرزق. وحين تصبح سماؤها ومرافقها المدنية في دائرة التهديد، فإن المسألة تتجاوز الخصومة العسكرية إلى المساس بأمن الإنسان واستقرار الحياة.


ومنذ أن وحّد الملك عبدالعزيز هذه البلاد، ارتبط بناء الدولة بتثبيت الأمن وجمع الكلمة وإرساء الاستقرار. وعلى امتداد عهود ملوكها، اتسعت مسؤوليات المملكة، فحضرت في جهود المصالحة والإغاثة ودعم الدول المتضررة من الحروب والكوارث. ولم يكن اليمن بعيداً عن هذا النهج؛ فقد ظل أمنه واستقراره جزءاً من الحسابات السعودية، لا باعتباره أرضاً للتوسع، بل جاراً يتصل أمنه بأمن المملكة، وترتبط معاناة شعبه باستقرار المنطقة بأسرها.


وقد أمضت المملكة سنوات تدعم المسارات السياسية والإنسانية الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية، غير أن التصعيد الأخير أعاد المواجهة إلى مرحلة شديدة الحساسية. ومع التحركات العسكرية التي أعلنتها القوات الحكومية اليمنية، وما ورد عن مساندة التحالف بقيادة المملكة، برزت احتمالات تغير موازين القوة. لكن الأمل الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في عدد المواقع المستعادة؛ فاليمنيون الذين أنهكتهم سنوات الحرب ينتظرون عودة الأمن والمؤسسات والحياة الطبيعية، لا مجرد انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى.


ولعل أخطر ما في هذا التصعيد أن تمتد الهجمات إلى المطارات والمنشآت المدنية، وكأن حياة الأبرياء أصبحت جزءاً من حسابات الضغط العسكري. وحتى الحرب، بكل قسوتها، لها قانون وأخلاق وحدود؛ فاستهداف المدنيين عمداً محظور، والهجمات العشوائية لا تكتسب مشروعيتها لمجرد أن صاحبها يعلن هدفاً سياسياً أو عسكرياً. وحين تصبح حياة المسافر والطفل والعامل المدني عرضة للخطر، لا يعود السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يحترم الحد الأدنى من إنسانية الحرب.


ولعل من أخطر الأخطاء في حسابات الصراع أن يُقرأ ضبط النفس باعتباره عجزاً، وأن تُفهم الدعوة المتكررة إلى السلام على أنها غياب للقدرة على الرد. فالمملكة لم تمنح المساعي السياسية فرصتها لأنها تفتقر إلى أدوات القوة، بل لأنها تدرك كلفة الحرب وعواقبها. غير أن استمرار الاعتداءات يضع هذا النهج أمام اختبار بالغ الجدية؛ فالصبر الذي يحمي فرص السلام لا يجوز أن يتحول في حسابات المعتدي إلى ضمانة للإفلات من تبعات عدوانه.


وفي هذا السياق، تبرز جاهزية القوات المسلحة السعودية وقوات الدفاع الجوي، وما تضطلع به من مسؤوليات في حماية الأجواء والمنشآت الحيوية ومساندة الجهود العسكرية. فخلف كل عملية اعتراض ناجحة رجال يحملون أمانة الوطن، ويؤدون واجبهم باحتراف وانضباط في ظروف بالغة التعقيد. وهذه الجاهزية ليست مجرد قوة عسكرية؛ إنها أحد أسباب الطمأنينة التي يعيشها المواطن، وأحد مقومات استمرار الاقتصاد والحياة رغم اضطراب المنطقة.


ومن الناحية القانونية، فإن حق الدولة في حماية سيادتها وسكانها ومقدراتها حق أصيل، ويقر ميثاق الأمم المتحدة حق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، وفق ضوابط الضرورة والتناسب. ولذلك فإن الردع المسؤول لا يُقاس بشدة الضربة وحدها، بل بقدرته على وقف الاعتداء ومنع تكراره، مع احترام قواعد حماية المدنيين. فالقوة التي تستحق الاعتزاز هي التي تصون الحياة، لا التي تجعل الدمار غاية في ذاته.


وإذا كان ثمة أمل يولد من هذه المرحلة الصعبة، فهو أن تفضي التحولات الجارية إلى تسوية تعيد لليمنيين دولتهم وأمنهم، وتنهي سنوات المعاناة والانقسام. فلا ينبغي أن يصبح اليمن ساحة لحرب لا تنتهي، ولا أن تبقى أراضيه ومياهه ومجاله الجوي مصدراً دائماً للتهديد. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإسكات السلاح مؤقتاً، بل بقيام مؤسسات قادرة على حماية الناس وصون السيادة ومنع تجدد الصراع.


ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي طرف يهدد أمن المملكة ليس أن يجهل قدراتها، بل أن يسيء تفسير حكمتها. فالدولة التي تختار التهدئة لا تتخلى عن حقها في الدفاع، والتي تحرص على السلام لا تقبل أن يتحول حرصها إلى مساحة مفتوحة للاعتداء. وبين الحزم والحكمة تتحدد مسؤولية الدولة: أن تحمي شعبها، وتصون سيادتها، وتسعى إلى سلام لا يكون فيه أمن المدنيين رهينة للسلاح.


فالرياض التي تفتح أبوابها لمن يقصدها بسلام، لا تترك أمنها رهينة لمن يهددها بالسلاح. والمملكة التي عرفت متى تصبر، تعرف كذلك كيف تحمي سيادتها وتصون حياة شعبها. وبين حكمة السلام وحزم الدفاع تقف دولة لا تجعل الحرب غايتها، ولا تسمح بأن يصبح ضبط النفس ذريعة لاستمرار الاعتداء عليها.

19:49 | 9-10-2026

المحاماة بين هيبة العدالة وبريق الشهرة

ليست المحاماة مجرد مهنة يترافع صاحبها أمام القضاء، بل أمانة تقوم على حماية الحقوق، وصون الأسرار، وإقامة الحجة، والمشاركة في تحقيق العدالة. والمحامي حين يتولى قضية لا يتسلم ملفاً من الأوراق فحسب؛ بل يُؤتمن على مصالح الناس وسمعتهم، وربما على أكثر تفاصيل حياتهم خصوصية. ومن هنا اكتسبت المحاماة هيبتها، لا من الألقاب أو الظهور، بل من الثقة التي يضعها المجتمع فيمن يحمل رسالتها. ولذلك فإن أخطر ما قد يصيب هذه المهنة أن تختلط أمانة الدفاع عن الحقوق ببريق الشهرة، وأن تصبح قضايا الناس وسيلة لصناعة الحضور الإعلامي.

لقد شهدت المملكة توسعاً ملحوظاً في حضور المحامين عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وهو تطور محمود متى كان هدفه نشر الثقافة القانونية وتعريف المجتمع بحقوقه. غير أن بعض الممارسات كشفت عن خلط يستحق المعالجة؛ بين التوعية القانونية واستعراض الخصومات، وبين إبداء الرأي المهني وصناعة الإثارة، وبين التعريف بالخدمات القانونية والكشف عن تفاصيل القضايا. فالمحامي وكيل في الخصومة، وليس مالكاً لأسرارها، وما يطّلع عليه بحكم مهنته لا يتحول إلى مادة مباحة للنشر لمجرد امتلاكه القدرة على الوصول إلى الجمهور.

ومن هنا تبرز أهمية ما تقوم به وزارة العدل من تعزيز متابعة الممارسة المهنية ورصد التجاوزات وتفعيل الضوابط القائمة. ولعل ما يُحسب للوزارة في هذا التوجه أنها تدرك أن تطوير المنظومة العدلية لا يقتصر على تحديث الإجراءات وتسريع الخدمات، بل يمتد إلى الارتقاء بسلوك الممارسين أنفسهم. فالتنظيم لا يكتمل بوضع القواعد، وإنما بمتابعة أثرها، ومعالجة مواطن الخلل، وترسيخ ثقافة مهنية تدرك أن المحاماة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً. فهيبة المحاماة لا يحفظها الترخيص وحده، بل السلوك الذي يستحق ذلك الترخيص.

وللمسألة أساس نظامي واضح؛ فالمادة التاسعة من نظام المطبوعات والنشر تحظر نشر وقائع التحقيقات أو المحاكمات دون الحصول على إذن من الجهة المخولة نظاماً، كما أرست قواعد السلوك المهني للمحامين التزامات تتعلق بحماية أسرار العملاء وخصوصيتهم، ومراعاة مقتضيات التحقيق والمحاكمة، وتجنب التضليل والإخلال بشرف المهنة. وهذه الأحكام ليست قيوداً شكلية على حرية المحامي، بل ضمانات لحماية المتقاضين وسلامة الإجراءات والثقة بالمرفق العدلي.

وثمة مسألة قانونية تستحق التأكيد: موافقة الموكل على الحديث عن قضيته لا تعني بالضرورة جواز نشر تفاصيلها كافة؛ فقد تتعلق المعلومات بحقوق خصوم أو شهود، أو بإجراءات تحقيق ومحاكمة تخضع لضوابط مستقلة. كما أن القضية المنظورة لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة موازية على المنصات، تُختزل فيها الأدلة، وتُستبق الأحكام، ويصبح فيها التأثير على الرأي العام بديلاً عن الحجة أمام القضاء.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إقصاء المحامين عن الإعلام؛ فالمجتمع بحاجة إلى أصوات قانونية مؤهلة تشرح الأنظمة وتثري النقاش العام. لكن المطلوب هو وضوح الحدود المهنية، وتعزيز التوعية بها، وتفعيل المساءلة عند تجاوزها، مع التمييز بين المخالفة المهنية والرأي القانوني المشروع. فالظهور الإعلامي للمحامي امتداد لمسؤوليته المهنية، وليس استثناءً منها.

والأثر الأعمق لهذا التوجه لا يقف عند ردع التجاوزات، بل يمتد إلى تعزيز ثقة المجتمع بالمحاماة، وحماية خصوصية المتقاضين، وترسيخ الاحترام الواجب للقضاء. وهذه هي القيمة المؤسسية لجهود وزارة العدل؛ أن تظل جودة السلوك المهني موازية لجودة الخدمات العدلية، وأن يدرك كل ممارس أن ما يقوله خارج قاعة المحكمة قد يكون امتداداً لما اؤتمن عليه داخلها.

فالمحاماة لا تعادي الشهرة، لكنها لا تقبل أن تكون الشهرة على حساب الأمانة. والمحامي لا يحتاج إلى قضايا موكليه ليصنع اسمه؛ علمه وأمانته وأداؤه هي التي تصنعه. وحين تُصان أسرار المتقاضين، لا تُحمى كرامة المحاماة وحدها، بل تُحمى هيبة العدالة نفسها.

00:04 | 9-10-2026

إغلاق الحساب لا يُغلق المسؤولية

كان الإنسان قديماً إذا نطق بكلمة سمعها من حوله، وربما انتهى أثرها بانفضاض المجلس. أما اليوم فقد يقولها وهو وحيد خلف شاشة، فتصل في دقائق إلى مئات الآلاف، وتُحفظ وتُصوّر ويُعاد نشرها، ثم يكتشف متأخراً أن ضغطة «حذف» لا تعيد الكلمة إلى فمه، وأن إغلاق الحساب لا يعيد الزمن إلى ما قبل النشر.

هذه إحدى حقائق عصر المنصات: قد تستطيع حذف المنشور، لكنك لا تستطيع حذف حقيقة أنه نُشر.

وقد أعادت إلى ذهني هذه المسألة واقعة متداولة أخيراً، بعد إساءة وُجهت عبر منصة «إكس» إلى إعلامي شهير، ثم حُذف المنشور وأُغلق الحساب، وطُلب من الجهات المعنية الاطلاع واتخاذ اللازم. ولا يعنيني هنا شخص من وُجهت إليه الإساءة ولا صاحب الحساب، ولا أريد أن أسبق الجهات المختصة في توصيف الواقعة أو تقرير مسؤولية أحد؛ ما يعنيني هو السؤال الذي تكرر بعدها: إذا أُغلق الحساب، فكيف يُحاسب صاحبه؟

السؤال يكشف وهماً رقمياً يستحق التصحيح. فاختفاء الحساب من أمام الجمهور لا يعني بالضرورة اختفاء كل أثر متعلق به. وقد تكون هناك بيانات وسجلات ومعلومات فنية يمكن للجهات المختصة، وفق الإجراءات النظامية والوسائل الفنية المتاحة، الاستعانة بها للتحقق من الوقائع ونسبتها إلى أصحابها. لذلك فالسؤال القانوني ليس: هل ما زال الحساب مفتوحاً؟ بل: هل وقع الفعل، وهل ثبت، وإلى من يمكن نسبته؟

فالتحوّل الحقيقي الذي صنعته المنصات أن الكلمة لم تعد لحظة عابرة، بل أصبحت فعلاً رقمياً قد يترك أثراً يتجاوز الزمن الذي استغرقته كتابته. قد يكتب الإنسان في ثوانٍ ما يستمر أثره سنوات، ويظن أن الحذف أنهى الواقعة، بينما تكون الصورة أو النسخة أو إعادة النشر قد نقلت الكلمة إلى فضاء لم يعد يملك السيطرة عليه. ولهذا تبدأ المسؤولية الرقمية قبل النشر لا بعده؛ فكلما اتسعت قدرة الفرد على الوصول والتأثير، اتسعت معها مسؤوليته.

وفي المملكة، الأمر ليس فراغاً تشريعياً. فنظام مكافحة جرائم المعلوماتية نص في مادته الثالثة على تجريم التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة، بعقوبة تصل إلى السجن سنة، وغرامة تصل إلى خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وقد أكدت النيابة العامة هذا المعنى في رسائلها التوعوية، عندما نبهت إلى أن التشهير بالآخرين أو إلحاق الضرر بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي من السلوكيات التي تستوجب المساءلة الجزائية. والمغزى واضح: ما يراه البعض «تغريدة» عابرة قد يراه النظام فعلاً يستوجب المساءلة.

وهذا الحضور النظامي يأتي ضمن نهج أوسع للدولة السعودية في صون الإنسان وحقوقه وكرامته وحماية سلام المجتمع. فالأمن لا يقتصر على أن يأمن الإنسان على جسده وماله؛ من تمامه أن يأمن على كرامته وسمعته من أن تصبحا مباحتين لكل من يملك هاتفاً وحساباً.

ويبرز هنا الدور المهم للنيابة العامة، بوصفها جزءاً من السلطة القضائية تتمتع بالاستقلال التام، وتضطلع وفق اختصاصاتها بالتحقيق في الجرائم والتصرف في التحقيق وإقامة الدعوى أمام القضاء. فلا تُترك الحقوق رهينة لضجيج المنصات، ولا يتحول غضب الجمهور إلى حكم؛ بل تنتقل الواقعة، متى استوجبت ذلك، إلى مؤسسات الدولة حيث التحقيق والإثبات والإجراءات والضمانات. وهذه من قوة المنظومة: تحمي من وقعت عليه الإساءة، وتحمي كذلك من وُجه إليه الاتهام من أن يُدان قبل ثبوت مسؤوليته.

لكن الأهم من رقم العقوبة هو فلسفة النص. فالإنترنت ليس أرضاً خارج الدولة، والحساب الوهمي ليس قناعاً يبيح كرامة الناس، وحرية التعبير ليست رخصة للتشهير. النقد والاختلاف حقان، بل إن النقد الجاد ضرورة في أي مجتمع حي؛ لكن هناك مسافة واضحة بين نقد فكرة أو أداء أو موقف، وبين الاعتداء على الشخص وسمعته وكرامته.

والاسم المستعار لا يجعل الفعل مجهولاً بالضرورة، كما أن تغيير اسم الحساب أو صورته أو إغلاقه لا يجعل الواقعة كأنها لم تكن. وفي المقابل، لا تعني لقطة شاشة وحدها ثبوت نسبة الحساب إلى شخص بعينه؛ فالإثبات الرقمي له إجراءاته، والاشتباه لا يساوي الإدانة. قوة النظام ليست في العقوبة وحدها، بل في ضماناته أيضاً؛ فلا يقرر جمهور منصة العقوبة، ولا تصبح الاتهامات حقائق بكثرة إعادة نشرها.

ولذلك فإن أفضل ردع ليس أن يخشى الإنسان زر «نشر»، بل أن يدرك ما يعنيه. يستطيع أن ينتقد بقوة ويختلف بحدة ويفند موقفاً من دون قذف أو تشهير أو مساس بكرامة أحد؛ فاللغة القوية لا تحتاج إلى الإساءة حتى تكون مؤثرة.

وربما نحتاج جميعاً، في زمن أصبحت فيه أصابعنا أسرع من مراجعتنا لكلماتنا، إلى قاعدة بسيطة: لا تكتب ما تراهن على قدرتك على حذفه؛ اكتب ما تستطيع تحمّل مسؤوليته إذا بقي.

فالكلمة الرقمية قد تصبح دليلاً، وحقاً للغير، ومسؤولية على صاحبها. وقد يُغلق الحساب، ويختفي الاسم، ويُحذف المنشور، لكن ذلك لا يعيد الواقعة إلى ما قبل حدوثها. وأجمل حماية للإنسان ليست أن يعرف كيف يمحو أثر كلمته بعد أن يكتبها، بل أن يعرف وزنها قبل أن يكتبها.

فاحذف الحساب إن شئت... لكن تذكّر أن إغلاق الحساب لا يُغلق المسؤولية.

20:23 | 1-10-2026

عزّنا في حكامنا... ثباتُ وطن وعزيمةُ دولة

في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحدث شيء يتجاوز الاحتفال بتاريخ على التقويم؛ يستعيد السعوديون حكاية وطنهم من بدايتها، ثم ينظرون حولهم ليروا إلى أين وصلت. ومع الأعوام، لم يعد اليوم الوطني مجرد ذكرى لوطن توحّد، بل أصبح كرنفال حب لوطن يتجدّد؛ يوماً تلتقي فيه ذاكرة عبدالعزيز بطموح جيل يعيش تحوّلاً لم تعرفه البلاد بهذا الاتساع من قبل. وبين الذاكرة والطموح، يبرز سؤال يستحق أن نسأله كل عام: ما الذي يجعل اعتزاز السعودي بوطنه يكبر كلما كبر الوطن؟


في اليوم الوطني لا نحتفل بتاريخٍ مضى بقدر ما نحتفل بدولة أثبتت، جيلاً بعد جيل، قدرتها على أن تحفظ أصلها وهي تتقدّم، وأن تصون هويتها وهي تتغيّر، وأن تجعل من الأمن قاعدةً للعمران لا غايةً تقف عندها. وربما هنا تحديداً تكمن خصوصية التجربة السعودية: ثبات في الأصل، وجرأة في البناء، ودولة تعرف من أين بدأت وإلى أين تريد أن تصل.


حين وحّد الملك عبدالعزيز هذه البلاد، لم يكن يجمع أرضاً متفرقة تحت راية واحدة فحسب؛ كان يؤسّس دولة تستمد مرجعيتها من شرع الله، وتعيد للناس الأمن بعد الفرقة، وتجمع الكلمة، ثم تأخذ بأسباب عصرها كلما كان فيها ما يقوي الدولة ويحسّن حياة الناس. لم يرَ المؤسس في التحديث خصماً للهوية، ولا في المحافظة على الأصل عذراً للتوقف. فالملك المؤسس لم يبنِ دولةً تعيش على أمجاد ماضيها، بل دولةً تعرف أصلها وتفهم زمانها؛ ثابتةً في دينها وهويتها، متحركةً في أدواتها، وكان الأمن فيها بداية العمران لا نهايته.


ومضت الدولة على هذه القاعدة. تغيّر الملوك، وتغيّر العالم، واتسعت المدن، وتعقد الاقتصاد، وتبدلت أدوات الحكم والإدارة، لكن الأمانة بقيت واحدة: دين ووحدة وأمن وإنسان ودولة لا تتوقف عن التطوير. وحمل أبناء عبدالعزيز تلك الأمانة جيلاً بعد جيل، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي صان إرث الدولة، وفي عهده انطلقت بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واحدة من أوسع مراحل التحوّل في تاريخ المملكة الحديث.


وفي محمد بن سلمان تجلت هذه القاعدة السعودية بصورة جديدة؛ فلم يكن الإرث في رؤيته ماضياً يُصان فحسب، بل قوةً يُبنى بها المستقبل. ولعل ما يميز شخصيته القيادية أنه لا ينظر إلى الطموح بوصفه أمنيةً للمستقبل، بل مسؤوليةً تبدأ من قرار اليوم؛ يرفع السقف، ثم يدفع مؤسسات الدولة والمجتمع إلى بلوغه. وفي طريقته في القيادة شيء من عدم الرضا بالاكتفاء بما تحقق؛ فالسؤال عنده لا يقف طويلاً عند أين وصلنا، بل ينتقل سريعاً إلى: أين ينبغي أن نصل؟


رفع سقف الطموح السعودي، وأعاد تشكيل الاقتصاد، وفتح قطاعات، وبنى صناعات، واستقطب استثمارات، ودفع بالتقنية والسياحة والثقافة والرياضة إلى قلب المشهد الاقتصادي والاجتماعي، ووسع مساحة حضور المرأة والشباب في التنمية، وفي الوقت نفسه أعاد رسم موقع المملكة في السياسة والاقتصاد الدوليين. لم يعد المستقبل بالنسبة للسعودي شيئاً ينتظره؛ أصبح يرى وطنه يذهب إليه.


ولعل بعض التحوّلات الكبرى لا تستطيع الأرقام وحدها قياسها؛ لأن شيئاً مهماً تغيّر داخل السعودي نفسه. تغيرت الطريقة التي ينظر بها إلى وطنه، والطريقة التي ينظر بها العالم إلى السعودية. أصبح السعودي حين يحمل اسم بلاده خارجها يعرف أن خلفه دولة حاضرة في القرار السياسي والاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والرياضة؛ دولة لا تبحث عن مكان على الطاولة، بل أصبح وجودها جزءاً من تشكيل كثير مما يدور حولها.


لكن الدول لا تُختبر في سنوات الرخاء وحدها


وهذا العام تحديداً أعطانا معنى آخر للفخر بالدولة. ففي إقليم شهد توترات ومواجهات وتهديدات، وعاشت فيه مجتمعات قريبة على وقع الإنذارات وتعطل بعض الرحلات واضطراب الحسابات، بقيت الحياة في المملكة تمضي. ذهب الناس إلى أعمالهم، والأبناء إلى مدارسهم، وعملت المطارات والأسواق، واستمرت المشاريع، وتحرك الاستثمار، ومضت خطط التنمية. لم يكن ما حولنا هادئاً؛ لكن السعودية بقيت ثابتة.


ولعل ما يستحق التوقف عنده أيضاً أن هذا الثبات لم يكن في مؤسسات الدولة وحدها، بل ظهر في وعي المجتمع السعودي، وشبابه على وجه الخصوص. ففي أوقات الأزمات تُختبر المجتمعات كما تُختبر الدول؛ بالشائعة، والخبر المضلل، ومحاولات إثارة الخوف أو التشكيك. وفي كل مرة يثبت الشاب السعودي أنه أكثر وعياً بوطنه مما يظن به من يراقبه من بعيد؛ يعرف متى يتحدث، ومتى يتحقق، ومن أين يأخذ خبره، ويدرك أن الاصطفاف خلف قيادته عند الخطر ليس انفعالاً عابراً، بل مسؤولية وطنية. ومن الصغير إلى الكبير، تشكلت في المملكة عبر السنين علاقة بين المواطن ودولته قوامها أن الاختلاف في تفاصيل الحياة ممكن، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن وسيادته، تصغر المسافات وتصبح السعودية هي الموقف.


وهذه ليست مصادفة، ولا ينبغي أن نقرأ الأمن باعتباره مجرد غياب للخطر. خلف اليوم العادي الذي يعيشه المواطن دولة تعمل حتى يبقى يومه عادياً؛ مؤسسات تحمي، وقيادة تستشرف، ودبلوماسية تخفض التصعيد، وقدرات تُبنى، واقتصاد لا يُسمح للأزمات بأن توقف مساره. وهنا يصبح الأمن إنجازاً لا نراه دائماً، لأن أجمل صوره أن يعيش الإنسان حياته من دون أن يشعر بحجم ما بُذل لحمايتها.


وللاستقرار أيضاً قيمة اقتصادية لا تقل عن قيمته الإنسانية. فالاستقرار أصل اقتصادي. رأس المال يحسب المخاطر قبل الأرباح، والمستثمر طويل الأجل يريد دولة يستطيع أن يثق بمسارها، والمشروعات الكبرى لا تُبنى حيث يصبح المستقبل رهينة للأزمة التالية. ولذلك فإن قدرة المملكة على حماية استقرارها بينما تمضي في تحولها ليست منفصلة عن نجاحها الاقتصادي؛ بل هي أحد أهم شروطه.


وهنا أفهم عبارة «عزّنا في حكّامنا» هذا العام بمعنى أكبر من شعار مناسبة. العز ليس في الكلمات، بل في أن يكون لك وطن يعرف كيف يحمي وهو يبني، وكيف يصنع السلام من موقع القوة، وكيف يتغير من دون أن يفقد هويته، وكيف يجعل المواطن محور التنمية وغاية الأمن معاً.


عزّنا في عبدالعزيز الذي وحّد الأرض وأرسى الأمن، وفي أبنائه الملوك الذين حملوا الأمانة من بعده، وفي سلمان الذي صان الإرث، وفي محمد بن سلمان الذي أخذ هذا الإرث إلى زمن جديد، ورفع سقف الممكن أمام جيل سعودي شاب لم يعد يرى نفسه متلقياً لمستقبل وطنه، بل شريكاً في صناعته.


وفي يومنا الوطني، لا نحتفل فقط بوطن مضى على تأسيسه عقود؛ نحتفل بفكرة دولة أثبتت قدرتها على التجدد. دولة بدأت بوحدة الأرض، ثم بنت الإنسان والمؤسسة والاقتصاد، وها هي اليوم تبني المستقبل من دون أن تفقد أصلها.


ومن عبدالعزيز الذي عرف أصل الدولة وفهم زمانه، إلى سلمان الذي صان أمانتها، إلى محمد بن سلمان الذي وسّع أفقها وأعاد للسعودي شعوراً كبيراً بمكان وطنه في العالم؛ تتغير المنطقة، وتتبدل موازين العالم، وتتسارع الأحداث، ويبقى الثابت أن لهذه البلاد قيادة تعرف قيمة ما ورثت، وشعباً يعرف قيمة ما يملك.


ولهذا نقولها في يومنا الوطني، لا كشعارٍ عابر، بل كمعنى عاشه السعوديون جيلاً بعد جيل:


عزّنا في حكّامنا... ثباتُ وطن وعزيمةُ دولة.

20:21 | 22-09-2026

لنسمِّ الأمور بمسمياتها... الحوثي معتدٍ أثيم

ثمة لحظة لا تعود فيها اللغة الدبلوماسية المخففة قادرة على وصف ما يحدث، ويصبح من الإنصاف أن نسمّي الأشياء بمسمياتها. فعندما تتكرر الهجمات على المدن، ويسقط المدنيون بين قتيل ومصاب، وتصل مسيّرة -بحسب ما أعلنته المملكة- إلى اتجاه مكة المكرمة قبل اعتراضها، لم يعد الحديث عن «رسائل» و«ضغوط» و«تصعيد» كافياً. هذا اعتداء، ومن يستهدف أمن المدنيين ويعرّض المقدسات للخطر معتدٍ، والاعتداء آثم قبل أن يكون خطأً في حسابات السياسة.


والمسألة لم تعد حادثة منفردة يمكن تفسيرها بخطأ عسكري أو ظرف عابر. خلال أيام تتابعت الهجمات، ثم جاءت واقعة الطائف لتختصر بشاعتها في مشهد واحد: مسيّرة حوثية اعتُرضت، فسقط حطامها ليقتل مقيماً يمنياً ويصيب مواطنة سعودية ومقيماً باكستانياً إصابته حرجة، وتتضرر مبانٍ ومركبات مدنية. والمفارقة المؤلمة أن نار الحوثي لم تسأل ضحاياها عن جنسيتهم؛ قتلت يمنياً وجد في المملكة أمناً وعملاً، وأصابت سعودية وباكستانياً في مدينة مدنية. أحياناً تختصر واقعة واحدة عبث مشروع كامل أكثر مما تفعل عشرات الخطب.


أما مكة، فالأمر يتجاوز السياسة وحدها. أعلنت المملكة اعتراض وتدمير مسيّرة حوثية أُطلقت باتجاه العاصمة المقدسة قبل دخولها مجالها الجوي المحظور، بينما نفى الحوثيون استهداف مكة. لكن مجرد وصول تهديد عسكري إلى اتجاه البلد الحرام مسألة لا يمكن التعامل معها كرقم إضافي في سجل التصعيد. فمكة ليست مدينة سعودية فحسب؛ إنها قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وحماية الحرمين بالنسبة للمملكة ليست فقط واجب سيادة، بل أمانة تاريخية ودينية تحملها أمام العالم الإسلامي.


وحتى الحرب، بكل قسوتها، ليست مساحة بلا قانون ولا أخلاق. هناك تمييز بين المقاتل والمدني، وبين الهدف العسكري والبيت والطريق والمنشأة المدنية، وهناك التزام باتخاذ الاحتياطات لحماية السكان. هذه ليست رفاهية قانونية اخترعها المحامون بعد الحروب، بل الحد الأدنى الذي يمنع الحرب من التحول إلى فوضى مطلقة. ولهذا فإن استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر لا يصبح مقبولاً لأن صاحبه يضعه داخل خطاب سياسي أو عسكري.


بل إن في تراث العرب قبل مواثيق العصر شيئاً اسمه المروءة؛ وفي الشريعة حرمة للدم، وللمستأمن، وللبلد الحرام، وفي القانون الدولي قواعد لحماية المدنيين. فإذا اجتمعت هذه المعاني كلها، يصبح السؤال مشروعاً: أي خصومة هذه التي تحتاج إلى أن يدفع ثمنها طفل أو امرأة أو عامل مدني، وأي رسالة عسكرية تلك التي تمر من فوق أمن مكة أو الطائف؟


ومع ذلك، فإن الخطأ المقابل هو أن نقرأ صبر المملكة باعتباره عجزاً عن الرد. السعودية لم تكن في تاريخها الحديث دولة تبحث عن الحرب لذاتها، ولم تجعل القوة وسيلتها الأولى كلما اختلفت مع أحد. أعطت للدبلوماسية مساحتها، وللحكمة وقتها، وللسلام فرصه؛ لأن الدولة الواثقة لا تحتاج إلى أن تثبت قوتها في كل صباح.


لكن ثمة فارقاً هائلاً بين الصبر على الخصومة والصبر على الاعتداء.


ولعل هذا هو الفارق الذي أخطأ الحوثي في قراءته. فالصبر السعودي ليس فراغاً في القدرة، وضبط النفس ليس تنازلاً عن السيادة، وتجنب توسيع الحرب ليس إذناً مفتوحاً لاستهداف المدن والمواطنين والمقيمين والمقدسات. والدولة لا تُقاس قوتها بسرعة غضبها، بل بقدرتها على اختيار الأداة والتوقيت والقدر الذي يحمي مصالحها.


ومن الناحية القانونية، لا تحتاج المملكة إلى اعتذار عن حماية نفسها. فالنظام الدولي الذي يحظر استخدام القوة يعترف في الوقت ذاته بحق الدول في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح. وهذا الحق لا يسقط لأن الدولة صبرت، ولا يضيق لأنها حاولت خفض التصعيد، ولا يتحول المعتدي إلى صاحب حق لأن الطرف الآخر اختار الحكمة زمناً أطول.


ولا يحتاج الكاتب هنا إلى التنبؤ بما ستفعله المملكة عسكرياً، ولا أن يحدد للدولة متى وكيف ترد. ذلك قرار سيادي تملكه القيادة ومؤسسات الدولة، وهي الأعرف بمصالح المملكة وبالوسيلة والتوقيت. لكن المؤكد أن المملكة تملك القدرة والحق في حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها ومقدساتها ومقدراتها، وأن من يبني حساباته على أن الصبر السعودي بلا نهاية يرتكب خطأً استراتيجياً قبل أن يكون خطأً أخلاقياً.


ولعل أكثر ما يكشف قصر النظر في هذا التصعيد أن المملكة، طوال سنوات الأزمة اليمنية، لم تتوقف عن دعم الحلول السياسية والعمل الإنساني ومسارات الاستقرار، بينما تدفع الحرب اليوم عشرات الآلاف من اليمنيين مجدداً إلى النزوح من بيوتهم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص خلال التصعيد الأخير. فالمعتدي لا يهدد جاره وحده؛ قد يكون أول من يدفع ثمن مغامرته هو شعبه.


ولهذا لم تعد الإدانة وحدها كافية لفهم المشهد. تكرار الهجمات على المدن والمنشآت، وتهديد طرق الملاحة والطاقة، وسقوط المدنيين، ثم إعلان المملكة اعتراض مسيّرة متجهة نحو مكة، كلها تقول إن مساحة الخطأ في الحساب تضيق. كما أن آثار التصعيد تجاوزت الحدود بالفعل إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية.


ومع ذلك، تبقى المعادلة السعودية واضحة: لا تبحث عن الحرب، ولا تتنازل عن السلام، لكنها كذلك لا تجعل سلامة شعبها وسيادة أرضها وحرمة مقدساتها ثمناً لاستمرار التهدئة.


ولذلك، فلنسمِّ الأمور بمسمياتها: المدني ليس هدفاً، ومكة ليست ساحة حرب، وضبط النفس ليس ضعفاً، والسيادة ليست مجالاً للاختبار. والحوثي حين يكرر الاعتداء ويعرّض المدنيين والمقدسات للخطر ليس طرفاً أساء التعبير عن موقفه؛ إنه معتدٍ، والاعتداء أثيم.


ومن يسيء فهم صبر السعودية، لا يكون قد بالغ في تقدير نفسه فحسب؛ بل يكون قد أخطأ في قراءة دولة عرفت منذ تأسيسها قيمة الحكمة، كما عرفت تماماً متى يصبح الحزم واجباً.

01:14 | 19-09-2026

شهد شاهدٌ من أهلها.. حين يخشى صانعو الذكاء الاصطناعي صنيعهم

حين يحذرك خصم الذكاء الاصطناعي منه، تستطيع أن تقول إنه يخشى المستقبل. وحين يأتي التحذير من سياسي أو رجل مال وأعمال أو طبيب، قد تقول إنه لا يفهم التقنية. لكن ماذا تقول عندما يأتي التحذير من الرجل الذي يدير إحدى الشركات التي تصنع أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدّماً في العالم؟ هذا ما استوقفني في حديث داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic المطورة لـClaude. الرجل لا يدعو إلى إيقاف الذكاء الاصطناعي، ولا ينكر ما يمكن أن يقدّمه للطب والاقتصاد والعلم وحياة البشر؛ بل إن شركته نفسها تقف في مقدّمة هذا السباق. ومع ذلك، يحذر من أن سرعة تطور هذه الأنظمة قد تصبح أعلى من سرعة قدرتنا على فهم مخاطرها وبناء وسائل السيطرة عليها. ولعل المفارقة التي تجعل تحذيره جديراً بالإنصات أن الشاهد هذه المرة من داخل منظومة الذكاء الاصطناعي.

لكن القضية، في تقديري، أعمق من مخاوف أمودي، وأكبر من شركة أو نموذج بعينه. نحن أمام انتقال تقني ربما لم نستوعب آثاره كاملة بعد. فالذكاء الاصطناعي الذي عرفه الناس قبل سنوات كان ينتظر سؤال الإنسان ليجيب عنه؛ أما ما يُبنى اليوم فيتجه إلى أنظمة تستطيع التخطيط، واستخدام الأدوات، وكتابة البرامج، وتنفيذ سلسلة من الأعمال للوصول إلى غاية، بل والمساهمة في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى. والمشكلة ليست أن الآلة «أصبحت شريرة»؛ فهذه لغة أفلام وليست تحليلاً جاداً. المشكلة الحقيقية أن قدرة النظام قد تتسع أسرع من الحدود التي وضعناها حوله.

وهذا الفارق صغير في العبارة، هائل في النتائج. فكلما انتقل الذكاء الاصطناعي من «الإجابة» إلى «الفعل»، انتقلنا معه من سؤال جودة المعلومة إلى سؤال المسؤولية عن القرار. وإذا منحنا النظام القدرة على الدخول إلى برامج، والتعامل مع بيانات، وتنفيذ أوامر، والتصرف عبر سلسلة من الخطوات، لم يعد السؤال فقط: هل أجاب بصورة صحيحة؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل، ومن سمح له، ومن يوقفه إذا تجاوز ما أُريد منه؟ ومن زاوية قانونية، نحن أمام اختبار بالغ الأهمية. فالقانون بُني عبر قرون على البحث عن فعل وفاعل وضرر وعلاقة سببية: شخص أصدر أمراً، شركة أهملت، أو منتج كان معيباً، ومن ثم يمكن البحث عمن يتحمل المسؤولية. لكن الوكيل الذكي قد يتخذ عشرات القرارات الفرعية بنفسه للوصول إلى هدف عام أعطي له. فإذا وقع الضرر، فمن المسؤول: المطور الذي بنى النموذج، أم الشركة التي أتاحته، أم المستخدم الذي حدد الغاية ولم يحدد الوسيلة، أم الجهة التي منحته صلاحيات أوسع مما ينبغي؟ وماذا لو كان كل واحد منهم قد أسهم بجزء فقط من السلسلة التي انتهت بالضرر؟ هذه ليست دعوة للخوف من التقنية؛ بل دعوة لأن يسبق القانون الضرر هذه المرة، بدلاً من أن ينتظره ثم يبدأ في كتابة القواعد.

وما يجعل السؤال أكثر جدية أن التحذير لم يعد مقتصراً على منظّرين يقفون خارج الصناعة. خرج باحثون من شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى وهم يتحدثون عن مخاطر السلامة، وكشفت شركات نفسها عن سلوكيات أو حوادث لم تكن مقصودة، وبدأ الحديث داخل الصناعة عن الاختبارات الخارجية، والإبلاغ عن الحوادث، وإمكانية إيقاف الأنظمة، وبقاء الإنسان صاحب القرار النهائي. لا شيء من ذلك يثبت أننا أمام كارثة وشيكة، ومن الخطأ أن نقدمه كذلك؛ لكنه يكشف حقيقة أكثر أهمية: حتى صانعي التقنية باتوا يرون أن حوكمتها لم تعد مسألة قانونية تأتي بعد اكتمال المنتج، بل جزءاً من هندسة المنتج نفسه.

وفي المقابل، سيكون من السهل أن نرتكب الخطأ المعاكس، فنحول الخوف إلى قيود تخنق واحدة من أعظم الفرص التقنية في عصرنا. فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع اكتشاف الأدوية، ورفع الإنتاجية، وتطوير التعليم والبحث العلمي، ومنح الطبيب والمهندس والمحامي والعالم قدرات لم تكن متاحة لجيل سابق. ولذلك فإن السؤال الصحيح لم يعد: هل نسمح بالذكاء الاصطناعي أم نمنعه؟ فهذا السؤال تجاوزه الزمن بالفعل؛ السؤال الأذكى هو كيف نجعل حجم المسؤولية يواكب حجم القدرة.

فالنظام الذي يساعد طالباً على تلخيص كتاب لا ينبغي أن يعامل كنظام قادر على العمل باستقلالية في الأمن السيبراني، أو الوصول إلى بنية تحتية، أو التعامل مع معرفة بيولوجية شديدة الحساسية. ومن هنا أرى أن التنظيم الذكي يجب أن يتبع مستوى الخطر لا اسم التقنية؛ فكلما ازدادت قدرة النظام واستقلاليته، ازدادت معها متطلبات الاختبار والتوثيق والأمن والرقابة البشرية والإبلاغ عن الحوادث والمساءلة. والقاعدة هنا بسيطة: كلما زادت القدرة، زادت المسؤولية.

وهذا يعني أيضاً أن الرقابة لا يمكن أن تعتمد بالكامل على حسن نية الشركات، ليس لأن الشركات سيئة، بل لأن من يشارك في سباق عالمي بمليارات الدولارات لا ينبغي أن يكون الحكم الوحيد على مقدار السرعة الآمنة في ذلك السباق. وفي الجهة الأخرى، لا ينبغي أن ينفرد المشرع بكتابة قواعد لتقنية لا يفهم تفاصيلها ثم يجمد بها الابتكار لسنوات. الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طاولة واحدة يجلس حولها المهندس والقانوني والاقتصادي وخبير الأمن وصانع السياسة؛ لأن المشكلة نفسها لم تعد تقنية فقط، ولا قانونية فقط.

وفي هذا السياق، تستحق التجربة السعودية التوقف عندها. فالمملكة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره سباقاً تقنياً يكفي أن نكون في مقدمته، بل تحركت مبكراً لبناء أطر للبيانات والذكاء الاصطناعي، وربطت التوسع فيه بمبادئ للحوكمة والمسؤولية وحماية الحقوق، بالتوازي مع طموح واضح لأن تكون المملكة لاعباً رئيسياً في هذه الصناعة. وهذه المعادلة ستزداد قيمتها كلما ازدادت قدرات النماذج: أن نسرّع الابتكار، لكن نعرف في الوقت نفسه من يملك البيانات، ومن يتحمّل المسؤولية، وما الحدود التي لا يجوز للنظام تجاوزها. فالحوكمة هنا ليست فرامل في طريق التطور؛ بل قد تكون هي ما يسمح له بأن يتسارع بثقة. أما ترك القدرات تتوسع بلا حدود واضحة، فقد يجعلنا نكتشف العواقب في وقت يصبح فيه علاجها أصعب من منعها.

ولعل هذا هو التحدي الذي سيحدد المرحلة المقبلة. فالإنسان صنع عبر تاريخه أدوات تفوقه في قدرات بعينها؛ السيارة أسرع منه، والطائرة تصل إلى حيث لا يستطيع، والحاسوب يحسب في لحظات ما يحتاج الإنسان أعواماً لإنجازه. ولم تكن المشكلة يوماً في أن تصبح الأداة أقوى في وظيفة ما؛ المشكلة تبدأ عندما لا تبقى تحت حكم صانعها.

لذلك لا نريد أن نقيّد الذكاء الاصطناعي حتى نفقد خيره، ولا أن نحرره حتى نعجز عن ضبط شره. نريد أن نطلق قدرته على الابتكار، لكن داخل منظومة تعرف من يملك القرار، وأين تبدأ المسؤولية، ومن يحاسب عند الضرر، ومتى يكون للإنسان حق التدخل والإيقاف.

ولهذا يستحق تحذير أمودي أن يُقرأ، لا لأنه أثبت أن النهاية قريبة، ولم يفعل، ولا لأن علينا أن نخشى من الآلة، بل لأن الرجل يقف في مقدمة السباق نفسه ويلتفت ليقول إن السرعة باتت تستحق الانتباه. وربما تكون المسألة كلها في هذه المفارقة: لقد قضينا سنوات نسأل إلى أي مدى يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصبح ذكياً، بينما قد يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: إلى أي مدى نستطيع نحن أن نبقى أذكى في السيطرة عليه؟ فرأي من داخل منظومة تقنية الذكاء الاصطناعي يقول لنا اليوم ما يستحق أن نتذكره: لا تخافوا من أن يصبح الذكاء الاصطناعي أقوى؛ خافوا من اليوم الذي يصبح فيه أقوى من قدرتنا على حكمه والمسك بزمام لجامه.

إلى أي مدى يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصبح ذكياً، بينما قد يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: إلى أي مدى نستطيع نحن أن نبقى أذكى في حكمه؟ فشاهدٌ من أهلها يقول لنا اليوم ما يستحق أن نتذكره: لا تخافوا من أن يصبح الذكاء الاصطناعي أقوى؛ خافوا من اليوم الذي يصبح فيه أقوى من قدرتنا على حكمه والسير على زمام لجامه.

23:33 | 17-09-2026

السعودية.. حين يبلغ الصبر منتهاه

ليست القوة أن تكون الأسرع إلى السلاح، كما أن الحكمة ليست أن تصبر بلا نهاية. وبين الاثنين تُعرف هيبة الدول: أن تعرف متى تمنح السلام فرصته كاملة، ومتى يصبح استمرار الصبر بعد استنفاد تلك الفرص رسالة خاطئة لمن لا يفهم إلا حدود القوة.


وهذه ليست لغة طارئة على السعودية، ولا موقفاً ولّدته أحداث الأيام الأخيرة. إنها مدرسة دولة منذ عبدالعزيز. فقد وحّد الملك المؤسس هذه البلاد على كلمةٍ جمعت الدين والوطن، وبعزيمةٍ أقامت للدولة أركانها، وحكمةٍ عرفت للسلم قدره وللحزم موضعه؛ فعرف متى يصبر، ومتى يعفو، ومتى يفاوض، ومتى يحسم. وتُنسب إليه عبارة شديدة الدلالة في معناها: «أتمادى في الصبر حتى يرميني القريب والبعيد بالجبن والخوف، حتى لم يبقَ للصبر مكان؛ ضربت ضربتي وكانت القاضية». وسواء أخذنا العبارة بلفظها المتداول أو بمعناها، فإنها تختصر شيئاً عميقاً في مدرسة الحكم السعودية: الصبر ليس عجزاً، والحكمة ليست تردداً، والسلام لا يعني التنازل عن حق الدولة في حماية أرضها وشعبها.


ولم يبقَ هذا المعنى في الأيام الماضية في كتب التاريخ أو في ذاكرة المواقف؛ فقد أعادته الأحداث إلى حاضرنا بصورة مؤلمة. فعندما تمتد يد الاعتداء إلى المدن والمدنيين والمقدرات، يصبح الصبر نفسه موضع اختبار، ويصبح على الدولة أن توازن بين حرصها على إبقاء أبواب السلام مفتوحة وواجبها الأول في حماية شعبها. وفي يوم الثلاثاء، استهدفت ميليشيا الحوثي أعياناً مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وطالت الهجمات منشآت ومرافق للطاقة في المنطقة الجنوبية، وأسفرت عن إصابة 73 مدنياً من المواطنين والمقيمين، بينهم نساء وأطفال، إلى جانب أضرار مادية وتعطل مؤقت لبعض العمليات التشغيلية. كما تزامن ذلك مع استمرار استهداف السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر.


وهنا تتجاوز المسألة مجرد التصعيد السياسي أو العسكري. فحتى الحرب ليست مساحة بلا قانون. حماية المدنيين والأعيان المدنية، والتمييز بينها وبين الأهداف العسكرية، ليست ترفاً أخلاقياً، بل من صميم قواعد القانون الدولي الإنساني. ولهذا فإن خطورة ما حدث لا تُقاس بعدد الصواريخ والمسيّرات وحدها، بل بطبيعة ما استُهدف وبمن أُصيب. وقد أكدت المملكة حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وفق قواعد القانون الدولي.


وهذا الحق ليس خطاباً سياسياً استثنائياً فرضته اللحظة. فالنظام الدولي، مع قيامه أصلاً على حظر استخدام القوة، يعترف بحق الدولة في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح. والمعنى هنا بالغ الأهمية: السعي إلى السلام لا يلغي حق الدفاع، وضبط النفس لا يسقطه، وطول الصبر لا يحوّل الاعتداء إلى أمر مشروع.


ومنذ تأسيس المملكة كان الأمن أحد أعظم الوعود التي قامت عليها هذه البلاد: أن يأمن الإنسان على نفسه وأهله وماله، وأن تكون أرض المملكة أرض استقرار. وفي المقابل، لم تُبنَ السياسة السعودية على الاعتداء على الجار أو البحث عن الحروب، بل على احترام السيادة وتغليب الحكمة متى بقي للحكمة مجال. لكنها في الوقت ذاته لم تجعل من حرصها على السلام قيداً على واجبها الأول في حماية شعبها وأرضها ومقدراتها.


وهنا يقع أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه الخصم: ليس أن يجهل قوة السعودية، بل أن يسيء تفسير صبرها. فالدولة التي تختار التهدئة وهي قادرة على غيرها لا تفعل ذلك ضعفاً، وإنما لأنها تعرف كلفة الحرب وقيمة السلام. لكن حين يُقرأ ضبط النفس إذناً بمزيد من الاعتداء، وتُقابل التهدئة باستهداف المدن والمدنيين والمقدرات، تتغير المعادلة؛ لأن حماية الوطن عندئذ لا تعود خياراً سياسياً بين خيارات، بل مسؤولية دولة.


وهذه المدرسة لم تتغير بتغير الملوك. من عبدالعزيز إلى سلمان، بقي أمن الإنسان السعودي وسيادة هذه الأرض في صميم مسؤولية الدولة. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، جاءت السياسة السعودية في منطقة شديدة الاضطراب على المعادلة ذاتها: بناء القوة والقدرات، والتحرك دبلوماسياً لخفض التصعيد، والعمل في الوقت نفسه على أن تستمر حياة المواطن واقتصاد وطنه وتنميته بأكبر قدر من الأمن والاستقرار.


ولذلك، حين تبلغ الخصومة منتهاها، لا يعود السؤال كم تستطيع الدولة أن تصبر، بل كم يملك المعتدي من الحكمة قبل أن يستنفد مساحة الصبر التي مُنحت له.


السعودية لا تحتاج أن تثبت لأحد أنها دولة سلام؛ مواقفها ومساعيها تقول ذلك. كما أنها لا تحتاج أن تثبت قدرتها على حماية نفسها؛ تاريخها وقدراتها يقولان ذلك أيضاً. وبين الاثنين تقف قاعدة أقدم من الأزمة الراهنة: لا نعتدي، ولا نطلب الحرب، ولا نغلق باب الحكمة، لكن أمن الإنسان السعودي وسيادة أرضه ومقدرات وطنه ليست ثمناً يُدفع لإبقاء ذلك الباب مفتوحاً.


هذه بلاد عبدالعزيز الذي وحّد الأرض وأرسى الأمن، وسلمان الذي صان الأمانة، ومحمد بن سلمان الذي يبني قوة الحاضر ومناعة المستقبل. ثلاثة أجيال، وأمانة واحدة: أن تبقى السعودية آمنة عزيزة، وأن يبقى السعودي آمناً في وطنه. تغيرت الأزمنة والأدوات، ولم يتغير العهد مع هذه الأرض. نصبر لأننا نعرف قيمة السلام، ونحزم حين يصبح الحزم واجباً؛ فإذا بلغ الصبر منتهاه، لم تكن السعودية قد تخلت عن حكمتها، بل تكون الحكمة نفسها قد قالت كلمتها.

15:56 | 9-09-2026

الاندماج والاستحواذ.. لا تقع في حب الصفقة

ليست كل صفقة كبيرة صفقة جيدة، وبعض أفضل الصفقات في عالم الأعمال هي تلك التي امتلك أصحابها الشجاعة الكافية لعدم إتمامها. فالمشكلة في الاستحواذ الخاطئ أنك لا تشتري شركة فقط؛ قد تشتري معها ديونها، ونزاعاتها، وعقودها السيئة، ومشكلاتها التشغيلية، وأحياناً مستقبلاً لم تكن تخطط له.

ولهذا فإن بعض أكثر الأخطاء فداحة في عالم الأعمال تبدأ، للمفارقة، بفرصة بدت في لحظتها رائعة. شركة تريد أن تكبر، وأخرى تبدو مكملة لها، وأرقام أولية مغرية، وربما انسجام بين أصحاب القرار؛ فيكبر الحماس وتتسارع المفاوضات، ثم يأتي التوقيع، وبعده تظهر الأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح قبله. ومع ذلك، يظل الاندماج والاستحواذ من أقوى أدوات بناء الشركات وتوسيعها وإعادة تشكيلها؛ فمن خلال صفقة مدروسة تستطيع الشركة دخول سوق جديدة، أو امتلاك تقنية، أو زيادة حصتها السوقية، أو تنويع إيراداتها، أو إعادة هيكلة نشاطها. وفي سوق سريعة التحوّل، قد لا تكون الصفقة طريقاً للنمو فحسب، بل أداة للاستدامة والبقاء.

ولهذا استوقفني حديث المهندس عبدالله العبيكان، رئيس مجلس إدارة غرفة الرياض، في منتدى الجوانب القانونية للاندماج والاستحواذ للشركات والفرص الاستثمارية، عندما وضع في مقدّمة التفكير في الاندماج سؤالاً أراه أساسياً: «حرّر لماذا نندمج». فالـ«لماذا» ليست سؤالاً إنشائياً؛ على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية أن يعرفا بدقة ماذا يريدان من الصفقة: سوقاً جديدة؟ تقنية؟ حصة سوقية؟ كفاءة تشغيلية؟ أم أن القرار تحركه حماسة عابرة أو علاقة شخصية أو الرغبة في أن تصبح الشركة أكبر؟ فالحجم ليس إستراتيجية، والاستحواذ ليس إنجازاً لمجرد أنه تم.

وبعد تحديد الهدف تأتي البدائل. فالشركة الذكية لا تقع في حب الصفقة قبل أن تسأل إن كانت تحتاج إليها أصلاً. ربما تحقق الغاية حصة إستراتيجية، أو مشروع مشترك، أو تحالف تجاري، أو شراء أصل أو تقنية، بدلاً من الاستحواذ على شركة كاملة. والسؤال الصحيح ليس فقط: هل الشركة المستهدفة جيدة؟ بل: هل هذه الصفقة هي أفضل وسيلة لتحقيق هدفنا؟

وهنا تظهر قيمة المستشار القانوني قبل صياغة العقد، لا بعدها. فمن الخطأ أن يصل المحامي بعدما تكون الأطراف قد اتفقت تجارياً على كل شيء، وكأن مهمته تحويل الاتفاق إلى صفحات قانونية. فالهيكل نفسه جزء من القرار الاستثماري: هل تُشترى الأسهم أم الأصول؟ هل يتم الاستحواذ دفعة واحدة أم على مراحل؟ ما الموافقات المطلوبة؟ وما الالتزامات التي ستنتقل أو تبقى؟ أحياناً يغيّر اختيار الهيكل مخاطر الصفقة بقدر ما يغيرها السعر.

ثم تأتي المرحلة التي قد تحدد مصير ملايين الريالات: الفحص النافي للجهالة (Due Diligence)، وهو أوسع كثيراً من مراجعة المحامي للعقود. فالفحص القانوني يبحث في الدعاوى والعقود والتراخيص والالتزامات والملكية الفكرية والعمالة وبنود تغيّر السيطرة، بينما يختبر المالي جودة الإيرادات والديون والتدفقات والتوقعات، وينظر الضريبي والتجاري والتشغيلي والإداري إلى التزامات الشركة وسوقها وعملائها وأنظمتها وموظفيها وقدرتها على الاندماج. فقد تكون الشركة سليمة قانونياً لكنها لا تستحق السعر المطلوب، وقد تبدو أرقامها ممتازة بينما تعتمد نسبة مؤثرة من إيراداتها على عميل يستطيع المغادرة غداً. والفحص الجيد لا يبحث عن شركة بلا عيوب؛ بل يميّز بين الملاحظة العابرة والمخاطرة الجوهرية التي تؤثر في السعر أو الهيكل أو القرار نفسه.

واكتشاف المخاطر لا يعني بالضرورة قتل الصفقة، بل قد يعني إعادة هندستها. فقد تقود نتائج الفحص إلى تخفيض السعر، أو ضمانات وتعويضات، أو استبعاد أصل أو التزام، أو وضع جزء من المقابل في حساب ضمان، أو ربطه بالأداء المستقبلي، أو معالجة خطر قبل الإغلاق. فالمحامي الجيد لا يكتفي بإخبار موكله بوجود الخطر؛ بل يساعده على تحديد من يتحمله، وكيف يُسعّر، وكيف ينعكس في العقد.

ولهذا فإن ما يبدو توفيراً في كلفة المشورة قبل الصفقة قد يتحول إلى واحد من أغلى بنودها بعد إتمامها. وأتعاب صفقة لم تتم قد تكون من أفضل الأموال التي أنفقتها الشركة إذا كشف الفحص أنها لم تكن تستحق أن تتم أصلاً. وأحياناً تكون أفضل نصيحة يقدّمها المستشار لموكله: لا تشترِ.

لكن التوقيع ليس نهاية الاختبار. بعد الإغلاق تبدأ مهمة دمج الإدارات والأنظمة والثقافات، والمحافظة على الموظفين والعملاء الرئيسيين، وتحقيق القيمة التي بُني عليها سعر الصفقة. فليس كل كيان أكبر كياناً أقوى، وليس كل استحواذ نمواً.

وهنا تكمن أهمية هذه الأداة للشركات السعودية اليوم. ففي اقتصاد يتوسع، وقطاعات يعاد تشكيلها، وشركات عائلية تنتقل بين الأجيال، وتقنيات تغير نماذج الأعمال بسرعة، قد يكون الاندماج والاستحواذ أداة للنمو أو إعادة الهيكلة أو دخول قطاع جديد أو بناء شركة أكثر قدرة على الاستمرار.

وفي النهاية، مجلس الإدارة لا يُطلب منه أن يحب الصفقة، بل أن يتخذ بشأنها قراراً مستنيراً. وجود البدائل، وجودة المعلومات، والمخاطر التي كُشفت، كلها جزء من جودة القرار. وأحياناً لا يكون نجاح المجلس في إتمام الصفقة، بل في امتلاك الشجاعة للتراجع عنها.

لذلك يبدأ النجاح قبل غرفة التفاوض، عندما يجلس مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بعيداً عن بريق الأرقام وحماس الصفقة، ويجيبان بصدق عن السؤال الأول: لماذا؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، تُدرس البدائل، ويُختار الهيكل، وتُفحص الصفقة وتُوزع مخاطرها، ثم يأتي السعر والعقد والتوقيع. أما إذا لم نستطع تحرير «لماذا» من البداية، فربما يكون أفضل قرار استثماري نتخذه هو ألا نندمج أصلاً.

00:00 | 4-09-2026