أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1770304478&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

احترام الجوار... قيمة قبل أن يكون نظامًا

ليست الدول العظيمة تلك التي تتسع لكل شيء، بل تلك التي تعرف ما الذي يجب أن تحميه. فالقوة الحقيقية لا تظهر حين تُفتح مساحة التعبير بلا حدود، بل حين تبقى هذه المساحة منضبطة بقيم المجتمع ومصالح الدولة واحترام الآخرين.

وقد أعادت واقعة شهدتها منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية تسليط الضوء على هذا المبدأ، بعدما تضمّنت إساءة لقيادات دولة شقيقة، الأمر الذي استدعى تدخل الجهات المختصة وفق ما تقضي به الأنظمة. ولم تكن أهمية الواقعة في تفاصيلها بقدر ما كانت في ما كشفته من حاجة دائمة إلى التذكير بالفارق بين حرية التعبير وبين تجاوز الحدود التي تمس حقوق الآخرين أو تضر بالمصالح والعلاقات التي تحرص الدولة على صونها.

واللافت في هذه الواقعة لم يكن فقط الموقف من المخالفة ذاتها، بل الطريقة المؤسسية التي جرى التعامل معها. فقد باشرت هيئة تنظيم الإعلام دورها النظامي في رصد المحتوى والتحقق من مخالفته، قبل اتخاذ الإجراءات المقررة وإحالته إلى النيابة العامة لاستكمال ما يلزم نظامًا. وهذه في حد ذاتها صورة من صور الدولة السعودية المعاصرة التي تعمل عبر اختصاصات واضحة ومتكاملة، بما يضمن أن تبقى سيادة القانون فوق ردود الأفعال والانفعالات العابرة.

ولم يكن ما عبّر عنه وزير الإعلام في تعليقه على الواقعة سوى امتداد لنهج سعودي راسخ، يقوم على احترام الدول الشقيقة والصديقة وصون العلاقات التي بنتها المملكة عبر عقود طويلة من الحكمة والاتزان. فهذه القيم لم تنشأ مع حادثة بعينها، بل تمثل جزءًا من المدرسة السياسية التي أرستها القيادة السعودية وجعلت من الاحترام المتبادل وحسن الجوار أحد الثوابت التي تحكم علاقات المملكة بمحيطها الإقليمي والدولي.

وليس من قبيل المصادفة أن تحظى هذه القيمة بمثل هذا الحضور في الوعي السعودي. فالعلاقات التي جمعت المملكة بمحيطها الخليجي لم تُبنَ في السنوات الأخيرة فقط، بل امتدت جذورها إلى السنوات الأولى لتأسيس الدولة، حين رسّخ الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – مبادئ الأخوة وحسن الجوار والمصير المشترك في علاقاته مع قادة المنطقة. ومنذ ذلك الحين، ظل احترام الجوار أحد الثوابت التي لم تتغير بتغير الظروف أو الأجيال، بل تعززت مع الوقت وأصبحت جزءًا من هوية الدولة وسياستها.

ولهذا، فإن الموقف من مثل هذه التجاوزات لا يُفهم بوصفه رد فعل على إساءة فردية فحسب، بل بوصفه حماية لقيمة أوسع، ترى في احترام الآخرين واحترام قيادات الدول الشقيقة والصديقة جزءًا من احترام المملكة لنفسها ولمكانتها ولدورها في المنطقة.

فالعلاقات بين الدول لا تُبنى في قاعات السياسة وحدها، بل تُبنى أيضاً في وعي الشعوب وسلوك الأفراد. ولهذا، فإن حماية الاحترام المتبادل بين الدول ليست شأناً دبلوماسياً فحسب، بل مصلحة وطنية تحمي صورة الدولة ومكانتها ومكتسباتها السياسية، وتحافظ على الرصيد الذي بُني عبر سنوات طويلة من الثقة والاحترام المتبادل.

ولعل ما يستحق التأمل أن بعض الناس ما زالوا يخلطون بين حرية التعبير وبين الحق في الإساءة. والحقيقة أن الفارق بينهما هو الفارق بين الحرية والفوضى. فحرية التعبير حق أصيل ومهم، لكنها ليست حقًا مطلقًا يتجاوز حقوق الآخرين أو يمس كرامتهم أو يخل بالنظام العام أو يسيء إلى العلاقات التي تحرص الدولة على حمايتها وصيانتها.

ولهذا لم يكن من المستغرب أن تتعامل الأنظمة السعودية بوضوح مع مثل هذه الأفعال، وأن تضع لها إطارًا نظاميًا يوازن بين حرية الرأي وبين حماية المجتمع ومصالح الدولة وعلاقاتها الخارجية. فالدولة السعودية المعاصرة لا تحمي حرية التعبير فقط، بل تتجاوز ذلك إلى حماية البيئة التي تجعل هذه الحرية ممكنة ومثمرة ومسؤولة؛ لأن المساس بالعلاقات التي تحرص الدولة على حمايتها أو التحريض على ما يضر بها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا شخصيًا عابرًا، بل باعتباره مساسًا بجانب من جوانب النظام العام الذي تلتزم الدولة بحمايته وصيانته.

كما أن الكلمة في العصر الرقمي لم تعد شأنًا فرديًا محدود الأثر. فعبارة واحدة قد تتجاوز حدود صاحبها لتنعكس على صورة مجتمع بأكمله أو تُستغل للإساءة إلى علاقات بنتها الدول عبر سنوات طويلة من الثقة والتعاون. ولهذا أصبحت المسؤولية في استخدام المنصات الرقمية أكبر من أي وقت مضى.

الاحترام الحقيقي لا يظهر حين تتفق المصالح... بل حين تُحترم القيم.

ولعل القيمة الأهم التي تستحق أن تُقرأ خلف هذه الواقعة أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات أو نفوذ، بل أيضًا بقدرتها على حماية قيمها الأساسية حين تُختبر. والمملكة العربية السعودية، وهي تؤكد عبر مؤسساتها وأنظمتها رفض الإساءة إلى قيادات الدول الشقيقة والصديقة، لا تدافع عن علاقة عابرة أو موقف مؤقت، بل تؤكد مبدًأ راسخًا مفاده أن احترام الجوار قيمة أصيلة في وجدان الدولة والمجتمع، قبل أن يكون نصاً في نظام أو مادة في لائحة.

فليس كل ما يمكن قوله ينبغي أن يُقال، وليست كل مساحة متاحة للكلام مساحة مباحة للإساءة. وبين الحرية والمسؤولية تبقى هناك قيمة كبرى حافظت عليها المملكة طويلًا، وستظل تحافظ عليها: أن احترام الآخرين لا ينتقص من حرية الإنسان، بل يعكس رقي المجتمع واتساقه مع القيم التي أرستها الدولة.

منذ 3 ساعات

الأمن السعودي.. قصة نجاح صامتة

من أخطر ما يفعله الاعتياد بالإنسان أنْ يجعله يتوقف عن ملاحظة النعم الكبرى. وحين يعيش المواطن سنوات طويلة وهو يمارس حياته بصورة طبيعية، ويتنقل بين المدن، ويقضي أعماله، ويطمئن على أسرته، فقد ينسى أن ما يراه أمراً اعتيادياً هو في الحقيقة واحد من أعظم إنجازات الدول الحديثة.

ولهذا، فإن الأمن السعودي لم يكن يوماً شعاراً يُرفع، بل واقع ظاهر للعيان، وقصة نجاح هادئة اعتادها الناس حتى كادت تختفي من أحاديثهم رغم حضورها في كل تفاصيل حياتهم.

ولعل الأيام والأسابيع الأخيرة قدّمت مثالاً حياً على هذه الحقيقة. ففي الوقت الذي نجحت فيه المملكة في إدارة موسم حج استثنائي شارك فيه ملايين البشر من مختلف الجنسيات والخلفيات، كانت المنطقة من حولنا تشهد تحديات وأحداثًا مؤسفة تذكر الجميع بأن الأمن والاستقرار ليسا أمراً تلقائيًا، بل إنجاز يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات يقظة ورؤية طويلة المدى.

فنجاح الحج لا يُختزل في الخدمات أو البنية التحتية أو التقنيات الحديثة فحسب، بل يعكس في جوهره مستوى الاستقرار الذي تنعم به المملكة. فالأمن ليس مجرد غياب للجريمة أو التهديد، بل قدرة الدولة على إدارة التعقيد بكفاءة، وضمان سلامة الإنسان أينما كان، مهما كان حجم التحديات.

وفي عالم نشهد فيه بين حين وآخر حوادث فردية أو جماعية تمس أمن الأفراد أو حرمة الممتلكات أو هيبة النظام في بعض المجتمعات، يدرك الإنسان السعودي حجم النعمة التي يعيشها في مملكة الحزم، حين يعلم أن اللجوء إلى القوة أو التهديد أو فرض النفوذ خارج إطار الدولة أمر لا يجد له موطئ قدم في المجتمع السعودي، حيث تبقى الكلمة العليا للنظام، والمرجع الأخير للدولة وحدها. وحين يصبح الاحتكام إلى الدولة أمراً بديهياً، ويتراجع منطق القوة الفردية أو النفوذ الشخصي أمام سلطة النظام، فذلك ليس مجرد أمن.. بل نضج دولة.

ولهذا، فإن الأمن في المملكة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره غياباً للجريمة أو التهديد فقط، بل باعتباره جزءاً من مشروع دولة متكامل. فالتنمية تحتاج إلى أمن، والاستثمار يحتاج إلى أمن، والتعليم يحتاج إلى أمن، والسياحة تحتاج إلى أمن، وحتى جودة الحياة التي أصبحت أحد مستهدفات رؤية المملكة 2030 لا يمكن أن تتحقّق دون بيئة مستقرة يشعر فيها الإنسان بالطمأنينة والثقة.

ومن هنا، فإن ما تحقّق في المملكة لم يكن صدفة تاريخية ولا نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة رؤية واضحة جعلت الأمن والاستقرار في مقدمة الأولويات؛ ولهذا أصبح الأمن السعودي أحد أهم عناصر الثقة في الدولة، وأحد أهم أسباب جاذبية الاقتصاد السعودي، ومصدراً رئيسياً لطمأنينة المواطن والمقيم والزائر على حد سواء.

وهناك من ينظر إلى هذه الحقيقة وكأنها أمر اعتيادي، بينما هي في واقع الأمر واحدة من أعقد قصص النجاح التي بنتها الدولة السعودية عبر عقود طويلة. فالأمن لا يُصنع بالصدفة، ولا يستمر بالشعارات، بل يُبنى بالمؤسسات والكفاءات وسيادة النظام والقدرة على استباق المخاطر والتعامل معها قبل أن تتحوّل إلى أزمات.

وقد يكون من المفارقات أن أعظم النجاحات هي تلك التي لا يلاحظها الناس إلا عند غيابها. فحين تستيقظ كل صباح وأنت مطمئن على نفسك وأسرتك ومستقبلك، فإنك تعيش قصة نجاح كاملة قد لا تتصدر العناوين كل يوم، لكنها حاضرة في كل يوم.

ولهذا، فإن الأمن السعودي ليس مجرد مؤشر ضمن مؤشرات التنمية، ولا مجرد ملف من ملفات الدولة، بل أحد أعمدة المشروع الوطني السعودي الحديث. وهو قصة نجاح صامتة لأنها لا تحتاج إلى كثير من الحديث بقدر ما تحتاج إلى التأمل في واقع يعيشه الناس كل يوم، ويعرفون قيمته أكثر كلما نظروا إلى ما يحدث حولهم.

وفي النهاية، قد تختلف الدول في مواردها وفرصها وإمكاناتها، لكن تبقى هناك حقيقة ثابتة: أن الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه كل النجاحات الأخرى. وما تعيشه المملكة اليوم من استقرار وطمأنينة ليس مجرد نعمة تستحق الامتنان فحسب، بل إنجاز وطني كبير يستحق أن يُروى وأن يسجل لقادم الأجيال.

00:00 | 5-06-2026

نجاح موسم الحج ليس محض صدفة

حين يغادر ملايين الحجاج المشاعر المقدسة بعد أيام معدودة، قد تبدو الصورة في ظاهرها وكأنها نجاح موسمي يتكرر كل عام. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فإدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية على وجه الأرض، واستقبال ملايين البشر القادمين من عشرات الثقافات واللغات والجنسيات، ثم تمكينهم من أداء مناسكهم بطمأنينة وانسيابية، ليست مهمة يمكن أن تتحقق بالاجتهاد الآني أو المعالجات المؤقتة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الخبرة والرؤية والتخطيط والاستثمار.


ولهذا فإن نجاح موسم الحج ليس محض صدفة.


فمنذ أن تشرّفت المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين، أدرك قادتها أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مجرد مسؤولية إدارية، بل شرف تاريخي وأمانة مستمرة تتجدد مع كل موسم. ولهذا لم يكن التطوير يوماً رد فعل لاحتياج طارئ، بل نهجاً ثابتاً تتسلم فيه كل مرحلة ما أنجزته المرحلة التي قبلها، ثم تضيف إليه وتبني عليه.


وعلى امتداد العقود الماضية شهد الحرمان الشريفان والمشاعر المقدسة مشاريع توسعة وتطوير متلاحقة، لكن ما يميّز المرحلة الحالية هو أن مفهوم الخدمة نفسه تغير. فلم يعد النجاح يقاس فقط بحجم التوسعات أو عدد المشاريع، بل بجودة التجربة التي يعيشها الحاج منذ لحظة اتخاذ قرار السفر وحتى عودته إلى بلده.


وهنا تتجلى إحدى أهم ثمار رؤية المملكة 2030.


فالرؤية لم تنظر إلى ضيف الرحمن باعتباره رقماً ضمن إحصاءات سنوية، بل باعتباره محور التجربة كلها. ومن هذا المنطلق جرى الاستثمار في البنية التحتية، والخدمات الرقمية، ووسائل النقل، والرعاية الصحية، وإدارة الحشود، وتطوير المشاعر المقدسة، ورفع كفاءة الكوادر البشرية، لتتحول رحلة الحج إلى منظومة متكاملة تعمل بتناغم استثنائي هدفها الأول خدمة الحاج وتيسير رحلته الإيمانية.


ولعل من أبرز ما يلفت الانتباه اليوم أن كثيراً من الخدمات التي كانت تُعد قبل سنوات تحديات كبرى أصبحت جزءاً طبيعياً من التجربة. إجراءات أكثر سهولة، وتنقل أكثر انسيابية، وخدمات صحية وأمنية عالية الكفاءة، ومنظومات تقنية تعمل خلف المشهد على مدار الساعة. حتى بات كثير من الحجاج يركزون على أداء مناسكهم أكثر من انشغالهم بالتفاصيل التشغيلية التي كانت تستنزف الجهد والوقت في السابق.


ولم يعد ضيف الرحمن يتعامل مع رحلته بوصفها سلسلة من الإجراءات المتفرقة، بل كتجربة متكاملة تبدأ قبل وصوله إلى المملكة بوقت طويل، وتستمر حتى عودته إلى بلده. فالتأشيرات، والخدمات الرقمية، وإدارة التنقل، والرعاية الصحية، والتوجيه والإرشاد، باتت تعمل ضمن منظومة واحدة هدفها أن ينشغل الحاج بمناسكه أكثر من انشغاله بالتفاصيل التشغيلية المحيطة بها. وهذه في حقيقتها ليست مجرد خدمات، بل انعكاس لفلسفة إدارية كاملة تضع الإنسان في مركز التجربة.


ولعل أجمل ما في هذا التحول أن كثيراً من الحجاج لا يرون حجم الجهد المبذول خلفه. فهم يرون رحلة أكثر سهولة، وتنقلاً أكثر انسيابية، وخدمات أكثر كفاءة، لكن ما لا يُرى هو آلاف الكفاءات، والأنظمة التقنية، والخطط التشغيلية، والاستثمارات الضخمة التي تعمل في الخلفية لتجعل هذه التجربة ممكنة بهذا المستوى من الجودة.


وهنا يكمن النجاح الحقيقي.


فالإنجاز لا يتمثل في بناء مشروع جديد فحسب، بل في قدرة الدولة على جعل هذا المشروع جزءاً طبيعياً من تجربة الإنسان دون أن يشعر بحجم الجهد المبذول خلفه. وهذه واحدة من أصعب المعادلات الإدارية في العالم؛ أن تعمل آلاف الجهات وعشرات الآلاف من الكفاءات والمتطوعين في تناغم دقيق، بينما تبدو الأمور للحاج وكأنها تسير بسلاسة طبيعية.


ولا يمكن قراءة هذا التحوّل بمعزل عن الرؤية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي جعلت جودة الحياة، وكفاءة الخدمات، ورفع مستوى الأداء المؤسسي أهدافاً عملية قابلة للقياس والتنفيذ. وما نشهده اليوم في الحج ليس سوى أحد النماذج الحية على قدرة الرؤية على تحويل الطموحات الكبرى إلى نتائج يلمسها الناس بصورة مباشرة.


وربما لهذا السبب لم يعد نجاح الحج يُقاس بعدد الحجاج فقط، بل بقدرة المملكة على الارتقاء المستمر بجودة التجربة عاماً بعد عام. فالمعيار الحقيقي لم يعد في استيعاب الأعداد وحده، بل في الارتقاء بمستوى الخدمة، ورفع جودة الحياة داخل المشاعر المقدسة، وتعزيز شعور الحاج بالطمأنينة والكرامة والاهتمام منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.


ولهذا فإن النجاح المتكرر لمواسم الحج لم يعد مجرد قصة نجاح تشغيلية تُروى في نهاية كل عام، بل أصبح شاهداً على مشروع دولة متكامل وضع ضيوف الرحمن في قلب اهتمامه، وجعل من خدمتهم معياراً للتميّز، ومن راحتهم غاية تتسابق إليها مؤسسات الدولة عاماً بعد عام.


ومن ينظر إلى المشهد من هذه الزاوية سيدرك أن ما يحدث في الحج أكبر من موسم، وأعمق من مشروع، وأبعد من أرقام وإحصاءات؛ إنه امتداد لرسالة حملتها هذه البلاد منذ تأسيسها، وطورتها جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت خدمة ضيوف الرحمن واحدة من أبرز الصور التي يرى من خلالها العالم قدرة المملكة على الجمع بين شرف المسؤولية، وكفاءة الإدارة.

19:47 | 31-05-2026

وسط العاصفة... لماذا بدت السعودية أكثر ثباتاً؟

من المقالات اللافتة التي تستحق التوقف مؤخراً، مقال الإعلامي والكاتب الأستاذ جميل الذيابي المنشور في صحيفة «عكاظ» بعنوان: «محمد بن سلمان ودبلوماسية التوازن لإطفاء النيران».

لم يكن المقال قراءة عابرة لحدث سياسي ساخن، بقدر ما كان محاولة لالتقاط المعنى الأعمق لما جرى ويجري في المنطقة؛ كيف تتحرك الدول الكبيرة عندما يفقد الإقليم توازنه، وكيف تتحوّل الحكمة أحيانًا إلى خط الدفاع الأول عن الأوطان، قبل الجيوش وقبل الصواريخ.

والحقيقة أن المقال في جمال طرحه وتماسك فكرته لا يحتاج إلى إشادة إضافية؛ فبعض المقالات الجيدة تفرض احترامها بذاتها، وتتحدث بلغتها الخاصة دون حاجة إلى التصفيق لها.

فقد أشار الأستاذ جميل الذيابي بذكاء إلى الطريقة التي أدارت بها المملكة توازناتها خلال الأزمة الأخيرة؛ لا بلغة الانفعال، ولا بمنطق الاصطفافات الحادة، بل بعقلية الدولة التي تدرك أن دورها الحقيقي في المنطقة يتجاوز ردود الفعل الآنية إلى حماية الاستقرار الإقليمي نفسه. كما التقط جانباً مهماً في شخصية القيادة السعودية المعاصرة؛ تلك القيادة التي تتحرك بثقة، وتعرف متى تتدخل، ومتى تُهدئ، ومتى تجعل من الحكمة أداة نفوذ لا مجرد موقف سياسي.

لكن ما استوقفني في المقال ليس فقط حديثه عن «دبلوماسية التوازن»، بل ما كشفته الأزمة الأخيرة من حقيقة أكبر: أن المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد دولة تحاول تجنّب العواصف، بل أصبحت دولة تملك من القوة السياسية والاقتصادية والمؤسسية ما يجعلها أكثر ثباتاً وسط العاصفة نفسها.

وهنا تتجلى الحقيقة الأهم.

فالمشهد الذي عاشته المنطقة خلال الفترة الأخيرة لم يكن مجرد نجاح سياسي عابر، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السعودية على الحفاظ على توازنها بينما كانت عواصم كثيرة تعيش حالة إعادة تموضع وقلق مفتوح. وفي مثل هذه اللحظات تحديداً، لا تظهر قوة الدول في خطاباتها، بل في قدرتها على حماية الداخل، واستمرار الاقتصاد، والمحافظة على ثقة المجتمع والأسواق معاً.

فقد كان المشهد السعودي مختلفاً باقتدار؛ لا ارتباك في الداخل، ولا تعطّل في الاقتصاد، ولا لغة هلع في الخطاب العام. كانت الحياة اليومية تسير بهدوء لافت، وكأن الدولة تقول بهدوء إنها تعرف جيداً كيف تدير اللحظات الصعبة دون أن تنقل القلق إلى المجتمع. وهنا تحديداً تظهر قيمة ما بُني بصمت خلال السنوات الماضية؛ فالقوة الحقيقية للدول لا تظهر في أوقات الرخاء، بل في الطريقة التي تُدار بها لحظات القلق الكبرى. وهذا تحديداً ما بدا واضحاً في المشهد السعودي خلال الفترة الأخيرة؛ هدوء في الداخل، واستمرار في التنمية، وثقة اقتصادية لم تهتز، ودولة تمارس دورها الطبيعي بينما كانت المنطقة كلها تعيش حالة ترقب واضطراب.

واليوم، بات رأس المال يهرب من المناطق القلقة قبل أن تبدأ الأزمات فيها فعلياً، ولهذا بدت السعودية وكأنها ترسل رسالة مختلفة: أن الاستقرار لم يعد مجرد ميزة داخلية، بل أصبح أحد أهم أصولها الاقتصادية أمام العالم.

ولم يكن هذا المشهد وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من إعادة بناء الثقة الاقتصادية ومناعة الدولة خلال السنوات الماضية.

لقد أثبتت الأزمة الأخيرة أن رؤية 2030 لم تكن مجرد مشروع اقتصادي لتحسين الإيرادات أو بناء المدن الحديثة فحسب، بل مشروعاً لبناء دولة أكثر مناعة وقدرة على الصمود أمام التحوّلات الكبرى، وأكثر جاهزية للتعامل مع عالم مضطرب ومتغيّر.

ولعل ما يلفت الانتباه أكثر خلال السنوات الأخيرة، أن المملكة لم تعد تُقرأ فقط بوصفها قوة اقتصادية صاعدة، بل بوصفها مدرسة متكاملة في إدارة التوازنات الدولية والإقليمية. وهي المدرسة التي قاد ملامحها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عبر نهج سياسي ناضج يقوم على استقلال القرار، وضبط التوازنات، وتقديم الاستقرار بوصفه مصلحة دولية لا سعودية فحسب.

فمن الحرب الروسية الأوكرانية، إلى التقارب الإقليمي، إلى محاولات تهدئة النزاعات في المنطقة، وصولاً إلى بناء جسور الحوار بين قوى متنافسة، بدت المملكة وكأنها تتحرك بعقلية الدولة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالصخب، بل بالقدرة على أن تكون نقطة توازن موثوقة وسط عالم مضطرب.

ولهذا بدت السعودية أكثر هدوءاً من غيرها خلال الأزمة الأخيرة؛ فالدولة الواثقة من اقتصادها، ومن مشروعها الداخلي، ومن موقعها الدولي، لا تتصرف بردود فعل متوترة، ولا تحتاج إلى المزايدة لإثبات حضورها، بل يكفي أن تستمر الدولة في العمل، وأن تستمر عجلة التنمية، وأن يشعر المواطن والمستثمر معاً أن هناك دولة تعرف إلى أين تتجه مهما ارتفعت حرارة الإقليم.

وربما هنا يمكن فهم بعض المعاني العميقة التي تحدث عنها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين وصف المملكة بأنها ستكون «أوروبا الجديدة». فالمسألة لم تكن مجرد وصف اقتصادي أو طموح استثماري، بل تصور لدولة مستقرة، جاذبة، قابلة للحياة والنمو، وقادرة على أن تكون مركزاً عالميًا للطاقة والاستثمار والسياسة في آنٍ واحد.

ولهذا ربما ينظر السعوديون اليوم إلى الاستقرار بوصفه أكثر من مجرد شعور بالأمان؛ بل باعتباره نتيجة مشروع دولة كامل بُني عبر سنوات من العمل الهادئ، وتعزيز الاقتصاد، ورفع كفاءة المؤسسات، وترسيخ الثقة داخليًا وخارجيًا. ففي عالم مضطرب تتغيّر فيه التحالفات والأسواق بسرعة، تصبح الدولة المستقرة ثروة بحد ذاتها، ويصبح استمرار الحياة بصورة طبيعية، واستمرار التنمية، وثقة المواطن والمستثمر معاً، أحد أهم أشكال القوة الحديثة التي نجحت المملكة في ترسيخها خلال السنوات الأخيرة بالحكمة والرؤية والاتزان.

00:24 | 25-05-2026

كيف يعيش بعض النجوم طويلاً؟

في عالم الفن، لا تبدو المشكلة الحقيقية في الوصول إلى الشهرة، بل في القدرة على البقاء داخلها دون أن يفقد الإنسان نفسه. فالنجاح السريع أصبح ممكنًا أكثر من أي وقت مضى، لكن السقوط أيضًا أصبح أسرع، وأصبحت المسافة بين «النجم الصاعد» و«الاسم الذي يختفي بهدوء» أقصر بكثير مما كانت عليه سابقًا.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: كيف ينجح الفنان؟

بل: كيف يعيش طويلًا في ذاكرة الناس؟

فالنجومية الحديثة لم تعد قائمةً على الموهبة وحدها، مهما كانت استثنائية، بل على القدرة على إدارة هذه الموهبة بوعي طويل المدى. وهنا يبدأ الفرق بين من يحقق نجاحًا مؤقتًا، ومن يتحول إلى اسم يحافظ على احترام الناس ومكانته لسنوات طويلة.

كثير من الفنانين يحققون وهجًا سريعًا مع أول نجاح جماهيري، ثم يبدأ التحول التدريجي في صورتهم الذهنية؛ يتغير الخطاب، ويتضخم الحضور الشخصي، ويصبح التعامل مع الجمهور والإعلام والزملاء قائمًا على فكرة «النجم الذي لا يُمس». وفي كثير من الأحيان، لا يكون السقوط بسبب ضعف الموهبة، بل بسبب سوء إدارة النجاح نفسه.

فالشهرة بطبيعتها تختبر الإنسان أكثر مما تكافئه.

وهذا لا يخص الفنانين وحدهم. فكل إنسان يتحول إلى «نجم» في مجاله سواء في الفن أو الرياضة أو الإعلام أو الأعمال يدخل في اختبار مختلف تمامًا. فالصعود المهني قد يمنح الإنسان حضورًا واسعًا، لكنه يكشف أيضًا طريقته في التعامل مع الناس، وقدرته على الحفاظ على تواضعه، ومدى وعيه بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الشهرة.. بل بكيفية حملها.

ولهذا، فإن صناعة النجومية في العالم اليوم لم تعد تُترك للعفوية وحدها. ففي هوليوود مثلًا، توجد فرق كاملة ومتخصصون فقط في إدارة الصورة الذهنية للمشاهير؛ لأن المسألة لم تعد مرتبطة بالموهبة فقط، بل بكيفية إدارة الحضور، والعلاقة مع الجمهور، وطريقة الظهور الإعلامي، وفهم أثر كل كلمة أو تصرف على المدى الطويل.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يعيش بعض النجوم طويلًا في وجدان الناس، بينما يختفي آخرون رغم النجاح السريع أو الأرقام الكبيرة.

وفي تقديري، فإن الفنان هشام ماجد يقدم نموذجًا ذكيًا في هذا الجانب، ليس فقط بسبب نجاحه الفني، بل بسبب الطريقة التي أدار بها هذا النجاح. فالرجل، رغم ما حققته أعماله من حضور جماهيري وإيرادات كبيرة، ما زال يحتفظ بصورة ذهنية هادئة ومتزنة، بعيدة عن الضجيج أو التعالي أو استنزاف الحضور الإعلامي بصورة مبالغ فيها.

طريقته في التعامل مع زملائه، وحضوره الإعلامي الهادئ، وخفة ظله الطبيعية، وعلاقته البسيطة مع الجمهور، كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جزء من فهم عميق لكيفية بناء اسم يعيش طويلًا. فالناس قد تُعجب بالموهبة، لكنها في النهاية تحترم الإنسان الذي ينجح دون أن يتحول نجاحه إلى عبء على من حوله.

وفي رأيي، فإن هذا النوع من الوعي هو ما يجعل أسماء معينة قادرة على البقاء طويلًا داخل ذاكرة الجمهور العربي، لا كنجوم موسميين، بل كأسماء تتحول مع الوقت إلى جزء من تاريخ الفن نفسه. ولهذا، لا أستغرب أن يستمر هشام ماجد كواحد من الأسماء المؤثرة والراسخة في السينما المصرية والعربية خلال السنوات القادمة؛ لأن المسألة لم تعد موهبة فقط.. بل فهم لكيفية إدارة الموهبة نفسها.

كما أن ما يحدث اليوم في السوق السينمائية السعودية يؤكد أن المنطقة كلها تدخل مرحلة مختلفة تمامًا من صناعة الترفيه. فالأرقام التي بدأت تحققها بعض الأعمال داخل المملكة تعكس سوقًا تتطور بسرعة، وجمهورًا أصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا، وصناعة لم تعد هامشية كما كانت قبل سنوات قليلة. وهذا يعني أن مفهوم «النجم» نفسه سيتغير، لأن الاستمرار في هذه المرحلة لن يعتمد فقط على الموهبة، بل على القدرة على إدارة الاسم، والحضور، والعلاقة مع الناس، والإعلام، والسوق.

فالنجومية في النهاية ليست مجرد موهبة أمام الكاميرا، بل وعي كامل بكيفية العيش تحت الضوء دون أن يبتلعك الضوء نفسه.

ولهذا، فإن بعض النجوم ينجحون مرة.. بينما القليل فقط يعرف كيف يبقى طويلًا.

00:53 | 22-05-2026

الوطن أولاً.. هذا ما أكدته النيابة العامة

لم يكن بيان النيابة العامة الأخير بشأن تجريم كل ما من شأنه المساس بالوحدة الوطنية أو إثارة النعرات والكراهية مجرد تذكير بنصوص نظامية أو تحذير قانوني عابر، بل تأكيداً واضحاً على واحدة من أهم الحقائق التي قامت عليها الدولة السعودية وهي أن الانتماء الأعلى في هذه الدولة هو للوطن أولاً، وما عداه يبقى داخل هذا الإطار الوطني الجامع، لا فوقه ولا بديلاً عنه.

وفي الحقيقة، فإن الدولة السعودية، منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- نجحت في تحويل هذا التنوع الاجتماعي إلى هوية وطنية جامعة، أصبح فيها الانتماء السعودي هو السقف الأعلى الذي يلتقي تحته الجميع، مهما اختلفت الامتدادات والأسماء والخلفيات الاجتماعية. ولهذا، فإن القبائل والعوائل والمكوّنات الاجتماعية بقيت جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، لكن داخل إطار أكبر اسمه الدولة السعودية الحديثة، التي جعلت المواطنة والانتماء الوطني المعيار الأعلى الذي يجمع الجميع.

ولهذا، فإن نجاح أي سعودي في الرياضة أو الاقتصاد أو العلم أو الإدارة لا يُختزل في القبيلة أو العائلة أو المنطقة التي ينتمي إليها، لأن الإنجاز في النهاية يُضاف أولاً إلى رصيد الوطن نفسه. فحين يتفوق أحد أبناء هذا الوطن، فإن المستفيد الحقيقي ليس مكوّناً اجتماعياً بعينه، بل الدولة السعودية التي صنعت البيئة، وفتحت الفرصة، وبنت الاستقرار الذي سمح لهذا النجاح أن يتحقّق.

ومن هنا تحديداً، تصبح الخطابات التي تُعيد الناس إلى الانتماءات الضيقة، أو تحاول تصوير المجتمع وكأنه مجموع ولاءات متنافسة، ليست مجرد تجاوز اجتماعي، بل سلوكاً يمس وحدة المجتمع وتماسكه، وهو ما تعامل معه النظام السعودي بوضوح، حين اعتبر الدعوات أو الأفعال التي تمس الوحدة الوطنية أو تثير النعرات والكراهية من السلوكيات المجرّمة نظاماً، إدراكاً لما قد تخلقه من أثر يتجاوز الأفراد إلى استقرار المجتمع نفسه.

واللافت أن المملكة، رغم هذا الحزم الواضح في حماية الوحدة الوطنية، لا تتعامل مع المسألة بوصفها مواجهة اجتماعية، بل بوصفها حماية للسلم المجتمعي والنظام العام. ولهذا جاءت المعالجة ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح، يربط بين أمن المجتمع واستقرار الدولة وتجريم كل ما يؤدي إلى الفرقة أو التحريض أو الكراهية.

وفي هذا السياق، تؤكد النيابة العامة مجدّداً دورها بوصفها إحدى أهم أدوات حماية النظام العام والسلم المجتمعي، ليس فقط عبر تطبيق النصوص النظامية، بل من خلال ترسيخ الوعي بأن حرية التعبير لا تنفصل عن مسؤولية الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه.

وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تضخيم أي خطاب متوتر خلال ساعات، تبدو هذه الرسائل أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالكلمات لم تعد مجرد آراء عابرة، بل أصبحت قادرة على تشكيل وعي جمعي، أو خلق احتقان، أو إعادة إنتاج انقسامات تجاوزها المجتمع منذ عقود طويلة. وربما كانت أخطر الانقسامات هي تلك التي تبدأ على هيئة كلمات عابرة.. ثم تتحوّل مع الوقت إلى وعي مشوّه يرى المجتمع كجزر منفصلة لا كوطن واحد.

ومن يقرأ تاريخ الدولة السعودية المعاصرة يدرك أن أحد أعظم إنجازاتها لم يكن فقط بناء الاقتصاد أو المؤسسات، بل بناء هوية وطنية استطاعت أن تجمع هذا التنوع الاجتماعي الكبير داخل مشروع دولة مستقر ومتجانس. ولهذا، فإن الحفاظ على اللُحمة الوطنية لم يعد مجرد خطاب معنوي، بل جزءاً من حماية الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة نفسها.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم في بيان النيابة العامة لم تكن فقط التذكير بالعقوبات، بل التأكيد على أن الدولة السعودية تنظر إلى الوحدة الوطنية باعتبارها خطاً سيادياً لا يقبل العبث أو المزايدة أو الاستغلال، خصوصاً في فضاء رقمي مفتوح قد تتحوّل فيه بعض العبارات العابرة إلى أدوات لإثارة الانقسام أو التشكيك في تماسك المجتمع.

وختاماً، فإن الأوطان لا تُحمى فقط بالحدود أو الأنظمة، بل أيضاً بحماية المعنى الذي يجمع الناس تحت اسم وطن واحد. وحين تؤكد الدولة، عبر مؤسساتها العدلية والقانونية، أن الانتماء الأعلى هو للسعودية أولاً، فهي لا تصادر التنوع الاجتماعي، بل تحميه من أن يتحوّل إلى بديل عن الوطن نفسه، وتؤكد أن قوة المملكة لم تكن يوماً في تشابه مكوّناتها.. بل في قدرتها على توحيدها تحت راية واحدة وهوية وطنية واحدة.

00:01 | 15-05-2026

بين الجوازات والمرور والعمل.. عندما يكتمل الحق ولا ينتهي الملف

في بعض الحالات داخل سوق العمل، تنتهي العلاقة العمالية بصورة كاملة بين العامل وصاحب العمل، وتُسدد الحقوق، وقد تُغلق الجوانب القضائية والعمالية المرتبطة بالحالة، ثم تبدأ بعد ذلك مرحلة مختلفة تماماً من التعقيد. فالعامل قد تبقى باسمه مركبة قائمة، أو مخالفات مرورية، أو وثائق غير مكتملة، أو ارتباطات تقنية داخل الأنظمة المرتبطة، فتتعذر لاحقاً إجراءات الخروج النهائي أو إغلاق الملف بصورة كاملة، رغم انتهاء العلاقة النظامية فعلياً.


وهنا لا يعود الإشكال متعلقاً بالنزاع الأصلي أو بالحق العمالي ذاته، بل بحالة تنفيذية معلقة بين أكثر من جهة؛ بين الجوازات والمرور والعمل والأنظمة المرتبطة بها. وفي مثل هذه الصور، قد يبقى العامل داخل السوق بصورة غير مستقرة مهنياً، بينما يبقى صاحب العمل عالقاً في التزامات أو ارتباطات مستمرة، رغم تنفيذه جميع التزاماته الأساسية.


هذه المشكلة، وإن بدت محدودة في ظاهرها، إلا أنها تكشف جانباً مهماً في طبيعة الأسواق الحديثة؛ فالتحدي لم يعد دائماً في غياب الأنظمة، بل أحياناً في التشابكات التنفيذية الدقيقة التي تظهر داخل المنظومات الكبرى، خصوصاً في البيئات التي شهدت تحولاً رقمياً وتنظيمياً واسعاً بحجم ما تشهده المملكة اليوم.


ومن المهم التأكيد أن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة في التحول الرقمي والتكامل بين الجهات المختلفة يُعد نقلة نوعية كبيرة في البيئة التنظيمية السعودية، سواء على مستوى العمل أو الجوازات أو المرور أو المنصات المرتبطة بها. فقد أسهمت هذه التحولات في رفع كفاءة الإجراءات، وتسريع الخدمات، وتقليل كثير من التعقيدات التقليدية التي كانت تستغرق سابقاً وقتاً وجهداً أكبر بكثير.


ولهذا، فإن الحديث عن هذه الحالات لا يُفهم باعتباره انتقاداً لجوهر المنظومة، بل قراءة طبيعية لمرحلة متقدمة من التطوير المؤسسي، حيث تظهر أحياناً بعض الحالات التنفيذية الدقيقة التي تحتاج إلى مزيد من التكامل والمعالجة السريعة حتى لا تتحول إلى تشوهات صامتة داخل السوق.


وفي الحقيقة، فإن أثر هذه الحالات يتجاوز أطراف العلاقة نفسها. فبقاء عمالة منخفضة الكفاءة أو متعثرة نظامياً داخل السوق، رغم انتهاء العلاقة المهنية فعلياً، لا ينعكس فقط على صاحب العمل، بل قد يخلق مساحة ضبابيه تؤثر تدريجياً على جودة سوق العمل وكفاءة المنافسة واستقطاب الكفاءات الحقيقية.


وهنا تظهر إحدى أهم الزوايا المرتبطة برؤية المملكة 2030؛ فالرؤية لم تُبنَ على فكرة زيادة الأعداد بقدر ما بُنيت على رفع جودة السوق، وتحسين بيئة الأعمال، واستقطاب الكفاءات القادرة على الإضافة الحقيقية للاقتصاد. ولذلك، فإن معالجة هذه الحالات لا ترتبط فقط بالجوانب الإجرائية، بل بجودة السوق نفسه وقدرته على التخلص من التشوهات غير المنتجة.


كما أن معالجة هذه الملفات لا تعني التشدد أو التضييق على العمالة الوافدة، فالمملكة كانت ولا تزال من أكثر الدول حرصاً على حماية الحقوق التعاقدية والإنسانية للعامل وصاحب العمل معاً. لكن في المقابل، فإن الأسواق المتقدمة لا تُقاس فقط بوجود الأنظمة، بل بقدرتها على إغلاق الملفات المكتملة نظامياً دون أن تبقى معلقة بسبب تعقيدات إجرائية متفرقة.


ولعل من أبرز المعالجات الممكنة لهذه الحالات، بناء مسار تنفيذي موحد وسريع للحالات التي يثبت فيها انتهاء العلاقة النظامية وتنفيذ الالتزامات الأساسية، مع بقاء التعثر في الجانب الإجرائي فقط. ومن بين الحلول التي قد تسهم في رفع كفاءة المعالجة:


1. إنشاء لجنة أو مسار موحد للحالات التنفيذية العالقة، يضم الجهات المرتبطة بالحالة، بما يسمح بمعالجة الملفات المتشابكة ضمن إطار زمني واضح.


2. تعزيز التكامل الإلكتروني بين الجوازات والمرور والعمل، بحيث تنتقل البيانات والإجراءات بصورة أكثر ترابطاً، وتُغلق الملفات المكتملة نظامياً دون الحاجة إلى دورات إجرائية طويلة.


3. منح مهلة تصحيح نهائية خاضعة للإشراف التنظيمي، للحالات التي يثبت فيها حسن النية وتنفيذ الالتزامات الأساسية، مع وجود تعذر تقني أو إداري خارج إرادة الأطراف.


واللافت في هذا النوع من الملفات، أن التحدي لا يكون عادة في إصدار القرار، بل في استمرارية متابعته حتى يتحول إلى أثر فعلي على الأرض. فكثير من الأنظمة والمبادرات حول العالم تبدأ بزخم كبير، ثم تتراجع تدريجياً بين بطء الإجراءات وتعدد الجهات.


أما ما يحدث اليوم في المملكة، فيعكس نمطاً مختلفاً في إدارة الملفات الكبرى؛ حيث لم تعد القرارات تُطرح باعتبارها استجابة مؤقتة، بل تُدار ضمن رؤية طويلة المدى تقوم على المتابعة، وقياس الأثر، وتسريع التنفيذ، وربط الجهات المختلفة بهدف واضح ومحدد. وهذا أحد أهم الفوارق التي صنعت التحول الذي تشهده المملكة اليوم، وجعلت كثيراً من المبادرات تنتقل من مرحلة الإعلان.. إلى مرحلة التأثير الحقيقي.


وفي النهاية، فإن نجاح الدول الكبرى لا يقاس فقط بسنّ الأنظمة أو قوة النصوص، بل بقدرتها على إدارة «المناطق الرمادية» الصغيرة قبل أن تتحول إلى ظواهر تؤثر على كفاءة السوق وجودة البيئة التنظيمية نفسها. أما حين تُدار هذه التفاصيل بعقلية مؤسسية متكاملة، فإنها تتحول من عبء إداري صامت.. إلى فرصة جديدة لتعزيز جودة الحوكمة وثقة السوق في الدولة وأجهزتها.

19:55 | 10-05-2026

الرياض.. حيث تصنع الحلول

لفترة طويلة، كان الحديث عن العقار في الرياض يدور في دائرة شبه ثابتة؛ أسعار ترتفع، طلب يتزايد، وأحاديث لا تنتهي عن أزمة المعروض، وصعوبة التملك، واتساع الفجوة بين النمو العمراني والقدرة الفعلية على الوصول إلى السكن. وفي خضم هذا الجدل، كان كثيرون ينظرون إلى برامج التوازن العقاري بوصفها مجرد مبادرات تنظيمية أو ضخ أراضٍ في أطراف بعيدة لا تمس جوهر الأزمة الحقيقي.

لكن ما يحدث اليوم يشير إلى شيء مختلف تماماً.

فالإعلان الأخير عن بدء تطوير البنية التحتية لعدة مواقع ضمن المرحلة الأولى من برنامج التوازن العقاري، في مواقع حيوية داخل الرياض، يكشف أن الدولة انتقلت من مرحلة الطرح النظري إلى مرحلة إعادة تشكيل المعروض العقاري فعلياً على الأرض. نحن نتحدث عن مشاريع تشمل تطوير شبكات الطرق، والصرف، والكهرباء، والاتصالات، والتجهيزات التنفيذية الكاملة، على مساحات واسعة داخل مناطق تشكّل جزءاً مهماً من الامتداد العمراني للمدينة. وهذا في جوهره ليس مجرد تطوير أراضٍ، بل بناء جاهزية عمرانية متكاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الأرض والسكن والاستثمار.

الأهم من ذلك أن هذه التحركات جاءت في مواقع ذات قيمة حقيقية داخل المدينة، لا في أطراف بعيدة يصعب تحويلها إلى بيئة عمرانية قابلة للحياة. وهذه نقطة جوهرية، لأن جزءاً من التشكيك الذي صاحب ملف التوازن العقاري كان مبنياً على تصور أن المعالجة ستقتصر على ضخ أراضٍ لا تمثل إضافة فعلية للسوق. لكن ما يظهر اليوم هو أن المعالجة تتجه إلى قلب المعادلة العقارية نفسها، عبر رفع جاهزية الأراضي القادرة فعلاً على استيعاب التطوير والسكن والخدمات.

فالرياض لم تعد تنتظر أن تُنتج السوق توازنها وحدها.

الدولة نفسها دخلت إلى قلب المعادلة.

وهنا تحديداً يظهر الفرق بين الحلول الشكلية والحلول المؤسسية. فالدول الجادة لا تعالج أزمة العقار بالتصريحات، بل بإنتاج المعروض، ورفع الجاهزية، وتقليص الفجوة بين الأرض الخام والأرض القابلة للتطوير. لأن جزءاً كبيراً من أزمة العقار تاريخياً لم يكن في ندرة الأراضي بقدر ما كان في محدودية الأراضي المطورة فعلياً، القادرة على استقبال التطوير والسكن والخدمات.

ومن يراقب المشهد العقاري في الرياض خلال السنوات الأخيرة، يلاحظ أن التحوّل لم يعد قائماً على ردود الأفعال المؤقتة، بل على تدخل أكثر عمقاً وتنظيماً. ففكرة «التوازن العقاري» لم تعد شعاراً اقتصادياً، بل بدأت تتحوّل تدريجياً إلى أدوات تنفيذية على الأرض، تُعيد تشكيل العلاقة بين المعروض والطلب بطريقة أكثر استدامة.

وهذا ما يفسر أن التركيز لم يعد فقط على البناء، بل على ما قبل البناء: البنية التحتية، التخطيط، الربط، والجاهزية العمرانية. لأن المدن لا تُبنى بالمخططات الورقية وحدها، بل بقدرتها على التحوّل إلى بيئة حقيقية قابلة للحياة والاستثمار.

كما أن ما يحدث اليوم يعكس فهماً متقدماً لطبيعة العقار بوصفه ملفاً يتجاوز فكرة الاستثمار الفردي أو المضاربة قصيرة المدى. فالعقار في المدن الكبرى يرتبط بالاقتصاد، والتنقل، وجودة الحياة، والاستقرار الاجتماعي، وجاذبية المدينة نفسها للاستثمار والكفاءات والشركات.

ومن هنا، فإن تدخل الدولة في هذا الملف لم يعد يُقرأ باعتباره تدخلاً في السوق، بل تدخلاً لإعادة تنظيم توازناته، ورفع كفاءته، ومنع تحوّله إلى عبء اقتصادي أو اجتماعي على المدينة وسكانها.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم في كل ما يحدث اليوم هي أن القيادة تنظر إلى ملف الإسكان والعقار باعتباره جزءاً من حياة المواطن اليومية، لا مجرد أرقام في تقارير اقتصادية. ولهذا، فإن المعالجة لم تأتِ عبر حلول سريعة أو إعلامية، بل عبر بناء طويل النفس يبدأ من الأرض نفسها، ومن جاهزيتها، ومن قدرتها على التحوّل إلى معروض فعلي داخل مدينة تُعد اليوم واحدة من أسرع مدن العالم نمواً.

واللافت في هذا النوع من الملفات، أن التحدي لا يكون عادة في إصدار القرار بقدر ما يكون في استمرارية تنفيذه ومتابعته حتى يتحوّل إلى أثر حقيقي على الأرض. فكثير من المدن والأسواق حول العالم شهدت مبادرات لافتة تبدأ بزخم كبير، ثم تتراجع تدريجياً مع الوقت، أو تتعثر بين تعدد الجهات وبطء التنفيذ.

أما ما يحدث اليوم في الرياض، فيعكس نمطاً مختلفاً في إدارة الملفات الكبرى؛ حيث لم تعد القرارات تُطرح باعتبارها استجابة مؤقتة، بل تُدار ضمن رؤية طويلة المدى تقوم على المتابعة، وقياس الأثر، وتسريع التنفيذ، وربط الجهات المختلفة بهدف واضح ومحدد. وهذا أحد أهم الفوارق التي صنعت التحوّل الذي تشهده المدينة اليوم، وجعلت كثيراً من المبادرات تنتقل من مرحلة الإعلان.. إلى مرحلة التأثير الفعلي.

وفي المحصلة، فإن الرياض لم تعد مدينة تنتظر الحلول، بل أصبحت مدينة تُصنع فيها الحلول بهدوء، وعلى نطاق واسع، وبعقلية تدرك أن استقرار المدن لا يتحقّق فقط بارتفاع الأبراج.. بل بقدرة الإنسان على العيش فيها.

23:40 | 7-05-2026

من اقتصاد نفطي إلى نظام موثّق قابل للاستدامة

ليس من السهل على أي دولة أن تختصر تحوّلاتها في عقدٍ واحد، لكن الأصعب من ذلك أن تتحوّل هذه التحوّلات من أرقام تُعلن، إلى نظام يُبنى، ويُقاس، ويُراجع نفسه باستمرار. هنا تحديداً، يمكن قراءة التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، لا بوصفه سجلاً للإنجاز، بل بوصفه مرآة لطبيعة التحّول الذي جرى في العمق.

فالمسألة لم تعد كما اعتدنا في قياس مقدار ما تحقق، بل في الكيفية التي تحقق بها. لأن الدول قد تنجح في تسجيل نمو، أو تحسين مؤشرات، لكن القليل منها فقط من ينجح في تحويل ذلك إلى بنية مؤسسية قادرة على الاستمرار، لا تتأثر بظرف، ولا ترتبط بموجة، ولا تُدار برد فعل.

لهذا، فإن قراءة الاقتصاد السعودي اليوم لم تعد تحتمل الاختزال في «النفط». فمركز الثقل بدأ يتحرك بهدوء؛ إذ لم تعد الأنشطة غير النفطية مجرد مكمّل، بل أصبحت تمثل أكثر من نصف الاقتصاد، وتدفع نموه بوتيرة مستقرة. وهذا التحول، في جوهره، ليس رقماً يُذكر، بل إعادة تعريف لطبيعة الاقتصاد ذاته، من مورد واحد إلى منظومة مصادر.

وما يعزز هذه القراءة أن النمو لم يعد مرتبطاً بطفرة عابرة، بل جاء مصحوباً بدرجة من التوازن يصعب تجاهلها؛ تضخمٌ في حدود مستقرة، وبطالة تتراجع مقارنة بنقطة الانطلاق، وناتجٌ ينمو مدفوعاً بقطاعات تتوسع بثبات. وهذه ليست مجرد مؤشرات إيجابية، بل إشارات على أن الاقتصاد لم يعد يتحرك بعشوائية السوق، بل بمنطق إدارة واعية.

وهنا يبرز البُعد الذي قد لا يلتفت إليه كثيرون: البُعد القانوني والمؤسسي لهذا التحول. فحين تتحول الرؤية إلى منظومة قائمة على القياس، والحوكمة، وربط الأداء بالمؤشرات، فإننا لا نتحدث عن تطوير إداري فحسب، بل عن إعادة صياغة العلاقة بين القرار والنتيجة. تصبح السياسات قابلة للتقييم، والبرامج قابلة للمساءلة، والأداء جزءاً من نظام لا يعتمد على الاجتهاد الفردي بقدر ما يستند إلى قواعد واضحة.

ولعل أكثر ما يكشف ذلك هو طبيعة ما يعرضه التقرير نفسه؛ إذ لا يكتفي بعرض ما تحقق، بل يضعه في سياق قابل للمراجعة، ويُظهر نسب التقدم، ويُبقي مساحة التصحيح مفتوحة. وهذه اللغة تعكس لغة القياس وهي التي تميّز بين إنجاز ظرفي، ومنظومة قابلة للاستمرار.

اليوم، ومع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة، يتغير السؤال. لم يعد التحدي في بناء القطاعات أو إطلاق المبادرات، بل في تعظيم الأثر، ورفع الكفاءة، وضمان أن ما تحقق لا يتوقف عند حدٍ معين. وهي مرحلة بطبيعتها أكثر صرامة، لأنها تقوم على ما سبق بناؤه، وتفترض قدرة أعلى على الانضباط والتنفيذ.

ومن يقرأ التقرير بهذا المنظور، يدرك أن ما جرى خلال السنوات الماضية لم يكن استجابة لظرف اقتصادي، بل تأسيساً لمسار قادر على الاستمرار رغم التقلبات العالمية والإقليمية، واستطاع أن ينجح في الحفاظ على توازنه، وهو ما يصعب تحقيقه دون قاعدة مؤسسية متماسكة.

هذا لا يعني أن التحديات قد انتهت، أو أن الطريق بات خالياً من التعقيدات. لكن الفارق الجوهري اليوم أن هذه التحديات لم تعد مفاجئة، ولا تُدار بشكل ارتجالي، بل ضمن إطار واضح من القياس والتقييم والتصحيح. وهو ما يمنح هذا التحوّل قيمة مختلفة، تتجاوز التفاؤل، إلى طمأنينة مبنية على فهم آلية العمل.

فقد أوفت القيادة بما وعدت به في تأسيس هذا التحوّل. ليس فقط في تحقيق نتائج ملموسة، بل في بناء منظومة تجعل استمرار هذه النتائج أمراً ممكناً. وهي النقطة التي قد لا تظهر بوضوح لمن يكتفي بقراءة السطح، لكنها تتجلى عند النظر إلى البنية التي تحكم هذا المسار.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا تحقق؟

وهنا، تتجاوز الإجابة حدود الأرقام، لتعود إلى الفكرة التي انطلقت منها هذه الرؤية منذ البداية؛ تلك الرؤية التي قادها عرّابها، سمو ولي العهد، حين قال: «هدفي الأول أن تكون بلادنا نموذجاً ناجحاً ورائداً في العالم على كافة الأصعدة».

فلم تكن هذه العبارة توصيفاً لطموح، بقدر ما كانت رسماً لمسار.

ومع مرور عقدٍ من الزمن، لم يعد السؤال: هل يمكن الوصول إلى هذا النموذج؟ بل: كيف يتم ترسيخه.. واستدامته.

00:01 | 1-05-2026

5 تحوّلات مضيئة في نظام التنفيذ الجديد

منذ الإعلان عن ملامح نظام التنفيذ الجديد، بدأ يتشكّل انطباع أولي لدى البعض مفاده أن ما جرى لا يتجاوز كونه تخفيفاً لأدوات الضغط على المدين، وأن إلغاء بعض الممارسات التقليدية كسجن المدين، أو التوسع في منعه من السفر قد يعني تراجعاً في قوة التنفيذ. هذا الانطباع، وإن بدا مفهوماً في ظاهره، إلا أنه لا يصمد أمام قراءة أعمق لما يحمله النظام من إعادة صياغة دقيقة لمنطق التنفيذ نفسه.

فما حدث في الحقيقة ليس تقليصاً للضغط، بل إعادة توجيه له. لم يعد التنفيذ يستند إلى الضغط على المدين بشخصه بوصفها وسيلة لإجبار المدين، بل أصبح موجّهاً إلى ذمته المالية، حيث يوجد الحق فعلياً. وهذا التحول لا يُضعف التنفيذ، بل ينقله من وسيلة قد تُرهق الأطراف دون جدوى، إلى منظومة تستهدف محل الالتزام ذاته بكفاءة أعلى.

ومن خلال قراءة متأنية للنظام، يمكن الوقوف على خمسة تحوّلات رئيسية تمثل جوهر هذا التغيير.

1. مسؤولية مشتركة:

لم يعد التنفيذ قائماً على افتراض أن المدين وحده يتحمل كامل العبء، بل أصبحت العلاقة أكثر توازناً. فالدائن اليوم مطالب ببناء قراره الائتماني على معلومات واضحة، والتحقق من الضمانات قبل التعاقد، وعدم الاكتفاء بالثقة المجردة. وفي المقابل، أصبح المدين ملزماً بالإفصاح عن أمواله وتحمّل التزاماته بشفافية. هذه المسؤولية المشتركة تعيد ضبط العلاقة من جذورها، وتحد من الممارسات التي كانت تقوم على غياب المعلومات أو سوء التقدير.

2. تتبع مالي واضح:

التحول الأهم يتمثل في الانتقال من الضغط على الشخص إلى تتبع المال. فالنظام الجديد لا يكتفي بإقرار هذا المبدأ، بل يدعمه بأدوات عملية تشمل تعزيز الإفصاح، وربط الجهات ذات العلاقة، وتمكين الوصول إلى المعلومات المالية، بل والاستعانة بجهات متخصصة عند الحاجة. وهذا يعني أن التنفيذ لم يعد مرهوناً بتعاون المدين فقط، بل أصبح مدعوماً بمنظومة قادرة على الوصول إلى الأصول بشكل أكثر دقة وفاعلية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذه التحولات تمثل نافذة تنفيذية متقدمة للدائن، لا من زاوية التيسير، بل من زاوية الفاعلية. فالإشكال الذي لازم التنفيذ طويلاً لم يكن في ثبوت الحق، بل في الوصول إلى المال. أما اليوم، ومع اتساع نطاق الإفصاح، وتعزيز الربط بين الجهات، وتفعيل أدوات تتبع الأصول، فإن الوصول إلى محل الالتزام أصبح أكثر وضوحاً وانضباطاً.

3. مسار رقمي:

لم يعد التنفيذ سلسلة من الإجراءات المتفرقة، بل أصبح مساراً رقمياً متكاملاً يبدأ من تسجيل السند التنفيذي عبر المنصات المعتمدة، ويمتد إلى متابعة الطلب وتنفيذ الإجراءات، وصولاً إلى الوصول إلى المعلومات المالية عبر الربط الإلكتروني. هذه الرقمنة لا تختصر الزمن فحسب، بل تقلل من التباين في التطبيق، وترفع مستوى الشفافية، وتجعل النظام أكثر قابلية للتنبؤ، وهي عناصر أساسية في أي بيئة قانونية جاذبة للاستثمار.

4. أدوات منضبطة:

الإجراءات التنفيذية لم تُلغَ، بل أُعيد ضبطها. فالتدابير مثل منع السفر، أو الحجز، أو غيرها من الوسائل، أصبحت مرتبطة بضوابط أكثر دقة، بما يضمن استخدامها في موضعها الصحيح، دون إفراط أو تعسف. وهذا يعكس انتقالاً من استخدام الأدوات كوسائل ضغط عامة، إلى توظيفها كأدوات قانونية مرتبطة بسلوك المدين ومدى التزامه.

5. حلول مرنة:

النظام الجديد لا يكتفي بفرض الالتزام، بل يتيح مسارات لمعالجته. فتمكين المدين من المبادرة بالسداد، أو اقتراح بيع بعض أصوله، أو إعادة ترتيب وضعه المالي، كلها أدوات تعكس فهماً أعمق لطبيعة العلاقة التنفيذية. الهدف لم يعد فقط إنهاء النزاع، بل إدارة العلاقة بشكل يحفظ استمرارية الأطراف داخل الاقتصاد.

هذه التحوّلات الخمسة، حين تُقرأ معاً، تكشف أن نظام التنفيذ الجديد لا يخفف من الضغط، بل يعيد تعريفه. فهو ينتقل من ضغط قد يُصيب الشخص دون أن يحقق الغاية، إلى ضغط موجّه نحو المال، مدعوماً بأدوات تقنية وتنظيمية أكثر فاعلية.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن المسار العام الذي تنتهجه المملكة في رفع جودة الأنظمة وتعزيز كفاءة إنفاذها. فبناء منظومة تنفيذ رقمية، وربط الجهات، وتمكين الوصول إلى المعلومات، كلها خطوات تعكس نضجاً مؤسسياً تقوده وزارة العدل باقتدار، وبما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء بيئة قانونية مستقرة، شفافة، وجاذبة للاستثمار.

وفي المحصلة، فإن من يقرأ النظام الجديد بوصفه تخفيفاً على المدين، قد يكون نظر إلى الشكل دون الجوهر. أما القراءة الأعمق، فتُظهر أننا أمام نموذج أكثر دقة وانضباطاً، لا يُضعف التنفيذ، بل يجعله أقرب إلى تحقيق العدالة في صورتها العملية.. حيث يُستوفى الحق من محله، دون أن يتحول التنفيذ إلى عبء خارج غايته.

00:00 | 24-04-2026