أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1770304478&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

بين منع الحرب وحقِّ الرد... أين تقف السعودية؟

لم تعد المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد تصعيد عسكري محدود في نطاق جغرافي ضيق. فمع انتقال الردود الصاروخية إلى استهداف مواقع داخل دول الخليج، دخلت الأزمة مرحلة مختلفة، حيث باتت السيادة الوطنية وأمن الإقليم في صلب المعادلة. وفي هذا التحوّل، لم يعد السؤال متعلقًا بتوازنات القوى الكبرى فحسب، بل بكيفية تموضع الدول الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية، بين محاولة منع الحرب وحماية أمنها عندما تُفرض عليها.

في هذا السياق المتسارع، يقتضي فهم الموقف السعودي العودة خطوة إلى الوراء. فقبل اندلاع الضربات، كانت الرياض تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا لمسار المواجهة. تقارير دولية أشارت إلى أن المملكة، ومعها عواصم خليجية، أبلغت واشنطن بوضوح مخاوفها من أن أي عمل عسكري واسع ضد إيران قد يفتح الباب أمام تصعيد غير قابل للضبط، ويهدّد أمن الطاقة، ويضع الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية في دائرة الخطر. وفي ذلك السياق أكّدت السعودية أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها منطلقاً لأي هجوم، في تموضع يعكس إدراكًا بأن الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى محدودة، وأن آثارها تتجاوز أطرافها المباشرين.

ذلك الموقف لم يكن حيادًا سلبيًا، بل تموضعًا استراتيجيًا يقوم على أولوية منع الحرب قدر الإمكان. فالمملكة التي تقود تحولًا اقتصاديًا واسعًا تدرك أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لاستمرار التنمية، وأن أي مواجهة مفتوحة مع إيران، أو محاولة لإسقاط نظامها بالقوة، قد تنتج فراغًا أمنيًا واضطرابًا ممتدًا في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسيًا.

غير أن المعادلة تبدلت مع انتقال الرد الإيراني إلى استهداف مواقع داخل عدد من الدول الخليجية، وصولًا إلى مناطق داخل المملكة. هنا لم يعد الحديث عن حرب تدور في نطاق بعيد، بل عن مساس مباشر بسيادة دول عربية. واستهداف أراضٍ ذات سيادة، أيًا تكن مبرراته، ينقل الأزمة من مستوى الصراع بين قوى كبرى إلى مستوى الاعتداء على الحدود الوطنية، وهو تحوّل جوهري في طبيعة المشهد.

البيانات السعودية التي صدرت عقب ذلك جاءت منسجمة مع هذا التحوّل في السياق. فقد أدانت المملكة الاعتداءات ووصفتها بانتهاك سافر للسيادة ومبادئ القانون الدولي، وأكّدت تضامنها الكامل مع الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن، في تأكيد واضح على أن أمن الخليج لا يتجزأ. وفي الوقت ذاته شدّدت على أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على أي عدوان.

هذا الانتقال من محاولة منع الحرب إلى التأكيد على حق الرد لا يمثّل ازدواجية في المبدأ، بل تغيرًا في الظروف. فالدولة التي سعت إلى تجنيب المنطقة مواجهة واسعة ليست ملزمة بقبول أن تصبح ساحة لها. وفي إطار القانون الدولي، يشكّل احترام سيادة الدول قاعدة أساسية لتنظيم استخدام القوة. كما يقر ميثاق الأمم المتحدة بحق الدفاع عن النفس عند التعرّض لاعتداء مسلح، شريطة أن يكون الرد متناسبًا وضروريًا. وبين مبدأ الامتناع عن استخدام القوة ومبدأ الدفاع المشروع تتحرك السعودية، مؤكدة أنها لم تكن طرفًا في بدء التصعيد، لكنها تحتفظ بحقها الكامل في حماية أمنها وسيادتها.

وإضافة إلى ذلك، فإن استهداف أراضي دولة لم تعلن الحرب، أو لم تكن منطلقًا مباشرًا لعمل عسكري، يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ عدم توسيع نطاق النزاع إلى دول ثالثة. ومن هذا المنظور، يصبح الدفاع عن السيادة ليس مجرد خيار سياسي، بل التزام قانوني تجاه حماية الإقليم والسكان، وفق القواعد المستقرة في النظام الدولي المعاصر.

في المقابل، لم ينفصل الموقف السعودي عن محيطه الخليجي. فقد جاء التضامن الصريح مع الدول التي طالها الاستهداف ليؤكد أن أمن الخليج وحدة واحدة. هذا التماسك لا يقتصر على بعد رمزي، بل يحمل بعدًا ردعيًا واضحًا؛ إذ إن وحدة الموقف السياسي وتنسيق الرسائل بين العواصم الخليجية يعززان كلفة أي استهداف مستقبلي، ويؤكدان أن التعامل مع أي اعتداء لن يكون مجزأً أو معزولًا. وفي بيئة إقليمية معقدة، يشكّل هذا الاصطفاف المنضبط عنصر استقرار وردع في آن واحد، لأنه يبعث برسالة مفادها أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن أي مساس بدولة منها ستكون له تداعيات أوسع.

ومع ذلك، لم تتجه الرياض إلى خطاب تصعيدي مفتوح، ولم تتبنَّ لغة تتجاوز حدود الدفاع المشروع، بل أبقت تحركها ضمن معادلة ردع منضبطة، مقرونة بدعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه انتهاك السيادة وتقويض استقرار المنطقة. إنها مقاربة تجمع بين حماية الأمن الوطني ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد لا تكون في مصلحة أحد.

هكذا يتضح موقع الرياض في هذه اللحظة المفصلية. فهي ليست طرفًا في حرب سعت إليها، ولا دولة تقف على الهامش. بل قيادة حاولت منع الحرب عندما كان المنع ممكنًا، وتؤكد اليوم حقها في الرد عندما أصبح الاعتداء واقعًا. بين هذين الحدين يتحدد تموضعها: حماية السيادة، وصون الاستقرار، وتعزيز تماسك الخليج، من دون التفريط في حق الدفاع المشروع الذي تكفله المواثيق والقوانين الدولية.

01:06 | 6-03-2026

من خليجنا الواحد.. إلى مصيرنا المشترك

مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من توتر أمني واسع في المنطقة، توقفت حركة الطيران في عدد من المسارات، وتعطلت رحلات، ووجد عدد من المسافرين من دول الخليج أنفسهم عالقين في مطارات المملكة العربية السعودية. في مثل هذه اللحظات، تتقدم الاعتبارات الأمنية على ما سواها، وتبدو القرارات التنظيمية استجابةً طبيعية لظرف استثنائي. غير أن ما تلا ذلك كشف بعداً أعمق من مجرد إدارة أزمة عابرة.


فقد صدرت توجيهات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين باستضافة العالقين من مواطني دول مجلس التعاون، وتوفير كل سبل الراحة لهم إلى حين عودتهم إلى بلدانهم. القرار لم يكن إجراءً لوجستياً فحسب، بل موقف يعكس فهماً لطبيعة العلاقة التي تربط هذه المنطقة ببعضها؛ علاقة لا تقف عند حدود البروتوكول، بل تمتد إلى معنى الجوار حين يُختبر.


المشهد لم يتوقف عند القرار الرسمي. فحين نشرت السفارة القطرية في الرياض تغريدة تدعو مواطنيها إلى التواصل معها لتأمين إقامتهم خلال فترة التعليق، انهالت ردود سعودية تؤكد أن بيوت المملكة مفتوحة لإخوانهم، وأنهم ليسوا ضيوفاً عابرين بل أهل دار. لم تكن تلك العبارات مجرد مجاملة عاطفية، بل انعكاس لعفوية اجتماعية ترى في الخليجي قريباً قبل أن يكون مسافراً، وشريكاً في المصير قبل أن يكون عالقاً.


اعتدنا أن نردد أن «خليجنا واحد»، وكانت عبارة تختصر مشاعر القرب والوشائج التاريخية والاجتماعية بين شعوبه. لكنها ظلّت في كثير من الأحيان تعبيراً وجدانياً نُردده في مناسبات الفرح والتكاتف. غير أن الأزمات تعيد اختبار العبارات الشائعة، وتمنحها معناها الحقيقي. ففي هذه اللحظة لم تعد «خليجنا واحد» مجرد توصيف للّحمة، بل تحوّلت إلى إدراك أعمق بأن المصير في هذه الجغرافيا واحدٌ ومشترك، وأن ما يصيب أحد أطرافه لا يبقى شأناً منفصلاً، بل ينعكس أثره على الجميع.


فالروابط هنا لم تُصنع في قاعات الاجتماعات، بل تشكلت عبر عقود من التداخل الاجتماعي والمصاهرة وتقارب العادات والتقاليد وتشابه أنماط الحياة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول قرار الاستضافة إلى مشهد اجتماعي يختصر حقيقة أبسط؛ أن شعوب الخليج، حين تضيق الظروف، تتصرف بمنطق الأسرة الواحدة.


ولا يمكن فصل هذا التلاحم الشعبي عن رؤية قيادية جعلت استقرار الجوار جزءاً من حساباتها الإستراتيجية. فالتوجيهات لم تأتِ بوصفها لفتة ظرفية، بل امتداد لنهج يدرك أن أمن المنطقة مترابط، وأن ما يمس أحد أطرافها ينعكس أثره على الآخرين. هذا الإدراك هو ما يمنح القرارات بعدها الإنساني قبل بعدها السياسي، ويحوّل الاستجابة إلى رسالة طمأنينة تتجاوز حدود المطار.


الأزمات، بطبيعتها، تكشف ما هو كامن تحت السطح. وقد كشفت هذه الأزمة أن الخليج ليس مجرد إطار جغرافي أو تحالف سياسي، بل نسيج اجتماعي متماسك. قد تتوقف حركة الطيران مؤقتاً، لكن ما بين شعوب الخليج لا يتأثر بقرار إداري أو ظرف أمني عابر.


قد يقال إن العالقين وجدوا أنفسهم في مطارات غير مطاراتهم، لكن الحقيقة الأعمق أنهم وجدوا أنفسهم بين أهلهم. وهنا يتأكد أن ما بدأ عبارةً نرددها عن «خليجٍ واحد» بات اليوم واقعاً يختبره الجميع؛ مصيرٌ مشترك، ومسؤوليةٌ متبادلة، وجوارٌ لا تهزه العواصف الطارئة.

19:04 | 4-03-2026

حين يصبح الاقتصاد خط الدفاع الأول

في تقدير الدول لمصالحها وحسابات استقرارها، لا تكون القرارات الكبرى دائماً صاخبة. قراراتٌ تُفهم قيمتها خارج حدود أرقامها. فقوةُ الدول وحجمُها الفعلي لا يُقاسان بكثرة ما يُعلَن على الورق، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات المصيرية حمايةً للاستقرار. وعندما تُقرر دولة بحجم المملكة العربية السعودية دعم موازنة الحكومة اليمنية بمبلغ 1.3 مليار ريال لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب، فإن القراءة المتأنية لا ترى في القرار مجرد تحويل مالي، بل ممارسة سيادية تعكس فهماً واضحاً لطبيعة الدولة وكيف يُصان توازنها.

فالمسألة في جوهرها ليست رقماً مالياً فحسب؛ فالاقتصاد في الدول التي تمر بظروف دقيقة هو البنية التي يتكئ عليها المجتمع بأكمله. فالدولة التي تتعثر في دفع رواتب موظفيها لا تواجه خللاً إدارياً فقط، بل تبدأ في فقدان أهم عناصر تماسكها: الثقة. وهذه الثقة هي ما يحفظ انتظام السوق، واستقرار الأسرة، وقدرة المؤسسات على الاستمرار.

ومن هنا، فإن دعم بند الرواتب ليس تفصيلاً مالياً عابراً، ولكنه يعكس تثبيتاً لنقطة الارتكاز الأساسية للدولة. فالراتب في مثل هذه الظروف ليس رقماً في كشف حساب، ولكنه سبب رئيسي لطمأنينة الأسرة واستمرار الحياة اليومية بوتيرة لا تحتمل الانقطاع. فانتظام الرواتب يعني بقاء الدورة الاقتصادية فاعلة، واستمرار القوة الشرائية، وتحريك الأسواق، وحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الانكماش.

إن مبلغ الـ1.3 مليار ريال يسهم في انتظام التدفقات المالية الحكومية، ويحد من الاختلالات، ويمنح الإدارة اليمنية مساحةً لأداء وظائفها بعيداً عن ضغط الانقطاع المالي. كما يدعم النشاط التجاري ويهيئ بيئة أكثر قابلية للتعافي التدريجي. وهذه نتائج عملية لاستقرار الدخل واستمرار الإنفاق المنضبط، لا مجرد تقديرات نظرية.

ولا يمكن قراءة هذا القرار خارج سياقه الممتد؛ فمنذ عام 2012 وحتى 2026، بلغ إجمالي ما قدمته المملكة لدعم الاقتصاد اليمني نحو 12.6 مليار دولار، تنوّعت بين ودائع ومنح ومشروعات تنموية. وفي يناير الماضي أُعلن عن حزمة بقيمة 1.9 مليار ريال شملت 28 مشروعاً ومبادرة في قطاعات حيوية كالصحة والطاقة والتعليم. هذا الامتداد يؤكد أن المسألة نهج مستمر، لا استجابة عابرة.

وإذا كان المشهد اليمني يُختزل أحياناً في أبعاده السياسية أو الأمنية، فإن المقاربة السعودية تنظر إليه بوصفه ملفاً تنموياً وإنسانياً أيضاً. فالتنمية لا تقل أهمية عن الأمن، والاستقرار لا يُفرض بالتوازنات السياسية وحدها، بل يُرسّخ بانتظام الخدمات وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

إن حضور المملكة في اليمن ينطلق من قناعة واضحة بأن استقرار الجوار امتداد لاستقرار المنطقة بأسرها. وتأمين ميزانية الرواتب هو تعبير عملي عن دعمٍ يمس حياة المواطن اليمني مباشرة، ويعكس التزاماً عربياً ثابتاً بحق الشعب اليمني في الاستقرار والتنمية، بعيداً عن منطق المقايضة أو الظرفية السياسية.

ويأتي هذا المسار امتداداً لرؤية قيادةٍ وضعت استقرار الجوار في صميم حساباتها الإستراتيجية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة مترابط، وأن دعم الدولة اليمنية ليس موقفاً ظرفياً، بل التزاماً عربياً يعكس إيماناً بحق الشعب اليمني في الاستقرار والتنمية.

ومن منظور إقليمي أشمل، فإن استقرار اليمن ليس شأناً داخلياً منفصلاً، بل عنصراً أساسياً في معادلة أمن الجزيرة العربية. فالجغرافيا مترابطة، والاقتصاد عابر للحدود، وأي اختلال في دورة الدولة ينعكس أثره خارجها. ومن هنا، فإن دعم الموازنة اليمنية يُفهم ضمن رؤية ترى أن تحصين الاقتصاد هو أحد أهم مفاتيح تثبيت الاستقرار الإقليمي.

وهنا تحديداً تتجلى فلسفة الدولة: ليست القوة في ما يُعلن، بل في ما يُثبَّت. وحين تُدار السيادة بعقل اقتصادي راشد، يصبح الدعم استثماراً في الاستقرار لا تكلفةً في الموازنة. فالدول تُقاس بقدرتها على ترسيخ التوازن في محيطها، لا بمجرد حضورها فيه. وما يُضخ اليوم في ميزانيةٍ شقيقة، إنما يُرسّخ غداً معادلة استقرارٍ أوسع، تتجاوز الرقم وتبقى في أثره.

00:25 | 27-02-2026

المحامي ليس طرفاً في النزاع... بل ركيزة في النظام

في أي منظومة عدلية تُبنى على فكرة الدولة وسيادة النظام، لا يُنظر إلى المحامي باعتباره مجرد ممثلٍ لطرف في خصومة، بل بوصفه أحد أركان العملية القضائية ذاتها. فالمحاماة ليست حضوراً شكلياً إلى جوار موكل، ولا صوتاً إضافياً في قاعة المحكمة، وإنما ممارسة لحق أصيل في الدفاع، وتجسيد لمبدأ تكافؤ الفرص أمام القضاء. المحكمة لا تقوم بالقاضي وحده، ولا يكتمل ميزانها إلا بحضور من يصوغ الحجة، ويؤطر النزاع داخل حدوده القانونية، ويُعيد الخصومة من دائرة الانفعال إلى مسارها النظامي الرشيد. ومن هنا، فإن المساس بالمحامي أثناء أداء عمله لا يُقرأ كواقعة فردية، بل كإشارة تمس توازن المنظومة بأكملها.

الحادثة التي شهدتها إحدى المدن العربية مؤخراً، وراح ضحيتها محامية أثناء مباشرتها تنفيذ حكم قضائي في نزاع عقاري، تشير وفق ما تداولته التقارير إلى تعرضها لاعتداء جسيم أثناء وجودها في موقع التنفيذ، أدى إلى سقوطها من شرفة العقار محل التنفيذ، ما أفضى إلى وفاتها، في واقعة ما تزال محل نظر الجهات المختصة. هذه التفاصيل، على قسوتها، لا ينبغي أن تُستحضر بوصفها مادة صادمة، بل باعتبارها لحظة كاشفة تعيد طرح سؤال جوهري: هل تحظى منظومة العدالة، بكل أطرافها، ببيئة عمل آمنة خارج أسوار المحاكم؟

المحامي، بحكم دوره، يتحرك في مناطق التوتر: نزاعات أسرية محتدمة، خلافات مالية متشابكة، ملفات تنفيذ تلامس مصالح حساسة. وهو يفعل ذلك لا بوصفه خصماً، بل بصفته وكيلاً يمارس حقاً أصيلاً للمتقاضي في الدفاع والتمثيل. غير أن الوعي المجتمعي أحيانًا يختزل الصورة، فيرى في المحامي امتداداً لخصومة موكله، لا عنصراً مهنياً داخل إطار نظامي منضبط. وهنا يكمن الخطر؛ لأن تحويل المحامي إلى «طرف شخصي» في النزاع يعني تجريد العدالة من أحد أعمدتها المهنية.

فالأنظمة الحديثة في جوهرها لا تحمي الأشخاص فحسب بقدر ما تحمي الأدوار. فكما تُشدد العقوبات على من يعتدي على القاضي أو رجل الضبط أثناء أداء عمله، فإن المنطق ذاته يقتضي حماية المحامي وهو يمارس وظيفة العدالة. الاعتداء عليه بحكم مهنته يتجاوز الإطار الشخصي ليصبح مساسًا بحق التقاضي، وبمبدأ المساواة أمام القضاء، وبهيبة الحكم الذي صدر باسم النظام.

ومع ذلك، يكشف الواقع العملي أحياناً فجوة بين النصوص وبين بيئة التنفيذ الميداني. فملفات التنفيذ، على وجه الخصوص، قد تشهد احتكاكات مباشرة في بيئات مشحونة، حيث تختلط الانفعالات بالمصالح، وتتجاوز الخصومة حدودها القانونية. وهنا يبرز سؤال التنظيم لا العاطفة: هل تُفعّل المرافقة الأمنية في القضايا الحساسة؟ هل تُقيّم المخاطر مسبقاً قبل مباشرة التنفيذ في نزاعات عالية التوتر؟ هل تُدرج سلامة أطراف المنظومة ومنهم المحامون ضمن اعتبارات التخطيط الإجرائي؟

ولعل من المناسب، في ضوء ما تكرره مثل هذه الحوادث في بعض البيئات، التفكير في جملة من الإجراءات المؤسسية التي تعزز مناعة المنظومة دون تضخيم أو مبالغة. من ذلك: وضع بروتوكولات واضحة لتقييم المخاطر في ملفات التنفيذ ذات الحساسية العالية، وتفعيل التنسيق المسبق بين المحامين وجهات التنفيذ في المواقع التي يُتوقع فيها احتكاك مباشر، وتغليظ الوصف النظامي للاعتداء على من يمارس وظيفة العدالة أثناء أداء مهمته. كما يمكن أن يكون من المفيد إدراج برامج توعوية تعيد ترسيخ الفارق بين الخصومة وبين شخص المحامي، حتى لا يُختزل دوره في وعي بعض الأطراف إلى صورة «خصم» بدل كونه جزءًا من إطار نظامي يحمي الجميع.

هذه المقترحات ليست امتيازاً لفئة مهنية، بل استثمار في استقرار العدالة ذاتها. فالمنظومات الراسخة لا تنتظر الحوادث لتراجع أدواتها، بل تتعلم منها لتعزيز جاهزيتها.

فالثقة هي رأس مال العدالة. وحين يشعر المجتمع أن المحامي يؤدي دوره في بيئة آمنة، وتحت مظلة نظام يحمي الوظيفة لا الأشخاص، فإن الرسالة تكون أوضح: أن الدولة تحمي مسار العدالة من بدايته إلى نهايته، وأن تنفيذ الأحكام ليس ساحة مواجهة، بل امتداد طبيعي لحكم صدر باسم القانون.

كما أن المحامي ليس طرفًا في النزاع، حتى وإن وقف في صف أحد أطرافه. هو ركيزة في النظام، وضمانة لإعمال الحق في الدفاع، وصمام أمان يحول دون انزلاق الخصومة إلى فوضى. وحين تُصان هذه الركيزة، تُصان معها هيبة الحكم، ويترسخ في الوعي العام أن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل منظومة تُحمى... وتُمارس... وتُصان في كل مراحلها.

00:24 | 20-02-2026

حين تتحوّل الرؤية لمنظومة اقتصادية متكاملة

في إدارة الاقتصادات الكبرى، لا تُقاس الجدية بمدى التمسك بالخطة كما أُعلنت، بل بمدى القدرة على مراجعتها حين تتغيّر المعطيات. فالخطط الإستراتيجية ليست نصوصاً جامدة، بل أدوات تُبنى على بيانات، وتُختبر بالواقع، وتُعدل وفق المستجدات. وكلما ارتفع حجم الطموح، وتعاظمت قيمة المشاريع، وتداخلت الأسواق العالمية في حساباتها، أصبحت المراجعة الدورية شرطاً من شروط النجاح، لا علامة ارتباك. فالدولة التي تُدير استثمارات بمئات المليارات لا تملك رفاهية الجمود، بل تحتاج إلى عقل مؤسسي يقرأ الأرقام قبل الانطباعات، ويُقدّم الاستدامة على الإيقاع الإعلامي.

خلال منتدى صندوق الاستثمارات العامة المنعقد مؤخراً في العاصمة الرياض، جاءت الإشارات الواضحة إلى إعادة ترتيب بعض الأولويات وجدولة عدد من المشاريع الكبرى لتُقرأ في سياقها الطبيعي: ليس بوصفها تراجعاً، بل بوصفها انتقالاً مدروساً من مرحلة إلى أخرى في إدارة الاقتصاد الوطني.

فحين تُدار مشاريع بمئات المليارات، وتتحرك استثمارات عبر قطاعات متعددة من السياحة إلى التصنيع، ومن اللوجستيات إلى التكنولوجيا فإن مراجعة الإيقاع، وتعديل الجدول الزمني، وإعادة توزيع التدفقات الرأسمالية ليست علامات قلق، بل أدوات إدارة رشيدة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل تغيّرت الخطة؟ بل: هل هناك قدرة على تعديلها حين يقتضي الواقع ذلك؟

الاقتصاد العالمي نفسه يمر بمرحلة إعادة تقييم عميقة؛ أسعار فائدة مرتفعة، تقلبات في سلاسل الإمداد، تغيّرات جيوسياسية، وضغوط على أسواق رأس المال. في مثل هذا المناخ، تصبح المرونة الإستراتيجية ميزة تنافسية، لا ترفاً إدارياً. فالدولة التي تمتلك الجرأة على إعادة ترتيب أولوياتها في الوقت المناسب، تحمي استدامتها المالية، وتعزز كفاءة إنفاقها، وتمنح مشاريعها فرصة نجاح أعلى.

ولا يمكن قراءة هذه المراجعات بمعزل عن الاستحقاقات الكبرى التي تقف على الأفق، وعلى رأسها استضافة المملكة لمعرض Expo 2030، واستعداداتها لتنظيم كأس العالم 2034. فهذه ليست فعاليات عابرة، بل جداول زمنية ملزمة عالمياً تتطلب جاهزية بنية تحتية، وتسارعاً في التنفيذ، وتكاملاً لوجستياً بين قطاعات متعددة. وعندما تعيد الدولة ترتيب تدفقاتها الاستثمارية بما يتوافق مع هذه الاستحقاقات، فإنها لا تقلّص طموحها، بل تُحسن توزيع رأس المال وفق أولويات زمنية واضحة، تضمن الجاهزية دون إرهاق للمنظومة.

لكن الأهم من إعادة الجدولة هو ما يجري في العمق. فالمرحلة الحالية لا تقتصر على ضبط الإيقاع، بل تعبّر عن انتقال أعمق من بناء قطاعات متوازية إلى تكامل منظومات اقتصادية مترابطة. فبعد سنوات من الاستثمار طويل الأمد في تأسيس قطاعات إستراتيجية منذ 2017، تدخل المنظومة اليوم مرحلة أكثر نضجاً، حيث تتداخل الصناعة مع الخدمات، وتتقاطع اللوجستيات مع السياحة، وتُبنى القيمة عبر شبكة مترابطة لا عبر مشروعات منفصلة.

هذا التحوّل يعني أن النمو لم يعد قائماً على إطلاق الفرص بقدر ما أصبح معنياً بتسريع أثرها. كما أنه يعيد تعريف دور القطاع الخاص، من مستفيد من الإنفاق إلى شريك محوري في توليد العائد. ومع كل إعادة ترتيب للاستثمارات، تنشأ مساحات أوسع أمام المستثمرين المحليين والدوليين لملء الفراغات التشغيلية، وتطوير الخدمات، وتعظيم القيمة من البنية التحتية التي أُسّست خلال السنوات الماضية.

فالتحوّل الجاري ليس انكماشاً، بل انتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين، ومن ضخ رأس المال إلى تعظيم كفاءته. وهنا يصبح دور الدولة أكثر دقة: أن تبني الإطار، وتضبط الإيقاع، وتترك للمحرك الاقتصادي القطاع الخاص مساحة أوسع لقيادة النمو المستدام.

لهذا، فإن المرونة الإستراتيجية ليست علامة ارتباك، بل علامة ثقة. والثقة في الاقتصاد لا تعني الجمود، بل القدرة على التحرك في الوقت المناسب. ومن يقرأ التحوّلات الأخيرة بهذه الزاوية، يدرك أن إعادة ترتيب الأولويات ليست تقليصاً للحلم، بل حماية له. وأن الطموحات الكبرى، كي تزدهر، تحتاج إلى إدارة ذكية بقدر ما تحتاج إلى رؤية جريئة.

00:06 | 13-02-2026

حين تُستدعى العدالة إلى موائد الموتى

في الفضاء العام، لا تقتصر خطورة بعض الأطروحات على مضمونها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الطريقة التي تُقدَّم بها. فحين تُطرح القضايا الكبرى بأسلوب صادم، خالٍ من التأصيل، فإنها لا تُناقش الفكر بقدر ما تُستفز به المشاعر، ولا تبحث عن حلول بقدر ما تبحث عن التفاعل.


فعلى سبيل المثال، خرج أحد المغردين مؤخراً بتغريدة، ليُسوق من خلالها لفكرة مفادها فرض ضرائب على أموال الميراث إذا تجاوزت رقماَ معيناً، وطرحها بوصفها خياراً طبيعياً، بل وضرورياً، وكأنها نتيجة اقتصادية مكتملة لا تحتمل النقاش. لم تُقدَّم الفكرة في إطار مؤسسي، ولا ضمن رؤية مالية شاملة، بل عُرضت بصيغة استفزازية، ثم دُفع بها إلى أقصى حدود الجدل، وكأن الغاية ليست اختبار صحتها، بل اختبار قدرتها على إشعال التفاعل.


وهنا لا نكون أمام نقاش اقتصادي جاد، بل أمام نموذج لتسويق الجدل بوصفه رأياً. الأخطر من الفكرة ذاتها هو الدفاع عنها باعتبارها أمراً «عادياً» أو متوقعاً، والتعامل مع الاعتراض وكأنه رفض غير مفهوم، في إيحاء ضمني بأن الدولة يمكن أن تتماهى مع طرح مرتجل لمجرد أنه تصدّر المشهد الرقمي.


وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالدول العظيمة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لا تُدار عبر منصات التواصل، ولا تُبنى سياساتها المالية عبر «تغريدات» أو أطروحات رقمية. أي نقاش حول الضرائب أو العدالة المالية يكون دائماً مبنياً على أرضية صلبة: رؤية اقتصادية واضحة، أثر اجتماعي محسوب، حماية للمواطن، وربط مباشر بين أي عبء مالي وبين منفعة عامة تعود على المجتمع قبل أن تعود على الخزينة.


أما القفز مباشرة إلى طرح يمس ميراث الناس، والتلويح به كأداة لإعادة التوزيع، دون أي إطار قانوني أو اجتماعي أو شرعي، فهو طرح يتجاهل أبسط الحقائق. فالميراث ليس حكراً على فئة بعينها؛ قد يكون قليلاً أو كثيراً، وقد يطال مختلف شرائح المجتمع. وتسويقه بهذه الطريقة يوحي ضمنياً بأن الدولة قد تمتد إلى أموال الناس الخاصة لإرضاء شعور طبقي، وكأن الاقتصاد يُدار بمنطق نقل الثروة لا بمنطق إنتاجها.


ويزداد الخلل في هذا الطرح حين تُقدَّم فكرة أن أخذ المال بعد وفاة صاحبه يُعد «ميزة» بحد ذاته، على أساس أن المتوفى لن يتضرر. هذا التصور يتجاهل حقيقة قانونية وإنسانية أساسية: أن الحق في الميراث لا يبقى معلقاً باسم المتوفى، بل ينتقل فوراً إلى ورثته، ويصبح ملكاً خالصاً لهم قبل أن يكون مالاً «متروكاً» بلا صاحب. فالألم، خلافاً لما يُروَّج، لا ينتهي بالوفاة، بل يبدأ غالباً عندها؛ حيث ينتقل العبء النفسي والمعيشي إلى أسر فقدت معيلها، وأبناء انتقلت إليهم المسؤولية قبل أن تنتقل إليهم الثروة. والنظر إلى الميراث بوصفه مالاً يمكن المساس به لأنه لم يعد «يؤلم صاحبه» هو اختزال قاسٍ يتجاهل أن الملكية تغيّرت، وأن المساس بها لا يقع على ميت، بل على أحياء.


هذا النوع من الخطاب لا يمت إلى العدالة الاجتماعية بصلة، ولا يوجد له أصل في الشريعة الإسلامية التي نظّمت الميراث بدقة، وحمته من العبث، وجعلته حقاً ثابتاً لا مجال للاجتهاد الشعبوي فيه. ولم تعرف دولتنا الرشيدة، عبر تاريخها، فكرة التلويح بأموال الناس لإثارة الترقب أو استمالة الغضب، لأن العدالة في ثقافتنا لا تُبنى على التحريض، بل على التكافل المنضبط.


إن أقرب تشبيه لمثل هذه الأطروحات هو ذلك الخيال السينمائي الذي تقدمه أفلام «روبن هود»، حيث تُختزل العدالة في أخذ المال من طرف وتسليمه لآخر، دون إدراك أن الدول لا تُبنى بهذه السذاجة، ولا تُدار بهذه الرومانسية الزائفة. فالدولة الحديثة لا تحارب الثروة، بل تنظمها، ولا تستهدف النجاح، بل تحفّزه ليعود بالنفع على الجميع.


الأدهى من الفكرة نفسها هو الاستهانة بعقل المجتمع. فطرح القضايا السيادية الحساسة بهذه الطريقة يفترض أن الناس تُقاد بالاستفزاز، وأن الوعي الجمعي يمكن جره خلف أي شعار صادم. وهذا افتراض خاطئ. فالمجتمع السعودي، بتجربته ووعيه، بات يميّز بين النقاش الجاد وبين الاستعراض، وبين الفكر الحقيقي وبين البحث عن المتابعات.


القضايا السيادية ليست مادة للتجريب الإعلامي، ولا منصة لبناء حضور رقمي سريع. ومن يطرح فكرة عليه أن يتحمّل مسؤولية طرحها علمياً، وقانونياً، وأخلاقياً، لا أن يُلقي بها ثم يتعامل مع الاعتراض وكأنه رد فعل غير مفهوم.


عليه، فإن احترام الدولة يبدأ باحترام منهجها، واحترام المجتمع يبدأ بعدم استغفال وعيه. أما تحويل القضايا الكبرى إلى أدوات استفزاز رقمي، فهو لا يخدم فقيراً، ولا ينصر عدالة، ولا يبني اقتصاداً، بل يضيف طبقة جديدة من الضجيج في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى العقل.

00:08 | 9-02-2026

الأمير يعِد.. نزاهة تُنفّذ.. والوطن يزدهر

لم تعد مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية ملفاً يُفتح عند الحاجة، ولا حملة تُستدعى عند ارتفاع الصوت، بل أصبحت مسار دولة يُدار بهدوء، ويُنفّذ بثبات، ويُقرأ من نتائجه لا من بياناته. فما نشهده اليوم ليس تصعيداً استثنائياً، بل انتظام مؤسسي يعكس انتقال الدولة من مرحلة الإعلان إلى مرحلة القاعدة، ومن منطق الاستثناء إلى منطق الحوكمة.

وفي هذا السياق، يأتي الإعلان الأخير الذي باشرت فيه هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) عدداً من القضايا المتنوعة، ليؤكد أن هذا المسار لم يعد وصفاً نظرياً، بل ممارسة مستمرة. فالإعلان لا يُقرأ بمعزل عمّا سبقه، ولا يُفهم بوصفه حالة منفردة، بل حلقة جديدة في نمط عمل واضح تتقدّم فيه المساءلة بهدوء، وتتّسع فيه الدائرة دون ضجيج.

اللافت في الجهود الأخيرة لهيئة مكافحة الفساد ليس كثافة القضايا فحسب، بل طبيعتها المتنوعة واتساع نطاقها. فالمساءلة لم تتوقف عند قطاع حكومي تقليدي، ولا عند موظف مدني على رأس عمله، بل امتدت لتشمل قطاعات مختلفة ذات طبيعة متباينة: جهات صحية وخدمية، أمانات ومرافق عامة، أطراف ذات صلة بالعمل العسكري أو الأمني، كيانات في القطاع الخاص، وأشخاص لم يعودوا أصلاً في مواقعهم الوظيفية. هذا التنوع لا يمكن قراءته بوصفه وقائع منفصلة، بل كمشهد واحد متكامل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الفساد كما هو في الواقع، لا كما يُختزل في الصورة النمطية.

الأهم أن بعض هذه القضايا لم يكن جوهرها الاستيلاء المباشر على المال العام، بل ممارسات أخرى لا تقل أثراً على عدالة الدولة، كالتدخل في الإجراءات، أو استغلال النفوذ، أو التوسط للتوظيف لأفراد العائلة، أو تسهيل مسارات كان يفترض أن تحكمها قواعد واضحة ومتكافئة. وهنا يظهر التحوّل الجوهري في المقاربة؛ فالفساد لم يعد يُقاس فقط بما أُخذ، بل بما اختل في الإجراء، وبما تضرر في مبدأ تكافؤ الفرص، وبما تزعزع في ثقة الناس بالنظام نفسه.

وتُحسب لنزاهة ومنسوبيها، إدارتها لهذا الملف بمنهج هادئ ولغة مؤسسية صارمة، بعيداً عن الاستعراض أو الانتقائية. فلا أسماء تُلوَّح، ولا قطاعات تُستثنى، ولا زمن يُتخذ ذريعة للإفلات. بل عمل تراكمي يراكم الثقة، ويؤكد أن النزاهة لم تعد شعاراً أخلاقياً، بل ركيزة من ركائز الدولة المتقدمة.

غير أن هذا التحوّل لم يكن ليتحقّق لولا لحظة تأسيسية واضحة في مسار الدولة، حين قال سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوضوح وحسم إن من دخل في قضية فساد لن ينجو، سواء كان أميراً أو وزيراً أو أيّاً كان، وإن كل من تتوافر عليه الأدلة الكافية سيُحاسَب. لم يكن هذا القول تعبيراً عن حزم عابر، ولا رسالة ردع وقتية، بل إعلان صريح عن طبيعة الدولة التي يُراد بناؤها، وعن البيئة التي لن يُسمح للفساد أن يتنفس فيها.

قيمة هذا القول لم تكن في قوته اللفظية فحسب، بل في ما ترتب عليه. فقد تحوّل إلى مبدأ حاكم، وحُمّلت به مؤسسات الدولة التزاماً صريحاً، ثم تُرك لها أن تُثبته بالفعل، لا بالضجيج. وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة: أن تقول ما يعنيه القول، ثم تمضي لتبني منظومة تُجبر نفسها قبل غيرها على الالتزام به، وتحوّل الوعد إلى بيئة عمل لا تسمح بالالتفاف أو التراخي.

بهذا المعنى، لا يُقرأ المشهد الراهن بوصفه حملة، بل ثمرة مسار طويل. مسارٌ أُريد له أن يكون معياراً لجدية الدولة في مواجهة الفساد، لا باعتباره خللاً إدارياً فحسب، بل كونه خطراً استراتيجياً على الثقة والاستقرار والازدهار. ومن هنا، لم تعد مكافحة جذور الفساد شأناً رقابياً فحسب، بل جزء أصيل من مشروع الدولة الحديثة التي تُدار بالقانون، وتُبنى بالمساءلة، وتزدهر بالعدالة.

وفوق ذلك كلّه، باتت الرسالة واضحة لمن أراد أن يقرأها بهدوء: أن الفساد لم يعد رهاناً على الزمن، ولا على التقاعد، ولا على تغيّر المواقع. فالدولة التي اختارت هذا المسار تمتلك من الأدوات النظامية، والآليات المؤسسية، والقدرات التقنية، ما يجعل عينها ساهرة على المال العام، وقادرة على تتبّع المخالفات واسترداد الحقوق ولو بعد حين. هنا لا يُراهن على النسيان، ولا تستباح التبرئة بانقضاء السنوات، ولا تمنح الصفة السابقة حصانة لاحقة. فالمساءلة في هذا النموذج ليست لحظة، بل مسار، ولا تتوقف عند اكتشاف الخطأ، بل تمتد حتى يُستعاد الحق وتُغلق الملفات على عدالة كاملة. وهكذا، لا يخرج القارئ بوعيد، بل بيقين راسخ: أن من دخل في قضية فساد، أيّاً كان موقعه أو زمنه، لن ينجو منها.

00:10 | 6-02-2026

في الاتحاد.. حيث لا تكفي السيرة الذاتية وحدها

في الأندية الكبرى والجماهيرية، لا تكون السيرة الذاتية لرئيس النادي ضمانة للنجاح، ولا الخبرة الإدارية شهادة عبور. فهناك كراسي، حين يُجلس عليها، تفرض شروطها الخاصة، وتكشف سريعاً الفارق بين من يملك المؤهلات النظرية، ومن يملك القدرة على القيادة في الميدان.


حين جاء فهد سندي إلى رئاسة نادي الاتحاد، لم يأتِ محمولاً على صراع انتخابي مشتعل، ولا وسط تنافس برامج أو رؤى متباينة. بل جاء في ظرف استثنائي، بعد انسحاب المرشحين وبقائه وحيداً في مشهد المنافسة، وفي مرحلة كان الاتحاديون فيها يبحثون عن الاستقرار أكثر من بحثهم عن الأسماء. ورغم ذلك، أحاط الجمهور الرجل بتفاؤل صادق، وتفاعل إيجابي، لا لأنه ابن مدرج أو كونه رمزاً جماهيرياً، بل لأن سيرته الإدارية أوحت بأن النادي قد يجد أخيراً يداً منظمة في مرحلة مضطربة.


غير أن التجربة سرعان ما كشفت أن إدارة نادٍ عريق مثل الاتحاد لا تُختزل في الخبرة الإدارية وحدها، مهما بلغت من الاحتراف والانجازات الموسسية. فالأندية الجماهيرية لا تُدار بعقل الشركة، ولا تُقاس بمعايير المؤسسات التقليدية. بل هي منظومات معقّدة، تتداخل فيها الفكرة الرياضية، والقدرة المالية، والحضور الجماهيري، وفهم رمزية الكيان، قبل أي مهارة تنظيمية أو إدارية، وهي ما كانت بكل تاكيد تنقص الرئيس الحالي للنمور.


فمنذ البدايات الأولى للادارة الحالية، بدت الإشارات مقلقة. فالتجربة لم تنطلق برؤية رياضية واضحة، ولا بمشروع يُقنع الجماهير بأن ما هو قادم يستحق الصبر. ومع توالي التعثرات، انتقل المشهد من محاولة احتواء الغضب إلى الانغماس فيه، حين اختار الرئيس أن يكون حاضراً في كل نقاش، يرد على كل تغريدة، ويبرّر كل قرار، ويشرح كل تأخير، ظناً منه أن الشفافية تعني التفاعل الدائم، وأن امتصاص الغضب يكون بالحضور المستمر.


لكن كرة القدم لا تعترف بهذا المنطق. فالردود، حين لا تسندها نتائج، تتحوّل من شفافية إلى تبرير، ومن حضور إلى إنهاك للمنصب. وشيئاً فشيئاً، تآكلت هيبة الكرسي، وتحول موقع القرار إلى مساحة جدل يومي، في وقت كانت الجماهير تبحث عن أفعال لا تفسيرات، وعن صمت يُنتج قرارات، لا كلام يُضاعف القلق.


وعلى أرض الملعب، لم تكن الصورة أفضل حالاً. فبدءاً من تعاقدات باهته بلا أثر، مروراً بالتساهل والتفريط في عناصر مؤثرة في الفريق، وانتهاءً بغياب تام لأي ملامح تنبئ بنجاح مشروع رياضي. ومع كل جولة، كان الإحساس يتعمق بأن الاتحاد -هذا الكيان الذي اعتاد أن يفرض نفسه- بات أشبه بنادٍ بلا مخالب، لا لضعف لاعبيه وحدهم، بل لغياب الرؤية التي تحميهم وتستثمر فيهم.


وحين تتوالى الإشارات السلبية منذ البداية، فإن النهايات نادراً ما تكون مفاجئة. فكما يقول المثل العربي البليغ: «ليالي العيد تبان من عصاريها». وحين تكون «العصاري» مثقلة بالارتباك، ومتخمة بالتبرير، فإن انتظار العيد لا يحمل في الغالب بشائر، بل يطيل زمن الخيبة. لذلك لم يعد الصبر على التجربة فضيلة، بقدر ما أصبح مغامرة قد تنتهي بمفاجأة سلبية أشد ضرراً من الحسم المبكر.


وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخروج من المشهد قسوة، بل ضرورة لحماية الكيان من مزيد من الاستنزاف.


وفي ذروة هذا المسار، جاء خبر انتقال كريم بنزيما إلى نادي الهلال، في واقعة شكّلت صدمة رمزية لجمهور يرى في الاتحاد أكثر من نادٍ، ويرى في نجومه جزءاً من هيبته وتاريخه. لم يكن الحدث في ذاته هو المشكلة، بقدر ما كان تتويجاً لمسار فقد فيه الاتحاد قدرته على فرض شروطه، وحماية رمزيته، وإدارة ثقله كما يليق به.


وبمنطق التقييم الهادئ، لا المنفعل، يمكن القول إن تجربة فهد سندي ستُدرج ضمن أكثر التجارب التي أساءت فهم طبيعة كرسي رئاسة الاتحاد. ليس لأنه الأسوأ نية، ولا لأنه الأقل كفاءة إدارية، بل لأنه أخطأ في قراءة الكيان الذي يديره. ففي تاريخ الاتحاد، مرّ رؤساء كُثر، بعضهم تعثّر مالياً، وبعضهم أخفق رياضياً، لكن القلّة فقط هم من أخطأوا في فهم العلاقة بين الرئيس والنادي نفسه؛ أن الاتحاد لا يُدار كملف، ولا يُحتوى بالتصريحات، ولا يُطمْأَن بالردود.


وهنا تتجاوز المسألة حدود الأشخاص. ففهد سندي، بكل إنصاف، ليس رجلاً سيئاً، ولم يأتِ بنيّة الإضرار بالاتحاد. لكن التجربة أثبتت أن حسن النية، حين لا يُرافقه فهم عميق لطبيعة القيادة الرياضية والجماهيرية، قد يتحول من نقطة قوة إلى عبء ثقيل. فإدارة نادٍ مثل الاتحاد تحتاج رئيساً يعرف متى يصمت، ومتى يقرّر، ومتى يترك النتائج تتحدث، ويدرك أن الكرسي ليس مساحة تواصل، بل موقع اختبار قاسٍ لا يرحم.


فالاتحاد ليس مجرد كيان إداري، بل حالة جماهيرية، وثقل رياضي، وتاريخ لا يمنح الفرص مرتين لمن لا يحسن التعامل معه. ومن يتصدّر لإدارته، يجب أن يمتلك أكثر من سيرة ذاتية جيدة، وأكثر من خبرة تنظيمية؛ يمتلك فهماً راسخاً لطبيعة النادي، وضغطه، ورمزيته، وحساسية جماهيره.


وتجربة فهد سندي، بكل ما حملته من آمال وخيبات، تقدّم درساً مؤسسياً بالغ الأهمية؛ أن الأندية الكبرى لا تُدار بعقل إدارة منظومة خدمية أو تجارية، ولا بعاطفة المدرج، بل بمزيج نادر يجمع بين الحزم، والرؤية، والقدرة على تحمّل الصمت حين يكون الصمت أبلغ من ألف تبرير.

00:03 | 3-02-2026

تملك الأجانب للعقار.. هكذا تُدار الفرص

لم يعد قرار تملك الأجانب للعقار في المملكة يُقرأ بوصفه خطوة اختبار أو استجابة ظرفية، بل باعتباره نتيجة طبيعية لمرحلة نضج وصلت إليها السعودية في إدارتها للاقتصاد والاستثمار. فالدولة التي تفتح هذا الملف اليوم، تفتحه وهي تعرف بالضبط أي نوع من المستثمرين تريد، وأي علاقة تسعى لبنائها معه: علاقة تتجاوز الشراء إلى الاستقرار، وتتخطى الصفقة إلى بناء حياة.

المقصود هنا ليس السماح بالتملك بمعناه المجرد، بل إدخاله ضمن منظومة منظمة ومفهومة. التملك لم يعد قراراً فردياً معزولاً، بل إجراءً يمر عبر قنوات واضحة، ومنصات رقمية محدّدة، وشروط معلنة، تتيح لمن يدخل السوق أن يعرف منذ البداية أين يمكنه التملك، وما نوع العقار، وما الغرض منه، وما الالتزامات المرتبطة به. هذه الشفافية لا تُختصر الزمن فقط، بل تُعيد تعريف العلاقة بين المستثمر والنظام، من علاقة قائمة على الاجتهاد إلى علاقة قائمة على القاعدة.

ومن يقرأ هذا القرار من خارج المملكة، يدرك أن الرسالة ليست موجهة لمن يبحث عن صفقة سريعة، بل لمن يفكر في الانتقال، وربط استثماره بحياته اليومية. فحين تكون إجراءات التملك واضحة، والتسجيل منضبطاً، والتحقّق إلكترونياً، فإن السوق يقول ضمناً: هنا يمكن التخطيط، لا المناورة. هنا يمكن بناء أصل طويل الأمد، لا إدارة مخاطرة قصيرة.

هذا النوع من التنظيم يخدم المستثمر بقدر ما يخدم الدولة. فاليقين النظامي، لا الاتساع المطلق، هو ما يقلل المخاطر ويجعل القرار أسهل. ومن يملك عقاراً ضمن هذه المنظومة، لا يملك أصلاً جامداً فحسب، بل يدخل بيئة جاذبة ومتكاملة، تتيح له العمل، والإقامة، والتشغيل، وبناء شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية. العقار هنا يصبح جزءاً من حياة، لا مجرد بند في محفظة.

وفي الداخل، لا يمكن تجاهل أثر هذا القرار على السوق المحلي. نعم، من الطبيعي أن يفتح الباب نقاشاً حول الأسعار، وحول المنافسة، وحول تغيّر موازين العرض والطلب. لكن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن السوق يتضرر حين يُدار بالخوف، لا حين يُدار بالتنظيم. دخول طلب جديد، حين يكون منضبطاً، لا يعني بالضرورة إضعاف فرص المواطن ضمن معادلة التملك، بل قد يدفع باتجاه تحسين المنتج، ورفع الجودة، وتوسيع العرض، وتحفيز المطوّرين المحليين على الابتكار بدل الاكتفاء بالحلول التقليدية.

المنافسة هنا ليست تهديداً تلقائياً، بل أداة ضبط. السوق الذي يعرف أن الطلب متنوع، وأن المعايير واضحة، يتجه بطبيعته إلى تحسين القيمة، لا الاكتفاء برفع السعر. والمواطن، في نهاية المطاف، يستفيد من سوق أكثر نضجاً، سواء من حيث جودة المنتج، أو تنوع الخيارات، أو استقرار المعايير.

السعودية، في هذا السياق، لا تبيع عقاراً بقدر ما تعرض نموذجاً. نموذج يقول إن الفرص لا تُترك بلا إدارة، وإن الانفتاح لا يأتي قبل التنظيم، وإن من يدخل السوق اليوم يدخل وفق قواعد تعرف ماذا تريد منه، وماذا تضيف به. وهذا بحد ذاته تحوّل في العقلية الاقتصادية، قبل أن يكون تحوّلاً في الأنظمة.

بهذا الفهم، لا يكون تملك الأجانب للعقار عنواناً منفصلاً، بل جزءاً من قصة أوسع عن اقتصاد قرر أن ينتقل من جذب الفرص إلى إدارتها، ومن رد الفعل إلى التصميم. وهكذا تُدار الفرص في السعودية:

بهدوء، وبثقة، وبمنظومة تعرف كيف توازن بين الداخل والخارج دون أن تخسر أيّاً منهما.

00:05 | 30-01-2026

ريادة الأعمال تبدأ باحترام المكان

لم تعد عربات الطعام المتنقلة (food truck) مجرد ظاهرة عابرة أو موضة مؤقتة، بل تحوّلت إلى مساحة حقيقية لريادة الأعمال، ومنفذ ذكي للشباب لإطلاق أفكارهم، واختبار مشاريعهم، وبناء مورد رزق مشروع بأدوات بسيطة وطموح كبير. وهي، في جوهرها، تجربة إيجابية تستحق الدعم والتمكين؛ لأنها تعكس روح المبادرة، والعمل الحر، والقدرة على الابتكار خارج الأطر التقليدية.

غير أن نجاح أي فكرة لا يُقاس بانتشارها وحده، ولا بعدد من دخلوا هذا المجال، بل بقدرتها على التعايش المنظّم مع المكان الذي تعمل فيه. وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية؛ إذ إن بعض المواقع المخصصة لعربات الطعام، رغم وضوح تنظيمها من حيث الوقوف والتجمع، تتحوّل بعد مغادرتها إلى مساحات مثقلة بالمخلفات وبقايا العمل، وكأن المكان مؤقت بلا أثر، أو أن تنظيفه مسؤولية جهة أخرى ستأتي لاحقاً لمعالجة ما تُرك خلفها.

الإشكال ليس في الفكرة، ولا في نوايا الشباب من أصحاب هذه المشاريع، ولا حتى في كثرة العربات، بل في غياب الربط الواضح بين الاستفادة من المكان والالتزام تجاهه. فالمكان العام ليس منصة عمل فحسب، بل جزء من المشهد الحضري، وحق مشترك للمجتمع، واحترامه ليس ترفاً تنظيمياً، بل أساس من أسس الاستدامة لأي نشاط اقتصادي.

ومن الخطأ الاعتقاد أن وجود تصريح رسمي أو ترخيص نظامي كافٍ وحده لضمان جودة التجربة. فالتصريح يُنظّم النشاط، لكنه لا يكفي لضمان أن الأثر بعد انتهاء اليوم سيكون إيجابياً. النظافة، والالتزام بالمحيط، وترك الموقع كما كان أو أفضل يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من معايير التشغيل، لا مجرد مسألة تُترك لحسن النية أو لتدخل لاحق من البلدية.

التنظيم الذكي لا يعني التعقيد، ولا فرض أعباء مرهقة على أصحاب المشاريع، بل يعني وضع معادلة واضحة وبسيطة: من يستفيد من المكان، يلتزم بحمايته. ويمكن ترجمة ذلك عملياً من خلال اشتراطات واضحة، مثل إلزام صاحب العربة بتنظيف موقعه قبل المغادرة، وتوثيق ذلك بصرياً، أو ربط الاستمرار في الموقع أو تجديد التصريح بسجل الالتزام بالنظافة والانضباط العام.

بل يمكن التفكير في آليات أكثر نضجاً، كاعتماد تقييم دوري للمواقع، أو اشتراط تقديم ما يثبت الالتزام بنظافة المكان، لا باعتباره إجراءً عقابياً، بل جزءاً من الثقافة المهنية للمشروع. فكما يُطلب الالتزام باشتراطات السلامة الغذائية داخل العربة، يجب أن يُنظر إلى محيطها الخارجي بوصفه امتداداً مباشراً للنشاط نفسه.

لذا، فحين يُربط الترخيص أو الاستمرار في الموقع بسجل الالتزام، تتحوّل المسألة من عبء رقابي إلى ثقافة عمل. فصاحب المشروع الذي يحرص على نظافة موقعه، لا يحمي المدينة فحسب، بل يحمي مشروعه، وسمعته، وثقة المجتمع فيه. وهو بذلك يرسل رسالة غير مكتوبة مفادها أن الريادة ليست بيع منتج فقط، بل إدارة أثر.

وختاماً، فإن ريادة الأعمال لا تبدأ من العربة، ولا من وصفات الطعام، ولا من التسويق، بل من احترام المكان الذي منح المشروع فرصته الأولى. فالمشاريع الصغيرة تنجح، وتكبر، وتستمر، حين تدرك أن الأثر الذي تتركه بعد انتهاء اليوم، لا يقل أهمية عن الربح الذي حققته خلاله.

00:02 | 23-01-2026