أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1770304478&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

السعودية.. حين يبلغ الصبر منتهاه

ليست القوة أن تكون الأسرع إلى السلاح، كما أن الحكمة ليست أن تصبر بلا نهاية. وبين الاثنين تُعرف هيبة الدول: أن تعرف متى تمنح السلام فرصته كاملة، ومتى يصبح استمرار الصبر بعد استنفاد تلك الفرص رسالة خاطئة لمن لا يفهم إلا حدود القوة.


وهذه ليست لغة طارئة على السعودية، ولا موقفاً ولّدته أحداث الأيام الأخيرة. إنها مدرسة دولة منذ عبدالعزيز. فقد وحّد الملك المؤسس هذه البلاد على كلمةٍ جمعت الدين والوطن، وبعزيمةٍ أقامت للدولة أركانها، وحكمةٍ عرفت للسلم قدره وللحزم موضعه؛ فعرف متى يصبر، ومتى يعفو، ومتى يفاوض، ومتى يحسم. وتُنسب إليه عبارة شديدة الدلالة في معناها: «أتمادى في الصبر حتى يرميني القريب والبعيد بالجبن والخوف، حتى لم يبقَ للصبر مكان؛ ضربت ضربتي وكانت القاضية». وسواء أخذنا العبارة بلفظها المتداول أو بمعناها، فإنها تختصر شيئاً عميقاً في مدرسة الحكم السعودية: الصبر ليس عجزاً، والحكمة ليست تردداً، والسلام لا يعني التنازل عن حق الدولة في حماية أرضها وشعبها.


ولم يبقَ هذا المعنى في الأيام الماضية في كتب التاريخ أو في ذاكرة المواقف؛ فقد أعادته الأحداث إلى حاضرنا بصورة مؤلمة. فعندما تمتد يد الاعتداء إلى المدن والمدنيين والمقدرات، يصبح الصبر نفسه موضع اختبار، ويصبح على الدولة أن توازن بين حرصها على إبقاء أبواب السلام مفتوحة وواجبها الأول في حماية شعبها. وفي يوم الثلاثاء، استهدفت ميليشيا الحوثي أعياناً مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وطالت الهجمات منشآت ومرافق للطاقة في المنطقة الجنوبية، وأسفرت عن إصابة 73 مدنياً من المواطنين والمقيمين، بينهم نساء وأطفال، إلى جانب أضرار مادية وتعطل مؤقت لبعض العمليات التشغيلية. كما تزامن ذلك مع استمرار استهداف السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر.


وهنا تتجاوز المسألة مجرد التصعيد السياسي أو العسكري. فحتى الحرب ليست مساحة بلا قانون. حماية المدنيين والأعيان المدنية، والتمييز بينها وبين الأهداف العسكرية، ليست ترفاً أخلاقياً، بل من صميم قواعد القانون الدولي الإنساني. ولهذا فإن خطورة ما حدث لا تُقاس بعدد الصواريخ والمسيّرات وحدها، بل بطبيعة ما استُهدف وبمن أُصيب. وقد أكدت المملكة حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وفق قواعد القانون الدولي.


وهذا الحق ليس خطاباً سياسياً استثنائياً فرضته اللحظة. فالنظام الدولي، مع قيامه أصلاً على حظر استخدام القوة، يعترف بحق الدولة في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح. والمعنى هنا بالغ الأهمية: السعي إلى السلام لا يلغي حق الدفاع، وضبط النفس لا يسقطه، وطول الصبر لا يحوّل الاعتداء إلى أمر مشروع.


ومنذ تأسيس المملكة كان الأمن أحد أعظم الوعود التي قامت عليها هذه البلاد: أن يأمن الإنسان على نفسه وأهله وماله، وأن تكون أرض المملكة أرض استقرار. وفي المقابل، لم تُبنَ السياسة السعودية على الاعتداء على الجار أو البحث عن الحروب، بل على احترام السيادة وتغليب الحكمة متى بقي للحكمة مجال. لكنها في الوقت ذاته لم تجعل من حرصها على السلام قيداً على واجبها الأول في حماية شعبها وأرضها ومقدراتها.


وهنا يقع أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه الخصم: ليس أن يجهل قوة السعودية، بل أن يسيء تفسير صبرها. فالدولة التي تختار التهدئة وهي قادرة على غيرها لا تفعل ذلك ضعفاً، وإنما لأنها تعرف كلفة الحرب وقيمة السلام. لكن حين يُقرأ ضبط النفس إذناً بمزيد من الاعتداء، وتُقابل التهدئة باستهداف المدن والمدنيين والمقدرات، تتغير المعادلة؛ لأن حماية الوطن عندئذ لا تعود خياراً سياسياً بين خيارات، بل مسؤولية دولة.


وهذه المدرسة لم تتغير بتغير الملوك. من عبدالعزيز إلى سلمان، بقي أمن الإنسان السعودي وسيادة هذه الأرض في صميم مسؤولية الدولة. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، جاءت السياسة السعودية في منطقة شديدة الاضطراب على المعادلة ذاتها: بناء القوة والقدرات، والتحرك دبلوماسياً لخفض التصعيد، والعمل في الوقت نفسه على أن تستمر حياة المواطن واقتصاد وطنه وتنميته بأكبر قدر من الأمن والاستقرار.


ولذلك، حين تبلغ الخصومة منتهاها، لا يعود السؤال كم تستطيع الدولة أن تصبر، بل كم يملك المعتدي من الحكمة قبل أن يستنفد مساحة الصبر التي مُنحت له.


السعودية لا تحتاج أن تثبت لأحد أنها دولة سلام؛ مواقفها ومساعيها تقول ذلك. كما أنها لا تحتاج أن تثبت قدرتها على حماية نفسها؛ تاريخها وقدراتها يقولان ذلك أيضاً. وبين الاثنين تقف قاعدة أقدم من الأزمة الراهنة: لا نعتدي، ولا نطلب الحرب، ولا نغلق باب الحكمة، لكن أمن الإنسان السعودي وسيادة أرضه ومقدرات وطنه ليست ثمناً يُدفع لإبقاء ذلك الباب مفتوحاً.


هذه بلاد عبدالعزيز الذي وحّد الأرض وأرسى الأمن، وسلمان الذي صان الأمانة، ومحمد بن سلمان الذي يبني قوة الحاضر ومناعة المستقبل. ثلاثة أجيال، وأمانة واحدة: أن تبقى السعودية آمنة عزيزة، وأن يبقى السعودي آمناً في وطنه. تغيرت الأزمنة والأدوات، ولم يتغير العهد مع هذه الأرض. نصبر لأننا نعرف قيمة السلام، ونحزم حين يصبح الحزم واجباً؛ فإذا بلغ الصبر منتهاه، لم تكن السعودية قد تخلت عن حكمتها، بل تكون الحكمة نفسها قد قالت كلمتها.

منذ يوم

الاندماج والاستحواذ.. لا تقع في حب الصفقة

ليست كل صفقة كبيرة صفقة جيدة، وبعض أفضل الصفقات في عالم الأعمال هي تلك التي امتلك أصحابها الشجاعة الكافية لعدم إتمامها. فالمشكلة في الاستحواذ الخاطئ أنك لا تشتري شركة فقط؛ قد تشتري معها ديونها، ونزاعاتها، وعقودها السيئة، ومشكلاتها التشغيلية، وأحياناً مستقبلاً لم تكن تخطط له.

ولهذا فإن بعض أكثر الأخطاء فداحة في عالم الأعمال تبدأ، للمفارقة، بفرصة بدت في لحظتها رائعة. شركة تريد أن تكبر، وأخرى تبدو مكملة لها، وأرقام أولية مغرية، وربما انسجام بين أصحاب القرار؛ فيكبر الحماس وتتسارع المفاوضات، ثم يأتي التوقيع، وبعده تظهر الأسئلة التي كان ينبغي أن تُطرح قبله. ومع ذلك، يظل الاندماج والاستحواذ من أقوى أدوات بناء الشركات وتوسيعها وإعادة تشكيلها؛ فمن خلال صفقة مدروسة تستطيع الشركة دخول سوق جديدة، أو امتلاك تقنية، أو زيادة حصتها السوقية، أو تنويع إيراداتها، أو إعادة هيكلة نشاطها. وفي سوق سريعة التحوّل، قد لا تكون الصفقة طريقاً للنمو فحسب، بل أداة للاستدامة والبقاء.

ولهذا استوقفني حديث المهندس عبدالله العبيكان، رئيس مجلس إدارة غرفة الرياض، في منتدى الجوانب القانونية للاندماج والاستحواذ للشركات والفرص الاستثمارية، عندما وضع في مقدّمة التفكير في الاندماج سؤالاً أراه أساسياً: «حرّر لماذا نندمج». فالـ«لماذا» ليست سؤالاً إنشائياً؛ على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية أن يعرفا بدقة ماذا يريدان من الصفقة: سوقاً جديدة؟ تقنية؟ حصة سوقية؟ كفاءة تشغيلية؟ أم أن القرار تحركه حماسة عابرة أو علاقة شخصية أو الرغبة في أن تصبح الشركة أكبر؟ فالحجم ليس إستراتيجية، والاستحواذ ليس إنجازاً لمجرد أنه تم.

وبعد تحديد الهدف تأتي البدائل. فالشركة الذكية لا تقع في حب الصفقة قبل أن تسأل إن كانت تحتاج إليها أصلاً. ربما تحقق الغاية حصة إستراتيجية، أو مشروع مشترك، أو تحالف تجاري، أو شراء أصل أو تقنية، بدلاً من الاستحواذ على شركة كاملة. والسؤال الصحيح ليس فقط: هل الشركة المستهدفة جيدة؟ بل: هل هذه الصفقة هي أفضل وسيلة لتحقيق هدفنا؟

وهنا تظهر قيمة المستشار القانوني قبل صياغة العقد، لا بعدها. فمن الخطأ أن يصل المحامي بعدما تكون الأطراف قد اتفقت تجارياً على كل شيء، وكأن مهمته تحويل الاتفاق إلى صفحات قانونية. فالهيكل نفسه جزء من القرار الاستثماري: هل تُشترى الأسهم أم الأصول؟ هل يتم الاستحواذ دفعة واحدة أم على مراحل؟ ما الموافقات المطلوبة؟ وما الالتزامات التي ستنتقل أو تبقى؟ أحياناً يغيّر اختيار الهيكل مخاطر الصفقة بقدر ما يغيرها السعر.

ثم تأتي المرحلة التي قد تحدد مصير ملايين الريالات: الفحص النافي للجهالة (Due Diligence)، وهو أوسع كثيراً من مراجعة المحامي للعقود. فالفحص القانوني يبحث في الدعاوى والعقود والتراخيص والالتزامات والملكية الفكرية والعمالة وبنود تغيّر السيطرة، بينما يختبر المالي جودة الإيرادات والديون والتدفقات والتوقعات، وينظر الضريبي والتجاري والتشغيلي والإداري إلى التزامات الشركة وسوقها وعملائها وأنظمتها وموظفيها وقدرتها على الاندماج. فقد تكون الشركة سليمة قانونياً لكنها لا تستحق السعر المطلوب، وقد تبدو أرقامها ممتازة بينما تعتمد نسبة مؤثرة من إيراداتها على عميل يستطيع المغادرة غداً. والفحص الجيد لا يبحث عن شركة بلا عيوب؛ بل يميّز بين الملاحظة العابرة والمخاطرة الجوهرية التي تؤثر في السعر أو الهيكل أو القرار نفسه.

واكتشاف المخاطر لا يعني بالضرورة قتل الصفقة، بل قد يعني إعادة هندستها. فقد تقود نتائج الفحص إلى تخفيض السعر، أو ضمانات وتعويضات، أو استبعاد أصل أو التزام، أو وضع جزء من المقابل في حساب ضمان، أو ربطه بالأداء المستقبلي، أو معالجة خطر قبل الإغلاق. فالمحامي الجيد لا يكتفي بإخبار موكله بوجود الخطر؛ بل يساعده على تحديد من يتحمله، وكيف يُسعّر، وكيف ينعكس في العقد.

ولهذا فإن ما يبدو توفيراً في كلفة المشورة قبل الصفقة قد يتحول إلى واحد من أغلى بنودها بعد إتمامها. وأتعاب صفقة لم تتم قد تكون من أفضل الأموال التي أنفقتها الشركة إذا كشف الفحص أنها لم تكن تستحق أن تتم أصلاً. وأحياناً تكون أفضل نصيحة يقدّمها المستشار لموكله: لا تشترِ.

لكن التوقيع ليس نهاية الاختبار. بعد الإغلاق تبدأ مهمة دمج الإدارات والأنظمة والثقافات، والمحافظة على الموظفين والعملاء الرئيسيين، وتحقيق القيمة التي بُني عليها سعر الصفقة. فليس كل كيان أكبر كياناً أقوى، وليس كل استحواذ نمواً.

وهنا تكمن أهمية هذه الأداة للشركات السعودية اليوم. ففي اقتصاد يتوسع، وقطاعات يعاد تشكيلها، وشركات عائلية تنتقل بين الأجيال، وتقنيات تغير نماذج الأعمال بسرعة، قد يكون الاندماج والاستحواذ أداة للنمو أو إعادة الهيكلة أو دخول قطاع جديد أو بناء شركة أكثر قدرة على الاستمرار.

وفي النهاية، مجلس الإدارة لا يُطلب منه أن يحب الصفقة، بل أن يتخذ بشأنها قراراً مستنيراً. وجود البدائل، وجودة المعلومات، والمخاطر التي كُشفت، كلها جزء من جودة القرار. وأحياناً لا يكون نجاح المجلس في إتمام الصفقة، بل في امتلاك الشجاعة للتراجع عنها.

لذلك يبدأ النجاح قبل غرفة التفاوض، عندما يجلس مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية بعيداً عن بريق الأرقام وحماس الصفقة، ويجيبان بصدق عن السؤال الأول: لماذا؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، تُدرس البدائل، ويُختار الهيكل، وتُفحص الصفقة وتُوزع مخاطرها، ثم يأتي السعر والعقد والتوقيع. أما إذا لم نستطع تحرير «لماذا» من البداية، فربما يكون أفضل قرار استثماري نتخذه هو ألا نندمج أصلاً.

00:00 | 4-09-2026

السعودية.. من حماية الفكرة إلى صناعة الثروة

أغلى ما تملكه بعض أكبر شركات العالم لا يُرى ولا يُلمس. قد يكون براءة اختراع، أو علامة تجارية، أو برنامجاً، أو تصميماً، أو معرفة تراكمت حتى أصبحت تساوي مليارات. ولهذا لم تعد ثروة الدول تُقاس فقط بما تستخرجه من أرضها أو تبنيه فوقها؛ فالاقتصاد الحديث أضاف إلى مفهوم الثروة أصلاً جديداً: ما ينتجه العقل، ثم تستطيع الدولة حمايته وتحويله إلى قيمة.

ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة موافقة مجلس الوزراء على السياسة الوطنية للملكية الفكرية. فالقرار ليس مجرد إضافة تنظيمية إلى منظومة قائمة، ولا إجراء جديداً لتسجيل براءة أو حماية علامة؛ بل خطوة في بناء اقتصاد يعرف كيف ينقل الملكية الفكرية من دائرة الحماية القانونية إلى دائرة القيمة الاقتصادية.

وللدقة، المملكة لديها بالفعل إستراتيجية وطنية للملكية الفكرية، أما استحداث السياسة الوطنية فيضيف إطاراً أكثر شمولاً واتساقاً للمبادئ والتوجهات التي تحكم المنظومة، من توليد الملكية الفكرية وإدارتها وحمايتها وإنفاذها، وصولاً إلى استغلالها تجارياً. وهنا تظهر السعودية مرة أخرى كدولة لا تنتظر اكتمال الاقتصاد الجديد حتى تبني أدواته؛ بل تستحدث الأطر والسياسات بالتوازي معه، وتمنحه بيئة أكثر نضجاً للحماية والاستثمار.

وهذا فارق مهم. ففي المفهوم التقليدي تنتهي القصة تقريباً عندما يحصل المخترع على براءته أو تسجل المنشأة علامتها. أما في الاقتصاد المعرفي فهنا تبدأ القصة: ماذا سيفعل صاحب البراءة بها؟ هل يرخصها؟ هل تتحول إلى منتج؟ هل تستطيع الجامعة نقل اختراع من المختبر إلى السوق؟ وهل تدرك المنشأة أن علامتها التجارية قد تكون من أثمن أصولها، ويمكن استثمارها وترخيصها وبيعها؟

ومن هنا تأتي القيمة الاقتصادية الحقيقية للسياسة الجديدة. فالمبتكر يحتاج إلى الحماية، لكنه يحتاج بعدها إلى السوق. والجامعة تحتاج إلى البحث، لكنها تحتاج كذلك إلى مسار يحول البحث إلى تقنية قابلة للاستثمار. والمستثمر، قبل أن يضع أمواله في شركة تقنية، يريد أن يعرف: من يملك الاختراع؟ وهل الحقوق مسجلة؟ وهل يمكن إنفاذها؟ وهل يستطيع الاستثمار فيها أو نقلها أو ترخيصها؟ لذلك لم تعد الملكية الفكرية شأناً يخص المحامين والمخترعين وحدهم؛ بل أصبحت جزءاً من بيئة الاستثمار وقدرة الاقتصاد على جذب التقنية ورأس المال والمعرفة.

والأرقام السعودية تقول إن الأرضية تتسع بالفعل. ففي عام 2025 استقبلت الهيئة السعودية للملكية الفكرية أكثر من 10 آلاف طلب براءة اختراع، بنمو بلغ 28%، فيما قفزت طلبات البراءات المقدمة من الأفراد السعوديين بنسبة 96%. وهذه ليست مجرد معاملات تسجيل؛ بل مؤشر على اتساع قاعدة من يفكرون في تحويل نتاج العقل إلى حق يمكن امتلاكه ثم استثماره.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الحماية إلى موقع المملكة في المنافسة العالمية على اقتصاد المعرفة. فالدول لا تتنافس اليوم فقط على المصانع التي تنتقل إليها، بل على العقول والبراءات والتقنيات ومراكز البحث التي تولد داخل حدودها. وكلما استطاعت المملكة أن تجمع بين رأس المال والبحث والمبتكر والحماية القانونية والإنفاذ والاستثمار التجاري، أصبحت أكثر قدرة على الاحتفاظ بقيمة الابتكار داخل اقتصادها بدلاً من أن تكون مجرد سوق لابتكارات الآخرين.

وفي ذلك أيضاً رسالة استثمارية لا تخطئها العين: المملكة لا تكتفي بجذب رأس المال والتقنية، بل تبني باستمرار البيئة التي تحمي ما ينتجه المستثمر والمبتكر فيها، حتى أدق الأصول غير الملموسة. فالمستثمر لا يبحث عن الفرصة وحدها؛ يبحث عن دولة تحمي فكرته وحقوقه وعوائد ابتكاره، وكلما اكتملت هذه المنظومة ازدادت السعودية جاذبيةً للمواهب والشركات ورؤوس الأموال التي تبحث عن بيئة آمنة للابتكار والنمو.

وهذا تحديداً ما يجعل الملكية الفكرية جزءاً من السيادة الاقتصادية الحديثة. فليس المهم أن تُبتكر التقنية داخل حدودك فقط، بل من يملكها، وأين تُسجل حقوقها، ومن يستثمرها، وأين تبقى القيمة التي تولدها. وبراءة اختراع خرجت من جامعة سعودية ثم تحوّلت إلى شركة، أو علامة سعودية خرجت إلى الأسواق العالمية، أو تقنية تم تطويرها وتوطينها هنا، ليست نجاحاً قانونياً فحسب؛ إنها قيمة اقتصادية ووظائف واستثمار ومعرفة تبقى داخل الدورة الاقتصادية للمملكة.

ولعل أجمل ما في هذا التحوّل أنه ينسجم مع فلسفة أوسع في رؤية السعودية 2030: ألا تكون المملكة مستهلكاً للاقتصاد الجديد، بل شريكاً في صناعته. فالابتكار بلا حماية قد يضيع، والحماية بلا استثمار قد تجمد الفكرة، والاستثمار بلا إنفاذ يفقد الثقة؛ أما حين تجتمع هذه العناصر، فلا تعود الدولة تحمي الإبداع فقط، بل تبني له سوقاً.

والثروة التي وهبها الله لهذه البلاد في باطن أرضها ستظل نعمة عظيمة، لكن السعودية تبني إلى جوارها اليوم ثروة أخرى مصدرها عقل الإنسان، وحين تحمي الدولة الفكرة، وتفتح لها طريقاً إلى السوق، وتحولها إلى أصل قابل للاستثمار، فإنها لا تحمي الملكية الفكرية فحسب.. بل تصنع الثروة.

00:00 | 28-08-2026

فهد سندي وإدارته... حين لا يعود الصبر خياراً

في الأندية الكبيرة، قد يكون الرحيل أحياناً أكثر شجاعة من البقاء. فالرئاسة ليست حقاً مكتسباً، والمنصب ليس مشروعاً شخصياً لصناعة المجد، والعمل في نادٍ بحجم الاتحاد مسؤولية تجاه كيان وجمهور وتاريخ. ومن يقبل هذه المسؤولية، يقبل معها حقيقة لا تقل أهمية: أن يسأل نفسه في لحظة ما، وبكل تجرد، هل ما زال وجودي يضيف إلى النادي، أم أن النادي أصبح يحتاج إلى غيري؟ ليس لأن الاتحاد خسر في بداية موسمه الجديد؛ بل على العكس، لقد فاز في مباراتيه الرسميتين، وحقق المطلوب، وتأهل آسيوياً. نفرح بذلك كاتحاديين، ونحسبه للفريق ولا نبخسه حقه. لكن الانتصار في مباراتين لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر الذي تركه خلفه موسم كامل: ماذا أضاف فهد سندي وإدارته إلى الاتحاد؟

هذا السؤال ليس شخصياً، ولا انتقاصاً من الرجل، ولا تشكيكاً في اتحاديته. قد يكون فهد سندي من أكثر الناس حباً للاتحاد، وقد يكون بذل ما يستطيع واجتهد وأراد النجاح. لكن حب الاتحاد ليس مؤهلاً كافياً لإدارته؛ فجمهوره بالملايين يحبونه. رئيس الاتحاد مطالب بشيء آخر: أن يحوّل هذا الحب إلى إدارة، والاستثمارات إلى فريق، والقرارات إلى استقرار، والطموح إلى مشروع يمكن للجمهور أن يراه على أرض الواقع.

مر موسم منصرم، ولم نرَ في حصيلة الإدارة ما يكفي، في رأيي، لتبرير طلب المزيد من الوقت بالشروط نفسها. فريق دخل الموسم الماضي بطلاً للدوري والكأس، ثم خرج من الموسم بلا بطولة، وبين البدايتين والنهايتين عانى الاتحاديون من ارتباك وعدم استقرار وأسئلة كثيرة حول القرار الرياضي والإداري. والنتيجة في النهاية لا تُقرأ من مباراة، وإنما من موسم.

ولهذا لا أقبل أن تتحول انتصارات البداية الجديدة إلى إجابة جاهزة لكل من ينتقد الإدارة. نعم، فاز الاتحاد، وهذا جيد. لكن الفوز نتيجة مباراة، أما نجاح الإدارة فنتيجة مشروع. وقد يفوز فريق بما لديه من جودة فردية وروح لاعبين وخبرة فنية، بينما تبقى الأسئلة الإدارية نفسها بلا إجابة. الاتحاد في أول مباراتين أظهر شخصية لاعبيه وقدرتهم على تحقيق النتيجة، وهذا ما نريده؛ لكن المطلوب من الإدارة أكبر من أن تحتفل بما صنعه اللاعبون في تسعين دقيقة.

وهنا نصل إلى العبارة التي تتكرر كلما ارتفع النقد: لنصبر. حسنًا، نصبر. لكن على ماذا تحديداً؟

الصبر ليس قيمة إدارية في ذاته، ولا تفويضاً مطلقاً لأي إدارة. نصبر عندما نرى مشروعاً يتشكل، وهيكلاً يستقر، وقرارات تتراكم في الاتجاه الصحيح، ونشعر بأن الوقت سيجعل المؤسسة أفضل. أما أن يصبح «لنصبر» جواباً على كل سؤال، فهنا يتحول الصبر من فرصة للإدارة إلى تأجيل لمحاسبتها.

والاتحاد لا يملك ترف الانتظار الطويل. الأندية المنافسة تتحرك، وتتعلم من أخطائها، وتبحث عن الاستقرار، وتبني منظوماتها الرياضية والإدارية عاماً بعد عام. وفي كرة القدم السعودية الجديدة لم تعد المنافسة بين أحد عشر لاعباً وأحد عشر لاعباً فقط؛ إنها منافسة بين إدارات ومشاريع وقدرات على اتخاذ القرار قبل أن تبدأ المباراة أصلاً.

ويأتي إعلان وزارة الرياضة عن البدء في نقل ملكية الـ25% من أسهم شركات الاتحاد والهلال والنصر والأهلي، التي تمثل ملكية المؤسسات غير الربحية، إلى صندوق الاستثمارات العامة، ليجعل السؤال الإداري أكثر إلحاحاً لا أقل. فالكرة السعودية تمضي إلى مرحلة جديدة تتغير فيها هياكل الملكية، وترتفع معها قيمة الاستثمار والحوكمة والمساءلة، ومن غير المنطقي أن يتقدم الكيان استثمارياً فيما يبقى السؤال الإداري معلقاً. الاتحاد المقبل على هذه المرحلة يحتاج إدارة بحجم التحول، تعرف كيف تدير رأس المال والقرار الرياضي والجمهور معاً، لا إدارة نطلب من الجمهور في كل مرة مزيداً من الوقت للحكم عليها.

ولهذا فإن القضية بالنسبة لي ليست أن «فهد سندي يجب أن يرحل» لأن الجمهور غاضب، ولا أن يبقى لأنه يريد إثبات نجاحه. القضية أعمق من الاثنين: إدارة الاتحاد ليست حقاً شخصياً لأحد، كما أن مغادرتها ليست هزيمة شخصية لأحد. هي عمل مؤسسي ومجتمعي لخدمة نادٍ يمثل ملايين الناس، ومن يتولى مسؤوليته يصبح وجوده وسيلة لخدمة الكيان، لا يصبح الكيان وسيلة لإثبات نجاحه.

وهنا تحديداً تظهر شجاعة المسؤول. فإذا كان فهد سندي يرى أن إدارته ما زالت تملك مشروعاً واضحاً يمكن الدفاع عنه، فكان عليه الخروج إلى الاتحاديين، والتحدث معهم بصراحة، وليقل ماذا تحقق، وما الذي تعثر، وما الذي سيختلف، ومتى تظهر النتائج. الجمهور لا يطلب المستحيل، لكنه يستحق أن يعرف إلى أين يمضي ناديه.

أما إذا كان الرجل، وهو الأعرف بما يجري داخل النادي، يرى أن التجربة لم تصل إلى ما كان يأمله، أو أن إدارته لم تعد تملك الأدوات الكافية لإحداث التغيير، فإن أشجع قرار يمكن أن يتخذه ليس أن يتمسك بالموقع، بل أن يتحمل مسؤولية اللحظة ويقول: حاولنا، واجتهدنا، والاتحاد اليوم يحتاج إلى مرحلة جديدة. ذلك لا يعيبه، بل ربما يحفظ له احترام جمهور يعرف جيداً الفرق بين من يخدم المنصب ومن يخدم النادي.

فالقيادة ليست أن تبقى حتى آخر يوم تستطيع فيه البقاء؛ القيادة أحياناً أن تعرف متى يصبح إفساح الطريق جزءاً من المسؤولية نفسها.

وأقولها بكل وضوح، لا خلاف مع فهد سندي الإنسان، ولا مزايدة على محبته للاتحاد. حاول الرجل واجتهد، وهذا يُحترم. لكن الاتحاد أكبر من الأستاذ فهد سندي، وأكبر من إدارته الموقرة وأعضائها، وأكبر من أي شخص سيأتي بعدهما. وفي النهاية، الاتحاد لا يحتاج رئيساً يثبت أنه يحب الاتحاد؛ فجمهوره بالملايين يفعلون ذلك كل يوم. الاتحاد يحتاج إدارة تعرف كيف تديره.

لقد كان «لنصبر» خياراً مشروعاً في بداية التجربة. أما بعد موسم كامل، فإن السؤال لم يعد كم من الوقت سنمنح الإدارة، بل ماذا قدّمت خلال الوقت الذي مُنح لها. وحين لا تكون الإجابة بحجم الاتحاد، لا يعود الصبر خياراً.

00:01 | 21-08-2026

الثقة العمياء... حين يعرف الآخر أكثر مما ينبغي

ليست أكثر الجرائم إثارة للخوف تلك التي يأتي فيها الخطر من شخص لا نعرفه؛ فالإنسان يعرف بالفطرة كيف يحذر الغريب. الأصعب أن يأتي الخطر من المساحة التي اعتدنا أن نشعر فيها بالأمان، ومن شخص لم نضعه يومًا في خانة من ينبغي الحذر منهم.

ولهذا لم تكن الجريمة التي شغلت المجتمع المصري خلال الأيام الماضية مجرد واقعة قتل مروّعة. فبحسب ما أعلنته السلطات وما نُشر عن التحقيقات، كان المتهم صديقًا مقرّبًا من رب الأسرة، يدخل بيته في مأمن ويعرف أهله وتفاصيل حياته، حتى انتهت تلك الثقة إلى مشهد يصعب استيعابه: رجل يُقتل غيلة على يد من كان يعدّه من أقرب أصدقائه، ثم تمتد الجريمة إلى أفراد من أسرته. لم يكن الجاني - وفق الرواية التي تكشفها التحقيقات - غريبًا يبحث عن طريق إلى البيت؛ كان الطريق مفتوحًا أمامه بحكم الصداقة والثقة. وهنا يبرز السؤال الأصعب: ماذا يحدث حين يأتي الخطر ممن أسقطنا أمامه كل أسباب الحذر؟

وتصبح الحادثة أكبر من جريمة عندما نقرأ الخطر من بدايته، لا من نهايته؛ فهو لم يبدأ عند لحظة استخدام السلاح، بل قبلها، عندما أصبحت المسافة بين «الصديق» و«البيت» قصيرة إلى الحد الذي عرف معه الآخر أحوال الأسرة وحركتها، وربما أسرارها المالية، وما يكفي من تفاصيل حياتها ليصبح القرب نفسه عنصرًا في الجريمة.

نعلّم أبناءنا ألا يفتحوا الباب للغريب، لكننا نادرًا ما نتحدث عمّا يحدث عندما لا يكون الخطر غريبًا. فالإنسان يخفّض دفاعاته أمام من يعرفه؛ يحدّثه عن بيته وأمواله ومشكلاته وتحركاته، وربما يمنحه مع السنوات مفاتيح غير مرئية إلى حياته. ولا خطأ في الصداقة، لكن الخطأ يبدأ عندما نخلط بين الثقة وإسقاط الحدود. فالحدود لا تعني الشك، والحذر لا يعني سوء الظن؛ إنها هامش ينبغي أن يبقى حتى مع أقرب الناس.

ولعل هذا ما جعلني أتردد قبل كتابة المقال. فآخر ما نحتاج إليه أن تتحوّل جريمة فردية إلى سبب يهدم الثقة بين الناس. وتذكرت رواية متداولة عن الزبير وشرحبيل بن مُرّة؛ إذ قيل إن شرحبيل أجار الزبير، ثم خانه الزبير وسرق حصانه، فلما أخبر أباه بما فعل جاءت العبارة التي بقي معناها أبلغ من الحكاية: «لا تخبر هذه القصة لأحد من العرب، لكي لا تموت النخوة في نفوسهم». فبعض القصص قد تزرع الشك بدل الحذر. لكن الصمت ليس الحل؛ فالغاية ليست أن نشك في أصدقائنا، بل أن نتعلّم أن الثقة لا ينبغي أن تلغي الحدود.

وقد تعيد الحادثة إلى الأذهان المقولة: «احذر عدوك مرة، وصديقك ألف مرة». ولا أظن أن الحياة تستقيم بهذا القدر من الارتياب؛ فالثقة من أجمل ما تقوم عليه العلاقات الإنسانية. لكن المعنى الذي يستحق أن يبقى أن القريب يعرف ما لا يعرفه البعيد، ولذلك فإن الضرر - حين يقع - قد لا يأتي من مقدار العداوة، بل من مقدار المعرفة التي منحناها بثقة. والحذر هنا ليس اتهامًا للصديق، بل حماية لحدود لا ينبغي أن تسقط.

وهذه الحدود لا تسقط في يوم واحد. تبدأ بحديث عن المال وما نملك ومواعيد السفر، وقد تمتد إلى مفاتيح ومستندات وحسابات ومعلومات عن الأبناء، حتى يصبح شخصًا من خارج الأسرة حاملًا لخريطة شبه كاملة عن حياتها. قد يكون أمينًا طوال عمره، وهذا هو الأصل؛ لكن إدارة المخاطر لا تُبنى على النوايا وحدها، بل على حجم الضرر إذا تغيّرت النوايا يومًا.

وهذه قاعدة نعرفها في القانون والأعمال وننساها في حياتنا: لا تمنح شخصًا من الصلاحيات أو المعلومات أكثر مما يحتاج إليه لمجرد أنك تثق به. الشركات والبنوك لا تبني أنظمتها على حسن النوايا وحده، والعقود لا تصبح إهانة لأن أطرافها أصدقاء. والتوثيق وفصل الصلاحيات وحماية المعلومات ليست انعدامًا للثقة؛ بل حماية لها. والقاعدة تصلح للبيت أيضًا: ليس هناك سبب يجعل أحدًا يعرف كل ما نملك، وأين نحتفظ به، ومتى يغيب أهل المنزل، وما كلمات مرورنا وكيف تتحرك الأسرة.

والمال يحتاج إلى قدر إضافي من العقل. فكثير من النزاعات لم تبدأ بين أعداء، بل بين شركاء وأقارب وأصدقاء رأوا التوثيق إساءة للعلاقة. كتابة الدَّيْن، وتوثيق الشراكة، وتحديد الصلاحيات وإثبات التحويلات لا تعني انتهاء الثقة؛ بل قد تحميها من الاختبار.

وفي العصر الرقمي اتسعت المسألة؛ فالإنسان يكشف أحيانًا موقعه وسفره وأسماء أبنائه وصور منزله ومقتنياته وأماكن وجوده. كل معلومة منفردة قد تبدو بلا قيمة، لكن جمعها يرسم خريطة مختلفة. لذلك أصبحت الخصوصية جزءًا من الأمن الشخصي والأسري.

ولا ينبغي لمأساة كهذه أن تدفعنا إلى الشك في الصديق والقريب، أو أن تهدم قيمة إنسانية عظيمة اسمها الثقة. لكن هناك فرقًا بين أن تثق بالإنسان وبين أن تسلمه مفاتيح حياتك، وبين حسن الظن والتنازل عن الحذر.

وربما هذا هو الدرس الذي يستحق أن يبقى بعد أن تهدأ أخبار الجريمة: ثق، وصادق، وأحب، وأحسن الظن؛ لكن أبقِ لحياتك حدودًا. فالثقة الحقيقية لا تحتاج أن يعرف الآخر كل شيء عنك، والصداقة الصادقة لا تهتز لأن بابًا بقي مغلقًا، أو سرًا بقي داخل الأسرة، أو مالًا جرى توثيقه.

لأن السؤال في النهاية ليس فقط: بمن نثق؟

بل أيضًا: كم ينبغي لمن نثق به أن يعرف؟

وهناك، بين السؤالين، قد تكمن مسافة الأمان بأكملها.

22:17 | 13-08-2026

محمد بن سلمان.. حين تتكلم الأفعال

استقبل السعوديون باهتمام واعتزاز توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؛ اتفاقية لا تستمد أهميتها من اجتماع ثلاث قوى مؤثرة في العالم الإسلامي فحسب، ولا من توقيتها في واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطراباً، بل من المبدأ الذي قامت عليه: أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. وفي السياسة الدولية، لا تمر عبارة كهذه بوصفها تفصيلاً بروتوكولياً؛ فهي تعيد رسم حسابات الردع، وتوسع دائرة المصالح المرتبطة بأمن المملكة، وتطرح سؤالاً أبعد من الاتفاقية ذاتها: كيف تُبنى حماية الأوطان قبل أن يصل الخطر إلى حدودها؟


ولعل أصعب ما يواجه الكاتب حين يكتب عن قائدٍ يحترمه أن تبقى الإشادة في موضعها الصحيح؛ فلا تتحول إلى مبالغة، ولا يدفعه التردد من المبالغة إلى إنكار ما تقوله الوقائع. وفي هذا المقال تحديداً لن أتوارى خلف الحياد اللغوي حين تكون النتيجة أمامنا جميعاً. فبعد فضل الله وحفظه، عاش السعوديون أمناً واستقراراً في لحظات كان الخوف فيها قريباً من المنطقة، وهذه ليست صفة أسبغها على قائد، بل حالة عاشها وطن كامل. ولذلك فإن الإشادة بمحمد بن سلمان هنا ليست خروجاً عن موضوع المقال؛ إنها موضوع المقال حين تكون الأفعال هي الدليل.


وللإجابة عن هذا السؤال، ربما ينبغي ألا نبدأ من اتفاقية مكة، بل من القائد الذي وقّعها. فمن يتابع مسيرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية يلحظ أن أمن المملكة في رؤيته لا يُدار بمنطق انتظار الخطر ثم التعامل معه، بل باستباقه وبناء الخيارات قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحّة. ولهذا يصعب قراءة الاتفاقية الجديدة بمعزل عن مسار أطول سبقها: تطوير للقدرات العسكرية، وتوطين للصناعات الدفاعية، وتنويع للشراكات، وتوسيع لهامش القرار السعودي، بالتوازي مع دبلوماسية لا تتردد في فتح أبواب الحوار وخفض التصعيد متى كان السلام ممكناً. إنها معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها من أصعب معادلات الحكم: أن تبني من القوة ما يحمي السلام، ومن الحكمة ما يجنبك الاضطرار إلى استخدام تلك القوة.


ولم تبدأ هذه القراءة اليوم. فقبل نحو ثماني سنوات، وفي عام 2018 تحديداً، كان ولي العهد يتحدث بوضوح عن أحد أخطر الاحتمالات التي قد تواجه أمن المنطقة: أن يقود البرنامج النووي الإيراني إلى سباق تسلح يغيّر موازين القوة، موضحاً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً سيضع المملكة أمام خيارات تفرضها مسؤوليتها عن أمنها. يومها كان ذلك حديثًا عن خطر محتمل؛ أما السنوات التي تلت فقد جعلت الملف النووي والصواريخ واتساع المواجهة الإقليمية في صميم حسابات الأمن الدولي. وما يستحق التوقف هنا ليس أن نقول إن الأمير «تنبأ» بما سيحدث، بل ما هو أهم سياسياً من التنبؤ: أنه قرأ اتجاه الخطر مبكرًا، ثم أمضى السنوات التالية في بناء خيارات الدولة قبل أن يصبح ذلك الخطر عنواناً يومياً للأخبار.


وما بين ذلك التحذير المبكر واتفاقية مكة اليوم، لم تقف المملكة في موقع المتفرج على تحولات المنطقة. كانت تبني بهدوء عناصر قوتها: ترفع جاهزيتها الدفاعية، وتدفع نحو توطين صناعاتها العسكرية، وتنوع شراكاتها، وتوسع علاقاتها مع القوى المؤثرة شرقاً وغرباً، وتمنح القرار السعودي مساحة أرحب للحركة. وفي الوقت نفسه، لم تُغلق الرياض باب الحوار حتى مع من اختلفت معهم؛ لأن الغاية لم تكن صناعة خصومات جديدة، بل صناعة أمن سعودي لا يتوقف على حسن النوايا، ولا يُرهن بحليف واحد، ولا ينتظر الأزمة حتى يبحث عن أدوات مواجهتها. ومن هنا تبدو اتفاقية مكة اليوم أقل شبهاً برد فعل على أزمة عابرة، وأكثر قرباً بحلقة جديدة في مسار طويل أراد له ولي العهد أن يمنح المملكة شيئاً أثمن من التحالف ذاته: تعدد الخيارات حين تضيق خيارات الآخرين.


ولعل أصدق ما يختصر قيمة كل ذلك ليس ما جرى خلف أبواب غرف العمليات، بل ما لم يتحول إلى نمط حياة في الداخل السعودي. ففي الوقت الذي عاشت فيه أجزاء من المنطقة على وقع صفارات الإنذار، وتعليق الرحلات، وإغلاق المجالات الجوية، وأخبار الصواريخ والمسيّرات التي دخلت تفاصيل اليوم العادي لدى شعوب قريبة، بقي الإيقاع العام للحياة في المملكة مختلفًا على نحو يستحق التأمل: مواطن يذهب إلى عمله، وأسرة تمضي في يومها، وأسواق ومطارات تعمل، ومشاريع تستمر، والخوف لم يصبح جزءاً من الحياة اليومية. وهذه النعمة، بعد توفيق الله وحفظه، لم تكن محض مصادفة؛ بل كانت خلفها دولة تستعد، ومؤسسات تعمل، وقيادة تقرأ الخطر قبل وصوله. وهنا يأخذ حرص ولي العهد على أمن المواطن معنى يتجاوز الكلمات؛ لأن الوفاء الحقيقي في الحكم لا يُقاس بما يقوله القائد عند الخطر، بل بما يفعله قبله لتقليل أثر ذلك الخطر على الناس. وهذه المملكة، التي كان الأمن والإيمان والرخاء عنواناً لمسيرتها منذ توحيدها، تحمل اليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان المعنى ذاته بأدوات دولة أكثر قوة واستعداداً: أن يبقى السعودي آمناً على أرضه، وأن تبقى الطمأنينة جزءاً من حياته مهما اضطرب ما حوله.


وللقارئ غير المتخصص، فإن المعنى القانوني لاتفاقية مكة يستحق التوقف عنده. فحين تتفق ثلاث دول على أن الاعتداء المسلح على إحداها يُعد اعتداءً عليها جميعاً، فإنها لا تضيف مجرد عبارة سياسية إلى بيان مشترك، بل تنقل أمن كل دولة من نطاقه المنفرد إلى دائرة أوسع من الدفاع الجماعي. وهذا المفهوم له أصل راسخ في القانون الدولي؛ فالمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة تقر بالحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها عند وقوع اعتداء مسلح. غير أن ذلك لا يعني -وفق التفاصيل المعلنة حتى الآن- أن كل حادث يقود تلقائياً إلى حرب تشارك فيها الدول الثلاث بالطريقة ذاتها؛ فالتفاصيل العملياتية للاتفاق لم تُعلن. والأهم أن القيمة الأولى لمثل هذه الاتفاقيات تسبق لحظة استخدامها: فهي تغيّر حسابات من يفكر في الاعتداء، لأن السؤال لم يعد ماذا ستفعل الدولة المستهدفة وحدها، بل ماذا يمكن أن تفعل معها منظومة كاملة من الشركاء.


وهذا هو الفارق بين القوة والردع. القوة هي ما تملكه الدولة من أدوات، أما الردع فهو ما يجعل خصمها يعتقد أنه سيواجهه إذا قرر اختبار تلك الأدوات. ومن هنا فإن أنجح اتفاقية دفاع ليست بالضرورة تلك التي تُفعّل في حرب، بل ربما تكون التي تحقق غايتها دون أن تُفعّل أصلاً؛ لأنها جعلت كلفة الاعتداء أعلى من مكاسبه. فالغاية الأخيرة من بناء القوة ليست الحرب، بل أن يصبح السلام أكثر أماناً.


وليس اختيار تركيا وباكستان تفصيلاً عابراً في هذه المعادلة. فباكستان تمثل ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً معروفاً، وعلاقتها بالمملكة ممتدة ومتجذرة، فيما تمثل تركيا قوة إقليمية وعضواً في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب ما طورته من قدرات وصناعات دفاعية. أما المملكة فتدخل هذه الشراكة بثقلها السياسي والاقتصادي، ومكانتها العربية والإسلامية، وموقعها المحوري في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وحين تجتمع هذه العناصر، فالقيمة لا تكمن في جمع القدرات العسكرية فحسب، بل في تشابك المصالح واتساع دوائر الردع وارتفاع الكلفة السياسية والإستراتيجية لأي تهديد محتمل. وربما الأهم أن هذا التحالف لا يقول إن السعودية اختارت شرقاً بدل غرب، أو حليفاً بدل آخر؛ بل يقول شيئاً أكثر نضجاً عن السياسة التي يقودها ولي العهد: أن تكون للمملكة علاقات مع الجميع، ولكن أن يكون قرارها لها، وأن تتعدد شراكاتها دون أن تتعدد بوصلتها؛ فالبوصلة في النهاية سعودية.


ولمن يقرأ مسيرة الأمير محمد بن سلمان منذ أن تصدّر المشهد القيادي والسياسي في المملكة، يصعب أن يفصل هذه الاتفاقية عن سمة باتت واضحة في طريقته في الحكم: أنه لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يضع الغد على طاولة القرار اليوم. قبل ثماني سنوات قرأ اتجاه الخطر في المنطقة وتحدث عنه بوضوح، وفي السنوات التي تلت لم ينتظر أن تثبت الأحداث صحة مخاوفه؛ بنى القدرات، ووسّع الشراكات، وفتح أبواب السلام، وعزز الردع، وأبقى القرار السعودي مستقلاً. وهذه ليست سياسة أزمة، بل مدرسة قيادة تتعامل مع أمن الوطن باعتباره التزاماً مستمراً لا بنداً موسمياً. ومن يتتبع مشروع محمد بن سلمان منذ بدايته يجد أن الرجل اختار أصعب معيار يمكن أن يُحاسَب عليه القائد: النتيجة. وضع أمام السعوديين مشروع دولة أقوى، واقتصاد أكثر تنوعاً، ومكانة تليق بالمملكة، وحياة يكون فيها المواطن في قلب الأولويات؛ ثم ترك للسنوات أن تتكلم.


واليوم، ربما لا يحتاج السعودي إلى قراءة اتفاقيات الدفاع أو خرائط التحالفات حتى يعرف قيمة ذلك كله. يكفي أن يشعر بالأمان في وطنه، وبالاعتزاز حين يحمل اسمه خارجه. وهذه، بعد فضل الله وتوفيقه، أمانة دولة حملها المؤسس الملك عبدالعزيز، وتعاقب على صيانتها أبناؤه الملوك، ويحمل لواءها اليوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فيما يبني ولي عهده أدواتها للمستقبل بعقل يعرف أن حماية الوطن لا تبدأ عندما يصل الخطر إلى حدوده، بل قبل ذلك بسنوات؛ بالقرار، والقوة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والتحالفات. فالأمن الذي ينعم به السعودي لم يولد مع أزمة، ولن ينتهي بانتهائها؛ إنه إرث دولة، ومقياس نجاحه الأصدق أن يبقى المواطن مطمئناً والوطن عزيزاً ماضياً في البناء.


وحين ينظر السعودي حوله فيرى إقليماً تغيرت فيه أشياء كثيرة، ثم ينظر إلى وطنه فيجده ثابتاً في موقعه، ماضياً في مشروعه، يدرك أن بعض الوعود لا تحتاج إلى أن تُكرر على المنابر؛ يكفي أن يعيش الناس نتائجها. أن ينام مطمئناً، وأن يستيقظ على وطن يزداد قوة، وأن يحمل اسم بلاده خارج حدودها فيشعر بعزتها ومكانتها؛ فذلك هو المعنى الذي تتضاءل أمامه كثرة الكلام، وهو أيضاً ما يمنح تجربة محمد بن سلمان في القيادة معناها الأوضح: حين يكون الوطن هو الوعد، والأمن هو الأمانة، والمواطن هو الغاية، لا تعود القيادة بحاجة إلى كثير من القول... تتكلم الأفعال.

19:58 | 8-08-2026

العقار السعودي... حين تكتمل المنظومة

لم يكن قرار مجلس الوزراء، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، بنقل الخدمات الرقمية والتشغيلية المرتبطة بالتوثيق العقاري إلى الهيئة العامة للعقار، مجرد قرار تنظيمي أو إعادة توزيع لاختصاصات بين جهات حكومية. فمن يقرأ هذا القرار في سياق التحوّل الذي يشهده القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة يدرك أنه يمثل خطوة جديدة في مشروع أشمل، يستهدف بناء منظومة عقارية متكاملة، تتكامل فيها البيانات، وتتحد فيها المنصات، وتتقارب فيها الإجراءات، بما يعزّز كفاءة السوق، ويرفع موثوقيته، ويجعل رحلة المستفيد أكثر وضوحًا وانسيابية. ولعل أكثر ما يلفت النظر في القرار أنه لم يكتفِ بإعادة توزيع الاختصاصات، بل رسّخ مبدأً تنظيميًا بالغ الأهمية، وهو أن الخدمات العقارية كلما تكاملت تحت مظلة واحدة، ازدادت كفاءتها، وارتفعت موثوقية التعاملات، واقتربت رحلة المستفيد من أن تكون أكثر بساطة ووضوحاً.

ولذلك، لا ينبغي النظر إلى القرار باعتباره انتقالاً لخدمة من جهة إلى أخرى، بل باعتباره انتقالاً في طريقة إدارة القطاع العقاري نفسه. وهذه ليست قراءة تُستنتج من قرار منفرد، بل امتداد لمسار تشريعي وتنظيمي متكامل شهدته المملكة خلال الأعوام الأخيرة. فما بين السجل العقاري، والبورصة العقارية، والخدمات الرقمية، وتطوير الأنظمة، تتشكّل اليوم منظومة واحدة، هدفها أن تصبح البيانات أكثر تكاملاً، والإجراءات أكثر اتساقًا، والخدمات أكثر كفاءة.

شرحًا لمن لا يتابع تفاصيل القطاع العقاري، فإن القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في انتقال المنصات، وإنما في توحيد البيئة التي تعمل من خلالها. فكلما أصبحت الخدمات والبيانات والأنظمة تعمل ضمن إطار مؤسسي أكثر تكاملاً، ارتفعت موثوقية المعلومات، وتراجعت ازدواجية الإجراءات، وأصبح الوصول إلى الخدمة أكثر وضوحًا وسهولة. والنتيجة ليست مجرد تطوير تقني، بل رفع لجودة السوق العقارية نفسها.

وماذا يعني ذلك للسوق العقارية وللمتداولين فيها؟ يعني، ببساطة، أن التنظيم يصبح جزءاً من حماية السوق. فكلما توحدت مصادر البيانات، وارتفعت موثوقيتها، وتعزّزت قابلية التحقق منها، ارتفع مستوى اليقين النظامي، وأصبحت حماية الحقوق أكثر رسوخاً، وتقلصت مواطن الاختلاف التي قد تنشأ بسبب تشتت المعلومات أو تضاربها. فالأسواق لا تبنى بالثقة المجردة، وإنما تبنى حين تكون الحقوق أوضح، والبيانات أدق، والإجراءات أكثر انضباطاً وقابلية للتتبع.

ولعل من يتابع القرارات العقارية في المملكة خلال الأعوام الأخيرة يلحظ أنها لا تأتي منفصلة عن بعضها، بل تُبنى حلقةً بعد أخرى. فمن السجل العقاري، إلى تنظيم الوساطة العقارية، إلى تطوير الخدمات الرقمية، وصولاً إلى هذا القرار، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، نحن لا نشهد تطوير خدمة بعينها، وإنما إعادة هندسة للقطاع العقاري بأكمله، وفق رؤية تجعل البيانات أصلاً في اتخاذ القرار، والتنظيم ركيزة للثقة، والرقمنة وسيلة لرفع الكفاءة، لا غاية في حد ذاتها.

وهنا تتجاوز آثار القرار حدود الإجراءات اليومية. فالمستثمر، والمطور، والممول، والمشتري، وحتى الممارس العقاري، لا يبحثون عن سرعة الإجراء وحدها، بل عن وضوحه واستقراره وقابليته للتنبؤ. وكلما تكاملت المنظومة، وتوحّدت مصادر البيانات، وتعزّزت موثوقيتها، أصبح اتخاذ القرار الاستثماري أكثر اطمئنانا، وأصبحت البيئة العقارية أكثر قدرة على جذب الاستثمار، لأنها تقوم على سوق يمكن الوثوق بإجراءاته قبل الثقة بعوائده.

إن القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في نقل خدمة من جهة إلى أخرى، وإنما في ترسيخ مفهوم «المنظومة». فالأسواق الحديثة لا تُدار بمجموعة خدمات متفرقة، وإنما بمنظومات مترابطة، يعمل كل عنصر فيها على تعزيز العنصر الآخر. وعندما تتكامل المنصات، وتتحدث البيانات بلغة واحدة، يصبح التنظيم نفسه قيمة مضافة للسوق، لا مجرد إطار لإدارته.

ولهذا، فإن العقار السعودي لا يدخل اليوم مرحلة جديدة فحسب، بل يقترب أكثر من مرحلة النضج المؤسسي. وإذا كانت الأسواق تُقاس بحجم استثماراتها، فإنها تُبنى في الأصل على جودة تنظيمها، ووضوح إجراءاتها، وموثوقية بياناتها. وما تشهده المملكة اليوم يؤكد أن بناء الثقة في السوق يبدأ دائمًا من بناء المنظومة التي تحميها. وحين تكتمل المنظومة... يصبح التطور نتيجةً طبيعية، لا استثناءً.

00:00 | 31-07-2026

ما بين الرياض وأبوظبي.. حين تتقدّم الأخوّة على الضجيج

لا تُقاس العلاقات بين الدول بمواقف عابرة، ولا تُختزل في قراءة متعجلة لحدثٍ واحد. فالعلاقات التي تبنيها المصالح وحدها قد تتأثر بتبدل المواقف، أما العلاقات التي يصنعها التاريخ، وتوثقها الثقة، وتحميها القيادة، فهي أكبر من أن تُفسَّر بمشهد عابر أو يُحكم عليها بلحظة مؤقتة. وهذا ما ينطبق على العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ علاقة لم تُبنَ يوماً على ظرف سياسي طارئ، بل على إدراك راسخ بأن أمن الخليج واستقراره وازدهاره مسؤولية مشتركة، وأن ما يجمع البلدين أعمق من أن تختزله لحظة، وأرسخ من أن تنال منه قراءة متعجلة. فالعلاقات التي تُبنى على الثقة لا تُختبر في الأيام الهادئة، وإنما في قدرتها على تجاوز المنعطفات دون أن تفقد اتجاهها، وهذا ما يميز العلاقات التي تصنعها الرؤية بعيدة المدى، لا الحسابات العابرة.

ولذلك، لم تنظر المملكة يوماً إلى الخليج باعتباره مجرد جوار جغرافي، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لأمنها ومستقبلها. وهذه ليست قراءة تُستنتج من الأحداث، بل فلسفة أثبتتها الممارسة قبل أن تعبر عنها الكلمات. ولعل من أبلغ ما عبّر عنها ما قاله ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز عندما استشهد بتجربة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مؤكداً أنها رفعت سقف الطموح في المنطقة، وأن نجاح دبي حفّز بقية العواصم الخليجية على المضي في مسارات أكثر طموحاً، وصولًا إلى رؤيته بأن الشرق الأوسط يمكن أن يصبح «أوروبا الجديدة». والأهم من هذه الكلمات أنها تكشف فلسفةً في القيادة لا ترى نجاح الشقيق منافساً، بل رصيداً، ولا تنظر إلى نهضة الخليج بوصفها سباقات منفصلة، بل مشروعاً حضارياً مشتركاً تتعاظم فيه قوة الجميع بنجاح الجميع. ومن هنا، لم يكن الحديث عن نجاح دبي أو أبوظبي أو غيرهما حديثاً عن إنجازات متفرقة، بل عن حلقات في مشروع خليجي أوسع، يقوم على قناعة بأن ازدهار المنطقة لا يتجزأ، وأن نجاح إحدى دولها يضيف إلى قوة الجميع.

كما أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي لم تكن يوماً رهينة تطابق المواقف في كل توجهاتها، ولا أسيرة لحسابات اللحظة، وإنما قامت على ثقة تراكمت عبر العقود، وشراكة أثبتت حضورها في ملفات الأمن، والاقتصاد، والتنمية، والاستثمار، والعمل الخليجي والعربي المشترك. ولهذا جاءت الصورة التي جمعت وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز بأخيه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، لتجسّد هذه الحقيقة بهدوء. وكان أبلغ ما في تلك الصورة أنها لم تدخل في سجال، بل تركت للوقائع أن تنطق بما تعجز عنه التأويلات؛ فالعلاقات الراسخة لا تحتاج في كل مرة إلى ما يثبتها؛ لأن رصيدها الحقيقي يُبنى بالمواقف، ويُقاس بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال عنها. ولعلها لذلك بدت أبلغ من كثير من التعليقات؛ لأنها لم تحمل خطابًا بقدر ما عكست حالة من الثقة والاطمئنان، تاركةً للواقع أن يقدم البرهان الأصدق.

وفي المقابل، وفي هكذا لحظات مفصلية، تصبح مسؤولية الإعلام مضاعفة؛ ليس في صناعة العلاقات، وإنما في نقلها بميزان من الدقة والإنصاف، بعيداً عن القراءات المتعجلة أو الروايات التي تختزل علاقات تاريخية في أحداث عابرة. فالإعلام الرصين يقرأ الوقائع في سياقها، ولا يسمح للضجيج أن يحجب الحقائق؛ لأن الخبر حين يُفصل عن سياقه يصبح عرضة للتأويل، أما حين يُقرأ في إطار مسيرة طويلة، فإنه يكشف أن الثابت أكبر من المتغير، وأن العابر لا يستطيع أن يطغى على الراسخ.

فقد أثبتت التجربة أن العلاقة السعودية الإماراتية لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على رؤية بعيدة المدى ترى أن استقرار الخليج أساس لاستقرار المنطقة، وأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بالتكامل، وأن نجاح أي دولة خليجية ينعكس أثره على بقية دول المجلس اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. ولهذا بقيت هذه العلاقة أكثر رسوخاً من أن تهزها التأويلات؛ لأنها تأسست على الثقة قبل المصالح، وعلى الأخوة قبل الحسابات. كما أن قوتها لم تكن يوماً في غياب التحديات، بل في امتلاكها من الرصيد السياسي والإنساني ما يجعلها قادرة على تجاوزها دون أن تمس جوهرها أو تغير اتجاهها.

ولهذا، ظل ما بين الرياض وأبوظبي شاهداً على أن العلاقات الكبرى لا تُبنى على ظرف سياسي، ولا تقوم على مصلحة عابرة، بل تنمو برؤية، وترسخها الثقة، وتحميها المواقف. وإذا كانت الأحداث تصنع عناوين الأيام، فإن الرؤى هي التي تصنع تاريخ الأمم. فالعلاقات التي تؤسسها الأخوة، وتثبتها المواقف، لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ لأنها ببساطة تعرف كيف تتحدث عن نفسها.

00:00 | 24-07-2026

الأرجنتين.. ثقافة الفوز حتى الصافرة

ليست كل الفرق التي تفوز هي الأفضل طوال المباراة، كما أن التفوق لا يُقاس دائماً بعدد الدقائق التي يسيطر فيها فريق على الملعب. أحياناً يكفي أن تعرف كيف تبقى في المباراة، وأن تحتفظ بأعصابك وأدواتك إلى اللحظة التي يبدأ فيها الآخرون استعجال النهاية. وهذه، باختصار، هي الثقافة التي أوصلت الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم مرة أخرى.

أمام إنجلترا، بدت المباراة متجهة إلى نهاية مختلفة. تقدّم الإنجليز، وأغلقوا المساحات، وبدأت ملامح التأهل تلوح أمامهم. لكن الأرجنتين لم تتعامل مع التأخر بوصفه حكماً نهائياً، ولم يتحوّل الوقت المتناقص إلى مصدر للذعر. انتظرت، وضغطت، وواصلت البحث عن الثغرة، حتى أدركت التعادل في الدقائق الأخيرة، ثم خطفت هدف الفوز في الوقت بدل الضائع، بمساهمتين حاسمتين من ليونيل ميسي، لتتأهل إلى النهائي.

وما حدث أمام إنجلترا لم يكن واقعة منفصلة. أمام مصر، عادت الأرجنتين من وضع بالغ الصعوبة وحسمت المباراة في الوقت القاتل، وفي مواجهة سويسرا احتاجت إلى وقت إضافي قبل أن تفرض خبرتها وتحجز مقعدها في نصف النهائي. ومع تكرار المشهد، لم يعد من المبالغة الحديث عن سمة أرجنتينية واضحة: هذا الفريق لا يعتبر المباراة منتهية ما دامت الصافرة لم تُطلق.

ويمكن تسمية ما يحدث في النهاية بـ«عشر دقائق ميسي». وليس المقصود أن الرجل يفعل كل شيء وحده، وإنما أن حضوره يمنح زملاءه يقيناً بأن فرصة أخرى ستأتي، وأن تمريرة واحدة قد تغيّر مسار بطولة كاملة. أمام إنجلترا ظل تحت الرقابة فترات طويلة، لكنه أعاد تمركزه، وتحرك في المساحات التي تؤلم خصمه، ثم صنع اللحظتين اللتين قلبتا المباراة. فالعبقرية هنا ليست في المهارة وحدها، بل في الاحتفاظ بالصفاء الذهني عندما يصبح الملعب كله مشبعاً بالتوتر.

وهذا هو الفارق بين فريق يلعب جيداً، وفريق يعرف كيف يفوز. الأول قد يسيطر، ويصنع الفرص، ويتقدم في النتيجة؛ أما الثاني فيمتلك، إلى جانب ذلك، الصبر والخبرة والقدرة على تغيير الخطة واستثمار اللحظة التي يبدأ فيها الخصم بالتراجع أو الخوف أو الاكتفاء بما حققه. حاولت إنجلترا حماية تقدّمها، فتراجعت أكثر مما ينبغي، بينما تعاملت الأرجنتين مع كل متر تخلت عنه بوصفه مساحة جديدة للهجوم.

وفي الحياة أيضاً، لا يذهب النجاح دائماً إلى صاحب البداية الأقوى، ولا إلى الأكثر ضجيجاً أو موهبة. كم من مشروع بدأ متأخراً، ثم سبق غيره لأن أصحابه لم يفقدوا التركيز؟ وكم من إنسان امتلك فرصة النجاح ثم بدّدها لأنه استعجل الاطمئنان قبل النهاية؟ الفارق كثيراً ما يُصنع في «الدقائق العشر الأخيرة»؛ حين يتعب الآخرون، أو يطمئنون، أو يظنون أن النتيجة أصبحت ملكاً لهم.

ثقافة الفوز لا تعني إنكار التعب، ولا الادعاء بأن الهزيمة مستحيلة، وإنما تعني ألا تمنح خصمك نهايتك قبل أن يفرضها عليك. تعني أن تحتفظ بخطة بديلة، وأن تظل قادراً على المحاولة حين تضيق المساحات، وأن تدرك أن الأدوات التي لم تستخدمها بعد قد تكون أهم مما استخدمته منذ البداية.

ولهذا، فإن أجمل ما قدّمته الأرجنتين في هذه البطولة لم يكن الأهداف المتأخرة وحدها، بل درسها المتكرر في إدارة الأمل. فهي قد لا تكون الأفضل في كل دقيقة، لكنها تعرف أي الدقائق يجب أن تكون فيها الأفضل. وميسي ورفاقه لا يستعجلون الاحتفال، ولا يصدقون أن المباراة انتهت لمجرد أن خصمهم بدأ يصدق ذلك.

فالمنتصر الحقيقي ليس دائماً من يبدأ أقوى، بل من يبقى قادراً على تغيير النتيجة حتى آخر لحظة. وميسي ورفاقه، أثبتوا مجدّداً تفوقهم على كل الفرق في هذه البطولة، من حيث إتقان فن اللعب حتى صافرة النهاية.

00:02 | 17-07-2026

وصية ترمب العسكرية.. هل تبقى أوامر الرئيس بعد غيابه؟

حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه ترك تعليمات بالرد على إيران إذا نجحت أي محاولة لاغتياله، بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه وصية عسكرية ستبقى نافذة حتى بعد غياب صاحبها. فالرئيس يتحدث عن قرار مصيري يتعلق باستخدام القوة العسكرية، ويبدو من ظاهر التصريح أن تنفيذ تلك التعليمات قد أصبح معلقًا على وقوع حدث معين، لا ببقاء الرئيس في منصبه.


غير أن هذا الخبر يثير سؤالاً دستورياً أكثر أهمية من الخبر نفسه: هل يملك رئيس الولايات المتحدة أن يترك أوامر عسكرية ملزمة تُنفذ بعد وفاته أو فقدانه لمنصبه؟ أم أن سلطته تنتهي بانتهاء ولايته الدستورية، لتبدأ سلطة رئيس جديد يملك كامل الحرية في اتخاذ القرار من جديد؟


وهنا ينتقل النقاش من السياسة إلى القانون؛ فالمسألة في النظام الأمريكي لا تتعلق بما يريده رئيس، وإنما بما يسمح به الدستور، وبالحدود التي تقف عندها إرادة الأشخاص حين تبدأ سلطة المؤسسات.


ولأن النظام الدستوري الأمريكي لا يحتمل فراغاً في قمة السلطة، وضع الدستور الأمريكي آلية واضحة وفورية لما يحدث عند غياب الرئيس. فإذا توفي الرئيس، أو أُقيل، أو استقال، تنتقل الرئاسة إلى نائب الرئيس بحكم الدستور، فلا يتولى المهمة بصفة مؤقتة، بل يصبح رئيساً كامل الصلاحيات، يملك وحده سلطة القرار، بما في ذلك القرارات العسكرية الأكثر حساسية. وقد نظم التعديل الخامس والعشرون من الدستور الأمريكي، المُقرّ عام 1967، آلية انتقال السلطة وحالات عجز الرئيس عن ممارسة مهامه، بما لا يترك مجالاً للفراغ أو للتنازع على من يملك القرار.


وهنا تكمن المفارقة الدستورية التي يغفل عنها كثيرون، فنائب الرئيس في النظام الأمريكي لا يصبح منفذاً لإرادة سلفه، ولا حارساً على وصيته السياسية، وإنما يصبح صاحب القرار الدستوري الجديد. وله أن يعتمد الخطط العسكرية الموضوعة، أو يعدلها، أو يوقفها بالكامل إذا رأى أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك.


فالدستور الأمريكي في انتقال إدارة الدولة من الرئيس لنائبه، يورّث السلطة، لكنه لا يورّث إرادة من غادرها.


ومنذ اللحظة التي تنتقل فيها السلطة، تنتقل معها كامل المسؤولية الدستورية. فالرئيس الجديد لا يرث قرار الحرب، وإنما يعيد تقييم المشهد وفق المعطيات القائمة، ثم يتخذ قراره هو. ذلك أن سلطة استخدام القوة العسكرية في الولايات المتحدة مستمدة من كون الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي، وهي صفة تنتقل بالمنصب لا بالشخص، فتثبت لمن يتولى الرئاسة وتنقطع عمّن غادرها.


بل إن سلطة الرئيس العسكرية ليست مطلقة، فالدستور الأمريكي يجعل إعلان الحرب من اختصاص الكونغرس، كما وضع قانون صلاحيات الحرب الفيدرالي الصادر عام 1973 قيوداً على استخدام الرئيس للقوة العسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس خلال مدة محددة. وهذا يؤكد أن القرار العسكري في الولايات المتحدة محكوم بمنظومة متوازنة من الصلاحيات بين الرئيس والكونغرس، لا بإرادة فردية تمتد إلى ما بعد المنصب.


وإذا كانت السلطة تنتقل دستورياً من رئيس إلى آخر، يبقى سؤال أكثر دقة: هل يختلف الأمر إذا جاء الرئيس الجديد من الحزب نفسه، أم من الحزب المنافس؟ والجواب أن الدستور الأمريكي لا يميّز بين الحالتين، فالرئيس الجديد، أيّاً كان انتماؤه الحزبي، لا يتلقى سلطاته بوصفه امتداداً لمن سبقه، وإنما بوصفه صاحب الاختصاص الدستوري الأصيل منذ اللحظة التي يدخل فيها البيت الأبيض. وله أن يُبقي على سياسات سلفه إذا رآها محققة للمصلحة الوطنية، وأن يعدلها أو يلغيها إذا تغيرت الظروف. فالمعيار في النظام الأمريكي ليس هوية الرئيس السابق أو انتماءه الحزبي، وإنما تقدير الرئيس القائم للمصلحة العامة وقت اتخاذ القرار.


لذلك، فإن ما وُصف إعلامياً بوصية ترمب العسكرية لا يعدو أن يكون توصيفاً سياسياً لتوجه أو تعليمات محتملة، أما دستورياً فلا يكتسب أي أثر ملزم بمجرد غياب الرئيس، إذ تستمر مؤسسات الدولة في أداء اختصاصاتها، بينما تنتقل سلطة القرار كاملة إلى الرئيس القائم. وبذلك، فإن ما يبقى بعد الرئيس في الولايات المتحدة ليس أوامره، وإنما الدستور الأمريكي الذي يحدد من يملك سلطة اتخاذها.

00:02 | 12-07-2026