لفتت نظري كثيراً الإشارة التي صدرت من نجم نادي الهلال نيفيز، بعد السلوك المعيب الذي تعرّض له من بعض الجماهير، عبر أصوات نشاز حملت إساءة لا تليق بالأخلاق والقيم الإنسانية، ولا تمت بصلة إلى الروح الرياضية التي يفترض أن تسود ملاعبنا ومدرجاتنا.
- ولا نعلم إن كانت تلك الأصوات بالفعل من جماهير التعاون التي تمارس حقها المشروع في دعم ومؤازرة فريقها، أم أنها أصوات دخيلة على المدرج أرادت استغلال المناسبة لممارسة التعصب الرياضي بصورة مرفوضة، وبعقليات لا مكان لها في ملاعبنا، أخلاقاً وديناً وإنسانية.
- أما إشارة نيفيز، فقد فهمتها على أنها رسالة هادئة وعميقة، تذكر من أساء إلى اللاعب الراحل بأن صديقه أصبح في رحمة الله، وأن ما يقوله الإنسان ويفعله لا يضيع، فالحساب في النهاية عند الله، والأجمل من ذلك أن نيفيز لم ينجر إلى الرد بالمثل، ولم يلجأ إلى حركات صبيانية أو ألفاظ مسيئة، كما نشاهد أحياناً من بعض اللاعبين، وإنما اختار أن يحافظ على احترامه لنفسه وللموقف، فكان جديراً بالاحترام والتقدير.
- ولو انقاد هذا اللاعب إلى الانتقام أو الرد بطريقة عدوانية، ربما تغيّرت الصورة، ولما وجد كل هذا التعاطف الذي حظي به. ولذلك جاء رد الفعل قوياً من مختلف أطياف مجتمعنا الرياضي، إلى جانب موقف رسمي سريع ورافض ومستنكِر من الاتحاد السعودي لكرة القدم والرابطة، وكذلك من نادي التعاون وشركة نادي الهلال، عبر بيانات متزنة تعكس موقفاً مسؤولاً يستحق الشكر والثناء.
-وهنا تحديداً أتوقف، فمثل هذه المواقف الرسمية لا تستحق التقدير فقط بسبب مضمونها، وإنما أيضاً بسبب سرعة التعامل معها. وهذا ما سبق لي أن طالبت به في أكثر من مناسبة عند تناول حالات مشابهة أو حالات شهدت خروجاً عن النص، وإن اختلفت في طبيعة الفعل أو درجته، حيث كنت وما زلت أرى أن التأخر في التعامل مع مثل هذه التجاوزات قد يمنح البعض شعوراً بأن الأمر يمكن أن يمر، وأن السكوت اليوم قد يؤدي إلى تجاوز أكبر غداً.
- لكن يبقى السؤال الأهم: هل العقوبة الحالية تحقق الردع المطلوب؟ في تقديري، إن تغريم النادي أو حرمان جماهيره من الحضور قد يكون جزءاً من المعالجة النظامية، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الوصول إلى مرتكب المخالفة نفسه، فالمشكلة أن الجاني الحقيقي قد يختبئ خلف فرد أو مجموعة من الجماهير، ويظل مجهول الهوية، بينما يتحمّل النادي تبعات المخالفة، ويدفع ثمنها، في الوقت الذي يعلم فيه مرتكبها أنه لن يتحمل العقوبة شخصياً.
- ولهذا أعتقد أن المسألة تحتاج إلى إعادة نظر، مسؤولية النادي شيء، ومسؤولية مرتكب المخالفة شيء آخر.
ولا أرى أن مسؤولية النادي ينبغي أن تكون بديلاً عن مسؤولية الشخص الذي تثبت مخالفته، بل المطلوب أن تكون هناك عقوبة شخصية تطبق على مرتكبها، إلى جانب ما يقرره النظام بحق النادي، متى توافرت الأدلة التي تمكّن من تحديد هويته وإثبات مسؤوليته.
- ففي عصرنا الحاضر لم تعد هوية المشجع أمراً مجهولاً بالضرورة؛ إذ أصبحت عملية الدخول إلى الملاعب مرتبطة ببيانات إلكترونية ووسائل تحقق يمكن أن تساعد، عند توافر الأدلة، في الوصول إلى مرتكب المخالفة.
- من وجهة نظري المتواضعة، فإن بعض مواد النظام وآليات تطبيقه أصبحت بحاجة إلى إعادة نظر، بما يتناسب مع التطور التقني والمرحلة الجديدة التي تعيشها الرياضة السعودية.
- عموماً نحن لا نريد مدرجات بلا حماس، ولا جماهير بلا صوت، ولا نريد أن تتحوّل الملاعب إلى أماكن صامتة تخشى فيها الجماهير التعبير عن فرحتها وغضبها، المطلوب فقط أن يعرف كل مشجع أن حقه في التشجيع يقابله واجب احترام الآخرين، وأن من يتجاوز هذا الحق ويتحوّل إلى الإساءة لن يكون النادي وحده من يدفع الثمن، وإنما يتحمّل المخالف نفسه مسؤولية ما ارتكبه، متى ثبتت مخالفته. وبالتالي يصبح للنظام قوة ردع حقيقية، وتتحقق العدالة التي لا تفرق بين لاعب ومشجع، ولا بين نادٍ وآخر.
- همسة أخيرة:
نيفيز احترم النظام وتعامل مع الإساءة بأخلاقه.. فهل يأتي اليوم الذي ينصف فيه النظام نيفيز وكل من يتعرّض لمثل هذه التجاوزات، بقوة النظام وعدالة تطبيقه؟


