نعم، وألف نعم، لكل قرار تأديبي ينشد في المقام الأول المصلحة العامة، ومن أهمها المصلحة الوطنية. ونعم، وألف نعم، لكل قرار يضع حداً لأي انفلات إعلامي، سواء عبر البرامج الرياضية أو وسائل التواصل الاجتماعي، متى ما تجاوز حدود الرأي والنقد إلى إثارة التعصب الرياضي أو النعرات القبلية أو العنصرية، أو التسبب في احتقان داخل الوسط الرياضي.


- وفي المقابل، لا، وألف لا، لأي سلوك يخرج عن الروح الرياضية، أو يتجاوز الأنظمة واللوائح من خلال عبارات أو ممارسات تستوجب المساءلة وفقاً لنصوص واضحة ومحددة. فإذا كانت هناك أنظمة وقرارات وتعليمات تحذر من مثل هذه السلوكيات، فمن الواجب تطبيقها على الجميع دون تهاون أو انتقائية.


- ولا وألف لا كذلك لأي خطاب متعصب أو عنصري يتمادى في نشر أفكار هدامة، أو يتحدى بصورة متكررة التوجيهات والأنظمة والقرارات التي تهدف إلى حماية المجتمع الرياضي من التعصب والإساءة وإثارة النعرات.


- لست من أولئك الذين يستغلون الظروف للظهور أمام المسؤول أو الرأي العام بمظهر المثالي الذي يقدم محاضرات في النبل والأخلاق، بينما تتحول القضية إلى وسيلة لتحقيق حضور إعلامي أو تسجيل مواقف شخصية بالتسلق على اكتاف الآخرين.


- كما أنني لست مع من يستغلون أي أزمة أو خلاف لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج مواقف سابقة، وإنما أنظر إلى ما يحدث في وسطنا الرياضي باعتباري متابعاً ومراقباً، وأرى أن كثيراً من الأزمات لا تأتي من فراغ، وإنما تكون في أحيان كثيرة نتيجة تراكمات تم السكوت عنها، أو ممارسات لم تجد في وقتها المعالجة المناسبة.


- وعندما يتم التعامل مع التجاوزات الصغيرة وكأنها أمور عادية، ويُترك المجال مفتوحاً أمام تكرارها وتضخيمها، فإنها قد تتحول مع الوقت إلى مشكلة أكبر، وعندها يصبح التدخل ضرورياً، لكنه يأتي لمعالجة أزمة تفاقمت، بدلاً من منعها منذ بدايتها.


- ولعل من الأمثلة التي تستحق التوقف عندها ما تعرضت له شخصيات رياضية مرتبطة بأندية جماهيرية من حملات إعلامية تجاوزت حدود النقد الهادف والبناء، ووصل بعضها إلى تناول أشخاص وأسرهم بصورة لا تليق بالوسط الرياضي.. والسؤال هنا: هل كانت الإجراءات المتخذة في حينها كافية ورادعة لمنع تكرار مثل هذه الممارسات؟ للأسف، قد يرى البعض أن الإجابة كانت «لا»، وأن بعض التجاوزات استمرت لفترة طويلة دون معالجة حاسمة، رغم وجود أصوات صحفية وإعلامية نبهت وحذرت من خطورة استمرارها.


- تعالوا معي إلى بداية فترة التسجيل الصيفية؛ ألم نشهد ونقرأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي العديد من الطروحات التي تجاوزت حدود النقد الرياضي؟ ألم تتحول بعض المساحات والمنصات إلى ساحات للتراشق اللفظي، تضمن بعضها إساءات أو تجاوزات بحق أسماء لها مكانتها الاجتماعية والرياضية؟ ألم نشاهد في بعض البرامج الرياضية والمنصات الفردية آراءً بنيت على معلومات غير دقيقة، أو إحصائيات وأرقام لم يتم التحقق منها؟ ألم تساهم بعض الاجتهادات الصحفية في تداول أخبار وشائعات تفتقد إلى المصداقية، قبل التأكد من مصادرها؟


- إذا أردنا التعامل مع المشكلة بجدية، فعلينا ألا نكتفي بمعالجة نتائجها، بل نبحث عن مسبباتها ومصادرها، ومن ثم نبدأ العلاج من جذوره، وهنا أرى أن غياب المعلومة والشفافية يمثل أحد أهم أسباب انتشار الشائعات وتعدد الروايات وما ينتج من تجاوزات.


- والواقع الذي ينبغي الاعتراف به أن الأندية والجهات المرتبطة بها مطالبة بأن تكون أكثر وضوحاً في التعامل مع جمهورها ووسائل الإعلام، وأن تعمل على نشر المعلومات المهمة في الوقت المناسب، وإصدار البيانات التوضيحية متى ما دعت الحاجة، والتفاعل مع التساؤلات المشروعة التي تطرح عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، كل ذلك وفق الأطر النظامية المعتمدة.


- فكلما حضرت المعلومة الموثوقة في وقتها، تراجعت مساحة الشائعة، وكلما غابت المعلومة تركنا المجال مفتوحاً للتأويل والاجتهاد وتضارب الروايات وبالتالي تزيد رقعة الأخطاء والتجاوزات.


- وبهذه الطريقة يمكن الحد من الشائعات، وعدم ترك الساحة لمن يحولون إثارة الجدل والبلبلة إلى وسيلة لتحقيق الشهرة أو زيادة الحضور الإعلامي.


- وفي الوقت نفسه، علينا أن ندرك أن حرية الرأي والنقد الرياضي قيمة مهمة، لكنها لا تعني غياب المسؤولية، ولا تمنح أحداً الحق في تجاوز الأنظمة أو الإساءة إلى الآخرين أو إثارة التعصب والعنصرية.


- هنا تحديداً تظهر هيبة النظام؛ عندما تقترن الشفافية بالمساءلة، وتطبق الإجراءات التأديبية على كل مخالف، دون النظر إلى اسمه أو مكانته أو النادي الذي ينتمي إليه.


- وعندما يشعر الجميع بأن النظام يطبق بعدالة ووضوح، وأن المعلومة متاحة في وقتها، وأن التجاوز تتم معالجته قبل أن يتحول إلى أزمة، فإننا سنصل إلى نتائج إيجابية تسهم بصورة حقيقية في الحد من التعصب الرياضي، ومحاصرة الشائعات والأخبار غير الموثوقة، ومنع إثارة النعرات والعنصرية.


- المطلوب إذن ليس قرارات صارمة تأتي بعد أن تتراكم المشكلات، وإنما منظومة متكاملة تبدأ بالشفافية، وتمر بالمسؤولية الإعلامية، وتنتهي بتطبيق النظام على الجميع.


- همسة أخيرة:


لا للانفلات الإعلامي، ولا لغياب الشفافية.. نعم لحرية الرأي المسؤولة، ونعم لتطبيق النظام على الجميع.