تتكرر مع إعلان نتائج اختبارات «نافس» الأسئلة ذاتها: من تقدّم؟ من تراجع؟ وما المدرسة التي حققت النسبة الأعلى؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها قد تقودنا بعيداً عن السؤال الأهم: هل استوعب الميدان التعليمي فعلاً فلسفة الاختبارات الوطنية، أم أننا ما زلنا نتعامل معها بعقلية الاختبار المدرسي الذي ينبغي أن نرفع نتيجته بأي طريقة؟


فلسفة «نافس» في جوهرها أبسط وأعمق من ذلك. نحن بحاجة إلى قياس وطني صادق يخبرنا أين يقف طلابنا فعلياً، ماذا تعلموا؟ وما المهارات التي أتقنوها؟ وأين تتسع فجوات التعلم؟ وأي المدارس تحتاج إلى تدخل؟ وأي الممارسات التعليمية أثبتت نجاحها ويمكن الاستفادة منها؟ لذلك فإن قيمة «نافس» ليست في الرقم الذي تحصل عليه المدرسة، وإنما في صدق هذا الرقم وقدرته على تشخيص الواقع.


المشكلة تبدأ حين يتحول القياس من «مرآة» نريد أن نرى فيها حقيقتنا إلى «صورة» نريد أن نظهر بها أمام الآخرين.


عندها تبدأ بعض الممارسات التي تفرغ الاختبار من فلسفته؛ استعداد استثنائي قبل الاختبار، تدريب مكثف على نمط الأسئلة، تعليق بعض الأنشطة، إعادة ترتيب الأولويات، وحشد المدرسة كلها لأسابيع من أجل «نافس». وقد تصل الرغبة في تحسين الصورة أحياناً إلى ممارسات لا تحسن التعلم بقدر ما تحسن النتيجة. وهنا نخدع أنفسنا قبل أن نخدع أداة القياس.


فإذا حصل الطالب على نتيجة مرتفعة لأنه تدرب على الاختبار، بينما لم تتحسن قدرته الحقيقية في القراءة أو الرياضيات أو العلوم، فما الذي كسبناه؟


وإذا ظهرت المدرسة في مستوى أعلى من واقعها، فكيف سنكتشف جوانب ضعفها؟ وكيف ستصل إليها خطط الدعم المناسبة؟ القياس الذي نجمّله بأيدينا يفقد أهم وظائفه: أن يقول لنا الحقيقة.


نحتاج إلى تغيير ثقافة التعامل مع الاختبارات الوطنية. المدرسة المتميزة ليست التي تبدأ الاستعداد لـ«نافس» قبل موعده بشهرين، وإنما التي تعمل منذ اليوم الأول على تعلم جيد، ومعلم فاعل، ومهارات راسخة، ثم يدخل طلابها الاختبار بصورة طبيعية؛ لأن ما سيقاس هو ما تعلموه طوال العام، لا ما حفظوه في الأسابيع الأخيرة.


كما أن انخفاض النتيجة لا ينبغي أن يكون مدعاة للخجل أو البحث عن مبررات، بل نقطة بداية للتحسين. فالرقم المنخفض الصادق أكثر قيمة تربوياً من رقم مرتفع صنعته ممارسات مؤقتة؛ لأن الأول يكشف المشكلة ويساعد على علاجها، بينما الثاني يخفيها ويؤجل مواجهتها.


ونتساءل: متى تتحسن ثقافة القياس لدينا؟


وتأتي الإجابة بسرعه: حين نتوقف عن سؤال المدرسة: «كم حققتِ في نافس؟» فقط، ونبدأ بسؤالها: «ماذا عرفتِ عن طلابك من نافس؟ وماذا فعلتِ بعد أن عرفتِ؟».


حينها فقط نكون قد انتقلنا من ثقافة تحسين نتيجة الاختبار إلى ثقافة تحسين التعلّم، وهذا هو التنافس الحقيقي الذي يستحق أن «نافس» من أجله.


وهنا تقع مسؤولية مهمة على وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب؛ فنجاح «نافس» لا يحتاج إلى أدوات قياس جيدة فقط، وإنما إلى خطاب اتصالي واضح ومطمئن يشرح للميدان فلسفته وحدود استخدام نتائجه.


يحتاج المعلم ومدير المدرسة والإدارة التعليمية إلى أن يسمعوا بوضوح أن «نافس» لم يُصمم للإضرار بأحد، ولا لمحاسبة فرد على نتيجة، ولا لتحويل القياس إلى مصدر قلق يهدد تقييماً أو مكانة كيان، وإنما هو أداة تشخيص وطنية غايتها أن نعرف الواقع كما هو كي نستطيع إصلاحه.


فحين يخشى الناس من نتيجة القياس، سيحاول بعضهم تجميلها، وحين يطمئنون إلى أن الغاية منها التحسين، سيكونون أكثر استعداداً لأن يمنحوها الحقيقة.


ولهذا ربما نحتاج إلى رسالة بسيطة تتكرر حتى تصبح ثقافة في الميدان: لا تخافوا من «نافس»، ولا تحاولوا أن تعطوه صورة أجمل من واقعكم؛ فهو لا يبحث عمن يعاقبه، وإنما عما يحتاج إلى إصلاح. اصدقوا معه ليصدق معكم. عندها فقط تصبح النتائج أكثر موثوقية، والتشخيص أكثر دقة، وقرارات التحسين أكثر عدلاً وفاعلية.