وأعني بـ«التشجير الحضري» ذلك النمط من التشجير الذي يتم من خلال زراعة النباتات (في الغالب أشجار أو شجيرات) في الحدائق، والمتنزهات، والأحياء، والطرق، والميادين، وساحات المباني، والأحزمة الخضراء حول المدن.


وقد تطرقت في مقال سابق نشر في «عكاظ» لأهمية التشجير الحضري ودوره الحيوي كأفضل الحلول وأقلها تكلفة لكبح جماح التطرف المناخي في المدن، وما يصاحبه من أضرار اقتصادية وبيئية وصحية وتنموية. فالتشجير الحضري أكبر من مجرد إضافة جمالية؛ بل هو استثمار إستراتيجي في التنمية المستدامة، والصحة، والتنوع الأحيائي، وجودة الحياة، كما أنه مكون أساسي من مكونات مبادرة السعودية الخضراء.


وباستثناء الرياض التي تنعم بمبادرة تشجير طموحة، وحدائق عملاقة، فإن أغلب مدن المملكة لا تزال بعيدة عن تحقيق مستهدفات التشجير الوطنية التي تتناسب مع نموها وتمددها وازدياد عدد سكانها وحاجتها للتخضير والأنسنة؛ فالخضرة غائبة أو تكاد عن المدارس والجامعات والمشافي والمساجد ومحطات الوقود والمستودعات وكافة المباني الحكومية والخاصة، كما تفتقر الأحياء والطرق إلى برامج تشجير ملائمة، وإن وجد التشجير فلا يخلو من الضعف والعشوائية من حيث اختيار الأنواع النباتية، وطرق زراعتها وصيانتها. ومما يزيد الطين بلة، إقدام بعض البلديات من حين لآخر على تجريف وإزالة أشجار ضخمة وارفة الظلال، لأسباب واهية، بالرغم من الحاجة الماسة لها.


إن برامج ومشاريع التشجير الحضري في مدن المملكة ليست حديثة عهد، فقد نفذ العديد منها قبل عدة عقود، إلا أنها لم تخل من عشوائية كان من أهم مظاهرها زراعة أنواع غير ملائمة ثم التخلص منها، أو إدخال أنواع غازية، أو التوسع في زراعة النخيل في مشاريع التشجير وهو ما كلف خزينة الدولة مبالغ طائلة.


ورغم وجود أدلة استرشادية للتشجير في بعض مناطق المملكة كدليل التشجير الحضري لبرنامج الرياض الخضراء، ودليل التشجير الحضري للمنطقة الشرقية (2024)، إلا أن الحاجة ماسة لإصدار كود للتشجير الحضري في المملكة ينقله إلى آفاق جديدة ليسهم في تحقيق مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء، ويضع له أطرا ومعايير محددة خصوصاً فيما يتعلق بالأنواع النباتية المستخدمة (محلية أم مدخلة مع إعطاء الأولوية للأنواع المحلية وتجنب الأنواع المدخلة ذات السلوك الغازي)، وكثافة التشجير والمسافة بين الأشجار (شخصياً اقترح تطبيق مفهوم شجرة كل 5 أمتار)، ومتطلبات التربة ومصادر وطرق الري، والصيانة والمتابعة، وتجنب الأضرار على البنية التحتية، ومعايير الظل وتقليل آثار الجزر الحرارية، وغير ذلك من المعايير.


إن وجود كود تشجير وطني إلزامي أو شبه إلزامي (مشابه لكود البناء السعودي) سيوحّد هذه المعايير على المستوى الوطني، ويوظف العلوم والتقنية، ويجعل التشجير جزءاً أساسياً من التنمية والتخطيط العمراني وأنسنة المدن، بدلاً من أن يبقى اجتهاداً محدوداً، أو دليلاً استرشادياً فقط.