كان يوم أمس سعودياً بامتياز على المستوى العالمي، بعد نشر خبر موافقة إدارة الرئيس ترمب على اتفاقية نووية مدنية مع المملكة، تتضمن بنداً استثنائياً يسمح بإمكانية تخصيب اليورانيوم داخل المملكة. حدث ذلك بعد أن استمر هذا الملف خاضعاً للمفاوضات فترة طويلة، ومصحوباً بالجدل داخل بعض أجنحة السياسة الأمريكية ودوائر اتخاذ القرار، بالإضافة إلى تحفظات مبالغ فيها استطاعت المملكة والإدارة الأمريكية الراهنة تجاوزها.

هذه الاتفاقية التأريخية لها دلالات عديدة في غاية الأهمية، فهي تجعل السعودية تدشن عصر الطاقة النووية بكل ما لها من نتائج إيجابية على إنتاج الطاقة وصناعة مواد وتقنيات متقدمة وأبحاث متطورة تلبي برامج الرؤية الوطنية 2030، وتمنحها تفوقاً نوعياً يخرج بها من عصر الطاقة التقليدية إلى منظومة الدول النووية.

وفي جانب آخر، تعطي هذه الاتفاقية مؤشراً على مقدار الثقة التي تحظى بها المملكة لدى الإدارة الأمريكية، عندما وافقت بشكل استثنائي على إمكانية تخصيب اليورانيوم، فهي تعرف أنها تتعامل مع دولة عاقلة رشيدة ومتزنة ليس لديها نوايا عدوانية وأجندات خفية تجعلها تستثمر تخصيب اليورانيوم لأغراض غير مدنية، مع أن لها الحق إذا اقتضت الظروف لاحقاً في تطوير سلاح نووي إذا لم يتم ضبط التسلح النووي في دول غير منضبطة، لا تحتكم إلى القوانين الدولية. وفي كل الأحوال للظروف أحكامها في المستقبل.

المملكة دولة بناء وتنمية، وقد قطعت مشواراً مهماً في امتلاك تقنيات حديثة تخدم برنامجها التنموي الضخم، مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ولكن توفير الطاقة النووية سوف يختصر كثيراً من الوقت لفتح مجالات جديدة، لأنه يمثل منظومة متكاملة متطورة لا تمتلكها إلا الدول التي تتوفر لديها القدرات البشرية المؤهلة والبنية التحتية المتطورة والأنظمة والقوانين التي تؤطر التعامل مع برنامج شديد الحساسية كالبرنامج النووي. إنه عصر الطاقة النووية السعودي.