في طريق السفر... مضيتُ أُطاول السماء بطرفي، أتأمَّلُها تأمُّلَ من يقرأ في كتابٍ مسطور، وأسائلُ نفسي: أيُّ سحر هذا الذي لو جُمِعَ لهذا الموقف لَفَضَّلَ ألا يكون؟ حتى إذا كان القلب في غفلته، هَزَّني رنين الهاتف هَزَّ الوَجْدِ، فإذا هو صديقي معاوية.


ومعاوية، يا إخوتي، رجلُ الصحافة، وقَّافٌ عند الكلمة، لكنه اليوم لم يقف. قال: ذكرتُك حين رأيتُ سعيدًا السريحيَّ في شاشة. فما كان من قلبي إلا أن تَقَلْقَلَ قَلَقَلَةَ مَنْ عَلِمَ قبل أن يُعلَم، وأحسَّ إعصارًا من الدمع يَحْصُر الأضلع، ويَزحَم النَّفَس. وإذ به ينعاه!


فقلت: وَيْلك يا معاوية! أهكذا يكون الصديقُ لصديقه؟ بلا مُقدِّمات، بلا تَلْمِيحٍ يُؤْذِنُ، بلا رحمة؟ سعيدٌ إلى رحمة الله.


كان سعيدٌ في بَدْء الأمر أستاذًا لأبي، في تلك الجامعة التي حَرَمَتْ أبا إقبالٍ شهادةَ الدكتوراه! وابأَسَا لتلك المرحلة! وأيُّ قَسوةٍ تَرُوقُ من القَدَر حين يَتبدَّد حُلُمُ العُمر بين يديك، لأنك اخترتَ أن تكون صادحًا بالحق، حارسًا لكلمتك!


ومن عَجائب الصُدَف، أن آخِرَ لقاءٍ عُقِد مع سعيد كان في رمضانَ الماضي، في شأن معركةٍ أدبيةٍ ما يزال غُبارها يَتَرَاجَى. ويا للقدر! لقد كنتُ أنا آخِرَ من جالسه على طاولة الحوار.


قدِمْتُ إلى منزله في جدَّة، تلك المدينة التي كانت أولَ أوراق تعبيره. استقبلني، وقدَّم إليَّ «الإسبريسو» بيدَيه، ثم ناولني السيجارة، إيذانًا ببدء حوارٍ طويلٍ يَسْبَح فيه في ملكوت الأدب، وفَلَك النقد. وأيُّ جمال يَغْمُر المرء حين يَراه على تلك السجية! كنا نَقِف بين الفَينة والفَينة، فيَشرب سيجارةً يَنْفُث فيها همَّه، ويُوصِّل عبر الكاميرا فَنَّه.


ثم مَشَيْنا في حديقة منزله الرائعة. وخُيِّل إليَّ أن سببًا من أسباب بَراعة نقده إنما هو نَقَاءُ حوّاء حديقته.


ودَّعْتُه بوداعِ الوامِق، وقبَّلْتُ رأسَه مرتين: مرةً لأنه أستاذُ والدي، ومرةً لأنه سعيد.


خرجتُ من الدار وقد وعدتُه بالعودة، لأرى مكتبتَه، فإنَّ لي شوقًا لا يَخْبُو إلى رؤية مكتبات الأدباء.


واليوم! وبعد أن رحل، لم يبقَ لي من تلك المواعيد غير أملِ اللقاءِ في أَحلام السماء وجنَّة الفردوس.


ويْلَ المسيرَة الأدبية! وويلًا للألم الذي يَنْهَش جسد الثقافة! فإنه حين رحل، تَساقَط رُكْنٌ ثقافيٌّ كان قد أَشْرَفَ على الانهدام، فَجاء سعيد فأعاده بناءً من جديد. لكنه نسيَ — ويا حسرةَ المفارق — أن يوصيَنا كيف نَبني من بعده! وما كان أقسى الوداعَ حين يكون بلا عودة.


برحيل سعيد السريحي، تَفْقِد الساحة الثقافية العربية صوتًا نقديًّا أصيلًا لم يَعْرِف المَداهنة، ومشروعًا فكريًّا ظلَّ وفيًّا لرهانه على العقل والاختلاف. لقد أمضى حياته خارج الأقواس، فكان جديرًا بأن يُكتَب اسمه في ذاكرة الثقافة العربية بحبر لا يَبْهَت، وبقلم لا يَنْكَسِر.


لقد كانت «حياة خارج الأقواس» دليلًا شاهدًا على حياةٍ مُتْرَعَةٍ بالفن والجمال، والألم والحسرة. لكنه، بكرمه الساحر، كان يستطيع أن يُحيل الصلصال تحفةً، والدمعة مِحْبَرة، والضَّحكة الخامِرة تاريخًا يُرْوى.


ويْكأنَّ الحسنَ التِّهامي كان يرى رحيل سعيد حين قال:


حُكْمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري


ما هَذِهِ الدُّنيا بِدارِ قَرارِ


بَيْنا يُرَى الإِنْسانُ فِيهَا مُخْبِراً


حَتَّى يُرَى خَبَراً مِنَ الأَخْبارِ