-A +A
محمد حسن مفتي
مؤشر هينلي Henley هو تصنيف عالمي حديث تم إطلاقه عام 2005 بهدف تصنيف دول العالم طبقاً لمدى قوة جوازات السفر التي يحملها مواطنو دول العالم، ويهتم هذا المؤشر بتصنيف وتحديد مدى الحرية التي يتمتع بها مواطنو دول العالم خلال تنقلهم من بلد لآخر، ويقدم المؤشر تصنيفاً دورياً لغالبية دول العالم، ويستند في نتائجه إلى البيانات الرسمية المستمدة من قاعدة البيانات العالمية المعنية بأنظمة التأشيرات، كما يعتمد في تصنيفه على عدد الدول والأقاليم التي يمكن لحامل جواز السفر زيارتها بدون تأشيرة، أو من خلال تأشيرة دخول إلكترونية عقب وصوله للبلد المحدد.

من الواضح بالطبع أن هذه التصنيفات وأمثالها بصفة عامة تعتبر بمثابة مؤشرات لقياس عوامل عديدة، وهذه العوامل تنعكس في عدة مظاهر، ومن أهم هذه المظاهر مدى تمتع الدول بصورة أساسية بالانفتاح والاستقرار السياسي والاقتصادي، ومدى اهتمام الحكومات برفاهية وأمن مواطنيها، ومدى سيادة القوانين وتمتع الدولة بالانضباط، وهو ما يجعل حاملي هذه الجوازات سائحين مرحب بهم في جميع دول العالم، وهو عادة ما يصاحبه ارتفاع في مستوى معيشتهم وحسن تصرفهم، وكل هذا يؤهلهم لأن يكونوا فئات مستهدفة لقطاع السياحة في الكثير من دول العالم.

وطبقاً لما ذكرناه آنفاً لن يكون من المستغرب بأي حال من الأحوال أن تحتل اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية الترتيب الأول في تصنيف هذا المؤشر، كما أنه من المتوقع تماماً أن تحتل كل من العراق وأفغانستان المركز الأخير في قائمة التصنيف الطويلة، ربما بسبب عدم تمتعهما بالاستقرار السياسي والأمني، كما أنه من الطبيعي أن تشغل الكثير من الدول الأوروبية المراكز العشرة الأولى من الترتيب، وأن تحصل الدول المعروفة بكثرة أزماتها وتفشي الفساد فيها ومعاناتها من الفقر والحروب والصراعات والنزاعات والتفلت الأمني والحروب الأهلية المراكز العشرة الأخيرة من القائمة أيضاً.

الترتيب الذي ذكرناه هو التصنيف العالمي لعام 2019، وبطبيعة الحال يتغير ترتيب الدول من عام لعام، غير أنه لا جدال في أن احتلال المراكز العشرة الأولى والأخيرة سيبقي بين مجموعتين من الدول ممن هم على طرفي نقيض على الدوام، فالتغير من مركز لمركز في بداية أو ذيل القائمة لا يدل على أكثر من مجرد تحول طفيف، غير أن الترتيب سيظل محتفظاً بقدرته على تجسيد الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تتميز بها الدول والتي تنعكس بداهة على مواطنيها، كما سيظل دالاً على مدى الترحيب (أو عدم الترحيب) الذي يُقابَل به مواطنو الدول المختلفة عند زيارتهم للدول الأخرى.

من الجدير بالذكر هنا أن ننوه عن مبدأ يستخدم عادة في هذا السياق وهو مبدأ «المعاملة بالمثل»، فهذا المبدأ لا ينطبق في كثير من الأحيان في الواقع العملي فيما يتعلق بجوازات السفر، فعلى سبيل المثال لو منحت دولة ما تعاني من صراعات وحروب حرية دخول أراضيها لمواطني دولة متقدمة، فهذا لا يعني أن تفعل الدولة المتقدمة المثل، فالولايات المتحدة على سبيل المثال لا تضطر لفتح أراضيها أمام مواطني كوريا الشمالية (التي تحتل المركز المائة في ذيل التصنيف) في الوقت الذي قد ترحب فيه الأخيرة بفعل ذلك، فالعلاقات بين الدولتين ليست متكافئة ولا متبادلة ولا متوازنة على النحو الذي يسمح بذلك أبداً.

تحتل المملكة مركزاً متوسطاً في القائمة المنشورة بالموقع الإلكتروني لمؤشر هينلي والتي تحوي تصنيفات لدول كثيرة حول العالم، وهو الترتيب الذي يعبر عن مرحلة التحول التي تخوضها المملكة بعمق، غير أن هذا الترتيب لا يعتبر متأخراً بمقاييس كثيرة، ولكن تستحق المملكة مرتبة أكثر تقدماً على هذا المؤشر، ولاسيما وأنها بدأت بالفعل في تدشين مرحلة انفتاح على العالم، وشرعت بصور جادة في فتح أبوابها أمام المستثمرين ورجال العلم والفن والثقافة من جميع أنحاء العالم، ونحن على يقين من أن ترتيب المملكة سيتغير خلال المرحلة المقبلة عندما تتجسد مخرجات تلك المرحلة على أرض الواقع.

القوة التي يتمتع بها جواز السفر هي القوة المعبرة عن مدى حضارة الدولة ومقدار تمتعها بالحرية، وهي جواز المرور لسائح يقدره العالم ويحترمه ويستهدف زيارته، والعكس صحيح بالطبع، ومؤشر ترتيب جوازات السفر ليس معنياً بقياس كفاءة الاقتصاديات الكبرى ولا مرتبطاً بحجم الموارد التي تمتلكها كل دولة، ولكنه يقيس بصورة رمزية مدى قدرة الدول على إدارة مواردها وتوظيف كافة كفاءاتها ومقدراتها وتحويلها لخطط ملموسة لرفع مستوى معيشية مواطنيها وتحقيق الاستقرار والرفاهية لهم، وقد مرت جميع الدول التي يحمل مواطنوها أفضل جوازات سفر على مستوى العالم -طبقاً لمؤشر هينلي- بتجارب تحول، خاضت خلالها مسيرة كفاح طويلة حتى وصلت للمرحلة المتقدمة التي تتمتع بها الآن، وبناء الأوطان لا يتم خلال يوم وليلة فحسب، بل يحتاج صبرا ودأبا ومثابرة، كما يحتاج لرؤية وقيادة وعزيمة وحسم، ونحن بحاجة لكلا الأمرين لنستكمل المسيرة التي بدأناها ولنحقق ما نطمح لتحقيقه على الدوام.

* كاتب سعودي

mohammed@dr-mufti.com