-A +A
عبداللطيف الضويحي
جيل يفقد ملامحه الجمالية وأجيال تتحول بهويتها الشكلية وقيمتها الجمالية إلى كائنات مستنسخ جمالها ومصبوب في قوالب جاهزة مسبقاً، أملاها تأثير حسناوات السينما والتلفزيون ومشاهير التواصل الاجتماعي من العرب والأجانب.

فهل من الضروري أن يكون الجمال حقيقياً؟ أم أنه لا يهم إن كان حقيقيا أو مصطنعا طالما أنه يبدو كذالك؟

من أبجديات فقه الجمال أن مقاييسه ومعاييره في وعي الشعوب وفي لاوعيها استنادا لثقافتها المحلية لكل شعب وحضارة على حدة أو أن يستند إلى الموضة العالمية، علماً بأن الكثير من الجدليات والسجالات دار رحاها وكانت على أشدها حول تأثير الموضة في ذوبان وانصهار القيمة المحلية لثقافة الجمال. لهذا كانت مسابقة ملكات الجمال تمثل تحدياً من قبل جمال الموضة ضد جمال الثقافات المحلية لكل شعب من الشعوب وعلى حسابه. فعلى سبيل المثال، يزخر الشعر العربي بمواصفات وجه المرأة (القمر) باستدارته، بينما مسابقات الجمال ينعدم فيها تماما (ذاوت الوجه المستدير).

يقول دكتور نايف النمير استشاري أمراض وجراحة الجلد التجميلية إن هناك ثلاثة عوامل يجب أن تؤخذ بالاعتبار عند إجراء عمليات التجميل وينصح بها جميع من يراجع عيادته في الرياض: المواصفات العالمية، الثقافة المحلية، والقابلية الشكلية للمريض والمواد المستخدمه للإجراء التجميلي.

لكن التجميل أصبح في الفترة الأخيرة تجارة بحتة في كثير من الحالات، إلى الدرجة أن مستشفيات في القطاع الخاص تتوسع في عيادات التجميل على حساب كل العيادات الأخرى، وإلى الدرجة التي أصبح معها بعض الأطباء غير المتخصصين بالتجميل ينخرطون في إجراء عمليات التجميل، بقليل من التدريب، وإلى الدرجة التي أصبحت معها بعض الأسر تخصص ميزانية معتبرة للتجميل.

ما هي الدوافع التي تقف وراء انتشار عمليات التجميل بهذه السرعة وبهذا الحجم؟

هل هو تدني مستوى الجمال بين من ينزعون لإجراء عمليات التجميل؟ أم هو تدني الثقة بالنفس وأمراض نفسية أخرى بينهم؟ أم هي المحاكاة والتقليد لكل ماهو جديد وغريب؟ أم هي شركات مستحضرات التجميل وتأثير الإعلانات في هذا الجانب؟

يتحدث مقال نشرته مجلة القافلة أن أكثر من 90% من الرجال والنساء لا ترى في نفسها جمالا عندما تنظر في المرآة.

بينما تعزو بعض الدراسات انتشار ظاهرة عمليات التجميل بين الجيلين الأخيرين من البنات وبعض الأولاد إلى الثورة التي تسببت بها الأجهزة الذكية وما أحدثته من تدشين واسع لثقافة الصورة. فالشخص الواحد يصور نفسه عشرات المرات في اليوم، ومع كل صورة يتحصل على العديد من الملاحظات حول الفكين والوجنتين والأنف والشفتين والأذنين والشعر والعيون وهكذا.

سؤالي بعد كل ذلك، إذا كان تغيير ملامح الشخص الواحد يعدُّ حقاً شخصياً من الناحية الجمالية، فهل تغيير الهوية الثقافية لملامح الشعوب يعد حقاً شخصياً لمن يجري العملية؟ وهل هناك نسبة مئوية يُمنع تجاوزها لأسباب تتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية من الناحية الشكلية لملايين البشر؟ وماذا عن التحوط الأمني ممن قد يتنكرون من المجرمين بعشرات العمليات الجراحية التي تغير ملامحهم 180 درجة؟ ثم ماذا عن المخاطر الصحية والتي قد تظهر بعد فترة من إجراء العملية؟

كل هذه الأسئلة تجعلني أتساءل عن جدوى إيجاد تشريع وربما تأسيس هيئة بمثابة مرجعية أخلاقية قانونية وثقافية وصحية تحتكم إليها عيادات وأطباء ومنصات التجميل.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org