-A +A
فؤاد مصطفى عزب
من يعرفني جيدا يعرف أنني كائن «بيتوتي»، وأنني أحب هذه البيتوتية، أكثر مما أحبت «الخنساء» شقيقها «صخر»، ولأن البيوت مثل حضن الأم، لا يمكن للإنسان أن يركن إليه للأبد، تنقلت منذ عودتي من «أمريكا» بين أبنية كثيرة، أمر بها أحيانا فأجدها شاخت بشكل يدعو للأسى، لكن تظل ذكراها حارة في مهب الغياب، أحيانا يتآكل الثابت مهما بلغ من سطوة الحضور، ظلت بيوتا مارست فيها «بيتوتي»، وحتى استقر بي المقام أن أعيش في شقة ابتعتها في مبنى مرتفع أمام البحر كالنهد العملاق في صدر الشاطئ، وصرت أنسى نفسي تماما في هذه الشقة، مثل من يحتاج إلى أن يصغي إلى نفسه ليعرفها أكثر، أستعيد في هذا الركن هسيس حياتي، وقد أمكث هناك أسبوعاً أو أكثر، أذهب بعدها أحياناً إلى مقر الشركة.

وبعد انقطاع طويل، عندما أدخل الشركة أشعر وكأنني كالزوج العائد من سفرية طويلة مع عشيقته، ورغم استمتاعه بالخيانة، إلا أن ضميره أثقل كاهله بمجموعة ضخمة من الشكوك تجاه زوجته، فأبدأ بأسئلة العاملين عن أشياء حدثت في غيابي، وفي النهاية ينقضي الاجتماع وشعور يسري في بدني، مصدره أولئك العاملون، مفاده عد إلى بيتك يا دكتور خير لنا ولك ! هذا وعندما كنت مشغولا بتقديم نفسي كقائد للمرافق الصحية، وهذا الأمر تطلب مني أن أستهلك أكثر من ربع قرن من حياتي غارقا، بين الكتب، والجامعات، والمراجع، والمستشفيات، والندوات، والسفريات، والتي عشقت من خلالها مدنا لم تحتملني، لا توجد مدن في العالم تتحمل خائنا لها ومدمنا لغيرها، فالمدن كالنساء، ولقد كنت مدمنا لمدينة «جدة» ولا زلت، وهجرت ما تعلمت إلى التمتع بما أحببت، وبعد أن وصلت لقناعة «أن المريض القديم أفهم بألف مرة من بعض الأطباء الجدد»، وأن بعض المرافق الصحية لا تبحث عن قادة بل أخوية وتابعين، وفضلت البقاء في البيت، عوضا عن الخروج حيث أجد راحتي وسعادتي، فأنا أعيش مع كائن أنثوي صوفي يشع بابتسامة فذة، قارئة نهمة مثقفة، تؤمن بحقي وحقها في أن نكون ما شئنا، غيرت نظرتي للحياة والناس، صديقين مختلفين في نظرتنا للأرض، وموقفنا من السماء، يجمعنا صدق كبير وحب، وشيء لا يمكن أن أسميه سوى ألفة مدهشة، طاقة من المحبة الروحية المستديمة، صنعنا أنا وهي على مدار أكثر من 40 عاماً، نوعاً من الرفقة الحميمية، مزيجا من الأمان والصداقة المذهلة، لم أرتكب يوماً معصية إيذاء مشاعرها، وهي ظلت الفاعل المجهول لكل نجاحاتي، وفي المقابل فإن كثيرا من الناس عكسي تماما، يفضل البقاء في الخارج عن البيت، لا سيما من رزقه الله بزوجة كما يقولون تنكد عليه عيشته، أو زوجة رزقها الله بزوج ينكد عليها عيشتها عندما يكون داخل البيت، فتتمنى أن يكون كل وقته خارج البيت، تبقي مملكتها لها بمفردها، سعيدة بصولجان حكمها من دون مشارك لها، وهناك فريق آخر يفضل البقاء في البيت ولكن في عزلة طوعية عن جميع أفراد العائلة، مع فريق من الآلات الصماء.

حيث يجد متعته والراحة التي ينشدها أكثر من وجوده مع بني البشر، فهذا الفريق حتى وإن كان موجوداً داخل البيت جسديا ولكنه غائب عنه روحيا، وهذا الشعور أتعرض له أحيانا عندما أكون مع بشر يدعونني ولا أشترك معهم في شيء، فتحتلني وحدة كثيفة، وكأنني بين طقوس عزاء ثقيل لا أعرف من هو الميت ولا أحد من معزيه، فأترك المكان وأعود إلى البيت، تبقى مسألة البقاء داخل البيت أفضل أم خارجه نسبية لدى البشر، فهناك من هو بعيد عن منزله آلاف الأميال لكن قلبه يعيش فوق سقفه، وفي المقابل هناك من لا يبرح بيته وموجود فيه ببدنه لكن ذهنه يبعد آلاف الأميال عنه، فيروز عندما غنت متألمة تتوسل رفيقها «خليك بالبيت... هلق جيت... راح كون وحيدي.. وحدي فالبيت.. الله يخليك... خليك بالبيت» أبكت العصافير في أعشاشها وهي تناشد رفيقها البقاء، وأقول لكم وبحروف مضغوطة أقضوا أطول الأوقات مع من تحبون.. خليكم بالبيت، فالبيوت مثل المدن إن ظننتموها مسالمة فهي كذلك، أو تصورتموها بلا روح فهي كذلك، تعطيكم ما تريدونها منها تماما.. مثل الحياة..!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com