-A +A
فؤاد مصطفى عزب
إنها الواحدة صباحا من عام مضى، ولكم أشتهي الكتابة أكثر من أي وقت مضى، مضى عام لم يكن عادلا معنا، رحل أحباب لنا ولم يكن رحيلهم عنا عدلا، رحلوا عنا إلينا، مضوا بريئين منا وكأننا لم نكن ضحايا حبهم في يوم، ذهبوا في صمت أبدي، ليتركوا باب الوجع موارباً لكل فرحة، كنت عاماً مشوهاً، أجندتك مشوهة، التواريخ مشوهة، والأرقام أيضاً، كل حلوياتك كانت تمتزج بعلقم تقبل الواقع، والواقع كان قصة هندية، عام مشوه كل يتاجر في الآخر، ارتفعت فيه السلع بشكل مخيف إلا العقل العربي تدنت قيمته، وجعلوه أرخص الأسعار، كنت عام الأكاذيب وسخافة الإعلام العربي، والقنوات المفضوحة، إلا من رحم ربي، كل يغني على ليلاه، وما للشعوب إلا نجوم الظهر، قنوات تعاملت مع متابعيها كدرويش تائه في الملكوت، يرقص مذيعوها حتى بدون ورقة توت، وفي مرحلة من المراحل، عصبوا الخصور والعيون والعقول، وكرروا الكثير من الأقوال المغايرة للمنطق والحقيقة، واستمروا في بيع اللامعقول، وسلّعوا الكثير من الأوهام من مطر والوعود من الضباب، اثنا عشر شهراً، كأنها ألف ليلة وليلة من الوهم والضياع، ككل تذاكر السفر التي تقطع على عجل إلى وجهات غريبة هرباً من شيء، هربنا منك أيها العام قسرا، فقد كانت أيامك قاسية، ونحن نودعك اليوم لا حسفا ولا أسفا، نستقبل عامنا الجديد، كالمطلقة بالثلاث، نحاول أن نبدأ حياة جديدة، كمن يتحتم عليه أن ينسف حياته القديمة نسفا، وينسى الماضي، ولكن كيف ننسى شهورك وأيامك ولياليك، لا أعلم كيف؟ ربما لأن كل شيء في الماضي يكتسب قيمة معينة، فيصبح معها التنازل عنها صعباً، تماماً مثلما تكون القيمة المادية لحجر قديم كنت سترمي الشيطان به ولكن ما كان معك من الحصى يكفي فاحتفظت به، سنحاول أن نخبئ ما مضى في ركن النسيان أو التناسي، لقد منحنا الله قدرة إكمال الطريق، لأن الله يريدنا أقوى، يريدنا أن نعيش، سنهرب منك ومن أيامك كنوتة موسيقية بصوت أم كلثوم حين تقول (أهرب من قلبي أروح على فين) وبصوت أيديل عندما تقول (I wish nothing but the best) وعبدالحليم حافظ حينما قال (أهواك... واتمنى لو أنساك) وكخيبة فيروز حين قالت (كيفك أنت.. قال ..عم يقولو صار عندك ولاد) وحينما قالت (أهواك بلا أمل)، كحمامة جمانة في (أحببتك أكثر مما ينبغي) فحبيبها كان غريبا، وكنت غريبا أيها العام، ولكنك مررت، كما قد مر أحد بالآخر قبل أن يلتقيه، كنت اتفاقية قدر، والتي نصت أن لا أحد يهرب من الأيام، وكلانا يعلم أننا لا نستطيع مخالفة القدر في اتفاقياته، فالقدر لا يمكن له أن يتغير، مهما حاولنا تمزيق أوراقه لا نقدر أن ننسى أيامك، ولكن سنهرب منك، من ذكرى قسوتك، وسنعيد ترتيب أيامنا المقبلة، وسنستقبل عامنا الجديد، بنكهة الاشتعال والشغف، فأيام الله واسعة، ممتلئة بالغيوم والمطر، والورود والشجر، وأصوات العصافير، ونشيد البلابل، أيام فيها الكثير من القهوة، والتبغ المعطر، والكثير من الحب، والكثير من الأصدقاء، والكتب، من قال إن الأيام تحسب بأعدادها؟ من قال إن الأعمار تحسب بالسنين؟ أولئك الذين اخترعوا التوقيت والساعات، لم يكن بمقدورهم أن يتخيلوا عجزهم من وضع مقياس تكتيكي لمرور الساعات علينا! ليست كل دقيقه دقيقة، ولا كل ساعة.. ساعة، التوقيت دوماً رهن لمزاجنا، فعدلوا مزاجكم بالنسيان! ودعوا الأيام المقبلة تتسلل إلى أعماق أرواحكم كدالية عنب كبيرة في حديقة من نور، كل عام وأنتم بخير!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com