قبل أكثر من عام دار في الأوساط الاقتصادية «رفيعة الشأن»- حيث يتم تداول الأفكار قبل أن تتحول لأنظمة اقتصادية - حديث جاد عن إمكانية طرح إعانة مالية ذكية، توجه للطبقات الأكثر تضررا من تحرير الأسعار وإعادة هيكلة الاقتصاد.
وقتها كانت أسعار البترول تنحدر سريعا، ومصاريف استثنائية تدهم خزينة الدولة، من ضمنها التزامات مستمرة في الحرب على الإرهاب، ومواجهة الخطر الإيراني في سورية واليمن، لقد بدأنا نستيقظ كل صباح على تآكل دخلنا، وأننا ما زلنا نعيش كالأغنياء.
لقد كان صاحب القرار متوجسا من تضرر طبقات واسعة من الموظفين والأسر متوسطة الموارد، جراء ارتفاع أسعار الخدمات وانخفاض المداخيل، فكان لا بد من إجراء موازٍ، يستعيد لهم توازنهم الذي سيفقدونه لا محالة من جراء «شد الحزام»، ويستبق تقليم أصابع التضخم في الموازنة العامة.
خصوصا أن المؤسسات الاقتصادية كانت مضطرة لإجراء إصلاحات عميقة في طريقها للتحول لاقتصاد حقيقي، يخرج من احتباسه لسنين طويلة، داخل أسوار اقتصاد عفوي ريعي لم يعد مجديا البقاء داخله.
مع التأكيد على أن إلغاء أو تخفيض الدعم الحكومي للأسعار والخدمات، وتطبيق الرسوم أو الضرائب، هو إجراء اقتصادي حتمي سيأتي اليوم أو غدا، صحيح أن كثيرا من الاقتصادات تهرب منه أو تتردد في اتخاذه، إلا أنه يصبح لزاما مع انخفاض الدخل وارتفاع حجم المصروفات.
قبل شرح الفكرة لا بد من تعريف المعونة حسب المراجع الاقتصادية التي تقول: إن الإعانات الاجتماعية، هي مدفوعات من جانب الحكومة تبعاً لنظام التكافل الاجتماعي، تدفع لمساعدة أصحاب الدخول المنخفضة أو أصحاب الظروف الخاصة، والذين يجب الاهتمام بهم ومعالجة مشكلاتهم.
إذن مشروع الإعانة المالية محل الدراسة يقول:
إنه في حال تطبيق تحرير أسعار الخدمات ولو جزئيا، وتخفيض المعونة الموجهة للمواد الضرورية الأكثر شعبية، كالرز والدقيق والزيت والحليب والدواء، ورفع أسعار الطاقة والوقود، سيزيح عبئا هائلا على خزينة الدولة قدره 300 مليار ريال، تقدم خارج الموازنة المعروفة، مساهمة من الدولة في تخفيف تكاليف الحياة على الناس.
من الضروري استبدال «دعم الأسعار»، بضخ إعانة مالية شهرية مباشرة، تتراوح بين 1500 – 1800 ريال، تذهب لحساب متوسطي الدخل والفقراء الذين قدر دخلهم تحت ثمانية آلاف شهريا، ويتحمل المستفيد توجيهها وإدارتها لسداد الفواتير وتخفيف أسعار المواد الضرورية عليه وعلى أسرته.
تأتي أهمية المعونة الذكية، من كونها الحل الوحيد لتعويض الأسر، عن الأسعار المنخفضة للخدمات والمواد الغذائية والدواء، التي سيفقدونها لا محالة نتيجة تحرير الأسعار.
السعودية لن تكون الأولى في تقديم تلك المعونة لو طبقت، فكثير من الدول تبتكر أفكارا تناسب حاجاتها لتخفيف أعباء الحياة عن شعوبها.
وفي لمحة سريعة على بعض مشاريع الإعانة حول العالم، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، تقدم للأسر المتضررة كوبونات شهرية لمواد غذائية ذات أسعار منخفضة أو مجانية، وفي بريطانيا وهي دولة رائدة في هذا المجال، تقدم إعانات لرعاية الأطفال، إعانات سكن للفقراء، وإعانة للمشردين.. إلخ، يضاف إلى ذلك دول أنشأت جمعيات استهلاكية، تباع فيها مواد غذائية بأسعار رمزية، تستطيع الأسر الشراء منها مباشرة.
بالتأكيد هناك نتائج غير مباشرة لخريطة الطريق الاقتصادية التي بدئ في تنفيذها فعليا، أولها أنه سيتم التفريق بين متواضعي الموارد، ويسكنون في منازل صغيرة، ويستخدمون سيارات رخيصة، وأصحاب الملايين، ممن يسكنون القصور ويستخدمون عشرات السيارات الثمينة.
يبدو أنه أصبح من الضروري، في مثل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، توجيه معونة مالية ذكية تذهب للفقراء فقط، ويمكن تمويلها من خلال فرض نظام ضريبي حقيقي، يستقطع ليس لتمويل الخزينة العامة، بل لتمويل برامج اجتماعية تساهم في إبقاء الناس فوق خط الحياة.


