كان معروفاً أن هناك أشخاصاً سامّين لكن أثرهم السام كان محدوداً بتحويل حياة كل من يتعامل معهم إلى جحيم، وصدف أن وصل أشخاص سامّون للمناصب العليا.

لكن الإنترنت ومواقع التواصل منحت الأشخاص العاديين السامين القدرة على نفث سمومهم لتفسد الثقافة العامة، وأثرهم لم يعد يتوقف على تسميم الثقافات العامة إنما وصل إلى أن السمّية ذاتها صارت ثقافة عامة قائمة بحد ذاتها، والسمّية والسموم على أنواعها يتم نشرها غالبا ملبسة بلباس مثاليات رائجة، ومن يتجنّب الانخراط بثقافة السمية أو يعارضها يتم وصمه بكل نوع وصمة تدينه بمحيطه العام، وهذا أدى إلى نتائج كارثية على أرض الواقع تتضمّن جرائم للذكورية السامة ضد النساء، وجرائم عنصرية، والتكفير والإرهاب، ولا حاجة للتعريفات المعقدة لماهية السمّية الثقافية والأخلاقية والسلوكية، فهي ببساطة كل الأنماط الضارة والمؤذية مادية ومعنوية بحق الآخرين، مع كونها تتضمن عنصري الخبث والمكر بإيقاع الضرر والأذية، وهذا يمثل أبشع نكوص عن ثقافة التحضر والإنسانية والسلوك الأرستقراطي والتقدمية والتنوير والعقلانية العلمية والإيجابية التي سادت العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، وبات خطاب السمّية رائجا لدرجة أن حتى الأشخاص الذين بالواقع ليست لهم توجهات سامة لكن من باب الانتهازية بات كل محتواهم بمواقع التواصل هو نشر السمّية؛ لأنهم يجدون مكافأة عليه من المتابعين، ومكاسب مالية من مواقع التواصل، وكشفت تحقيقات أمريكية أن جهات روسية تورطت في نشر ثقافة السمّية السياسية في أمريكا التي أدّت لأعمال عنف وإرهاب واعتبرت من قبيل التلاعب بنزاهة الانتخابات، وبات كثير من المختصين النفسيين يحذرون من الأثر النفسي الخطير للتعرض لثقافة السمّية هذه بشكل مستمر، وكثير من المشاهير ألغوا حساباتهم بمواقع التواصل؛ لأنهم لم يعودوا قادرين على احتمال درجة السمّية فيها، وبعض المشاهير والمؤثرين انتحروا بسبب السمّية الموجهة إليهم عبر مواقع التواصل، بينما من مؤشرات سعادة الشعوب وجودة الحياة العامة أن يكون السائد في الشعب هو حس الثقة الجماعية والتضامن والتعاون والتعاطف الجماعي، وثقافة السمّية تقوّض مؤشرات سعادة الشعب المعنوية، وكثيرون حرفياً تدمّرت حياتهم بسبب السمّية التي وجهت إليهم عبر مواقع التواصل، فما فائدة تدريس مهارات التواصل والتفكير النقدي والمواد الدينية عن الأخلاق الحميدة إن كان على محك الامتحان بأرض الواقع تبيّن أن تطبيقها يساوي صفراً، وبعض الشعوب شوهوا سمعة بلادهم ونفروا عنها السيّاح بسمّيتهم في مواقع التواصل، وللأسف هناك غياب كامل لتأثير من يفترض أن يشكّلوا الريادة القيادية الإيجابية بالثقافة العامة، بل وللأسف إن أبرز من يتزعمون تيار الذكورية السامة المحقرة للنساء والمعادية لهن والمحرضة عليهن بمواقع التواصل لهم مناصب أكاديمية وحتى طبية، وبدل أن ينشغلوا ببث الوعي والتثقيف العلمي والأخلاقي انخرطوا بشكل كامل بنشر السمّية ضد النساء التي لها أثر خطير على أرض الواقع حتى في أكثر دول العالم انفتاحاً كبريطانيا، ولذا صنّفت بريطانيا خطاب السمّية الذكورية من ضمن جرائم الإرهاب وعليه عقوبة الخطاب الإرهابي؛ لأنه تبيّن أنه أدى لزيادة الجرائم ضد الإناث، ماذا لو السائد كان نشر ثقافة الطيبة والإيجابية والخيرية والحقائق، بدل السمّية والسلبية ونظريات المؤامرة؟ أما كان العالم سيصبح أفضل؟ وسلوك الناس ومعاملتهم أفضل؟ وصدق من قال «إن مَثل من ينشر السلبية ضد غيره هو كمثل من يشرب السم على أمل أن عدوه سيموت به، فالشخص السام يدمر روحه وقلبه وأخلاقه وخيريته وآخرته ويجعل نفسه أشبه بشيطان بشري كل مسعاه هو الإضرار بالآخرين».