مَن يتعامل مع وزارة العدل اليوم يلمس التطوير على شاشة هاتفه، فالخدمة باتت أقرب، والإجراءات أيسر من حيث الوصول، مما وفر نسبة معتبرة من وقت الفصل في النزاعات. وهذا بحد ذاته إنجاز يستحق الاعتزاز؛ لأن وراء كل إجراء إنسانًا يريد أن يقضي حاجته ويعود إلى حياته. لكن جانبًا مهمًا من التطوير يجري بعيدًا عن الشاشة، داخل ملف القضية، في دراستها ومراجعتها والعناية بأسباب الحكم. وحين يسير العمل في الاتجاهين معًا، يشعر المتقاضي أن العناية تشمل وقته وحقه.
وهذا ما استوقفني في التأكيد الأخير على دور المحكمة العليا في استقرار المبادئ القضائية وجودة الأحكام وتسبيبها. ففي وزارة قطعت شوطًا واسعًا في التحول الرقمي، يكشف هذا الاهتمام اتساع الطموح: أن تتقدم سهولة الوصول إلى القضاء، ويتقدم معها إتقان العمل الذي ينتظر الناس نتيجته. ولعلنا ندرك قيمة اجتماع المسارين أكثر حين نتأمل ما تغير في تجربة المستفيد.
فقد أصبحنا نستخدم خدمات «ناجز»، وننجز كثيرًا من شؤوننا العدلية عن بُعد، ثم نعود إلى أعمالنا كأن هذه السهولة كانت معنا دائمًا. وربما كانت هذه إحدى علامات نجاح الخدمة: أن تصبح جزءًا طبيعيًا من يوم الناس، حتى ينسوا ما كانت تتطلبه من وقت وجهد. لكن وراء كل زيارة استُغني عنها مشقة رُفعت، ووراء كل إجراء اختُصر ساعات عادت إلى أصحابها.
وتبدو قيمة هذه الساعات أوضح عند كبير السن، والموظف الذي يصعب عليه مغادرة عمله، والمستفيد البعيد عن مقر المحكمة. فهؤلاء يلمسون معنى التطوير حين يقضون حاجتهم دون سفر، أو يتابعون طلبًا دون مراجعات متكررة. ومن هذه التفاصيل يصل أثر الخدمة إلى جودة الحياة؛ إلى راحة إنسان، ووقت يحفظه لأسرته وعمله، وحق يستطيع المطالبة به بيسر.
ولهذا يصعب وصف تطوير الإجراءات بأنه جانب شكلي فحسب. فالخدمة الواضحة والميسرة ركيزة في بناء قضاء يواكب تغير المجتمع واحتياجاته. وكلما نجحت التقنية في تخفيف العبء عن الناس، ازدادت قيمة العناية بما ينتظرونه في نهاية الطريق: حكم يقوم على دراسة دقيقة، وأسباب واضحة، وتطبيق سليم.
فصاحب القضية يريد أن يشعر بأن ما قدّمه قد قُرئ وفُهم، وأن أسباب الحكم تناولت ما أثاره من دفوع، وأجابت عمّا يحمله من أسئلة. يريد أن يفهم كيف انتهت المحكمة إلى نتيجتها. وقد لا يوافقه الحكم في طلبه، لكن وضوح أسبابه يتيح له فهم موقفه، وتقدير ما إذا كان لاعتراضه أساس. وفي ذلك احترام لعقل المتقاضي، وتعزيز لثقته بأن قضيته أخذت حقها من النظر.
وتتجاوز أهمية التسبيب حدود القضية الواحدة. فحين تتضح المبادئ ويستقر تطبيقها، يستطيع الناس فهم ما لهم وما عليهم، ويجد المحامي أساسًا أوضح لنصيحته، ويصبح قرار المطالبة أو التسوية أقرب إلى التقدير الواعي. وهذه ثمرة تمسّ حياة الأفراد وأعمال المنشآت؛ فالوضوح يساعد على حفظ الحقوق قبل النزاع، كما يساعد على الفصل فيها إذا وقع.
ومن هنا نفهم أهمية المكاتب الفنية، ودعم الدوائر بالدراسات القانونية، وتهيئة القضايا. فخلف الحكم عمل قد لا يراه المستفيد، لكنه يلمس أثره في تناول الوقائع وفحص الأدلة ووضوح الأسباب. وهذه العناية بما وراء النتيجة تعين القاضي على مسؤوليته، وتكشف أن التطوير يمتد إلى تفاصيل العمل، حيث تُبنى الجودة خطوة بعد أخرى.
ويمتد هذا الاستعداد إلى الأدوات التي ستؤثر في مستقبل العمل نفسه. ففي مسيرة الجهات الحكومية نحو تحسين حياة الناس، بدعم خادم الحرمين الشريفين وولي العهد، وجّهت الوزارة منذ عام ٢٠٢١ بإنشاء وحدة للذكاء الاصطناعي لتحسين تجربة المستفيدين ودعم الفرق وضبط جودة الخدمات. واليوم، مع التأكيد على التطبيقات المعتمدة في الدراسات والمراجعة الفنية، تظهر صلة هذا الاستعداد بالعناية بملف القضية.
واللافت هنا أن الوزارة جمعت بين ما يقتضيه العمل القضائي من تروٍّ وتثبت، وما يتطلبه استشراف المستقبل من مبادرة واستعداد. فقيمة الأدوات الجديدة تتضح بقدر ما تعين على البحث والتدقيق، وتمنح العمل مزيدًا من الدقة. وحين يصل أثرها إلى الخدمة والقضية معًا، تصبح التقنية جزءًا من العناية بالإنسان الذي ينتظر خلف الطلب.
وحين تجتمع سهولة الإجراء مع جودة الحكم، تتسع دائرة الثقة. يطمئن الفرد إلى أن المطالبة بحقه ميسرة، ويجد المستثمر قواعد أوضح يبني عليها قراره، وتستند المنشآت والجهات إلى قضاء يعزز استقرار معاملاتها. فالعناية بالحكم يمتد أثرها إلى عقد يُبرم، ومشروع يبدأ، وعلاقة تستمر لأن أطرافها يعرفون أن حقوقهم تجد الحماية.
وأمام هذا العمل، أميل دائمًا إلى أن يُنسب الإنجاز إلى المؤسسة، بما فيها من كفاءات وجهود متراكمة. ومع ذلك، فإن تسارع التطوير في وزارة العدل، واستعدادها للمستقبل، والعناية بالخدمة وجودة القضاء معًا، تستحق تقديرًا خاصًا لوزيرها الدكتور وليد الصمعاني. فمن الإنصاف أن نشكر مَن يقود هذا الطموح، ويسهم به في تعزيز مكانة قضاء سعودي ظل شامخًا، وفي تهيئته لتطلعات الوطن.
وستبقى قيمة ذلك كله في تجربة الإنسان الذي جاءت هذه الجهود لخدمته. سيغلق المستفيد شاشة هاتفه، ويعود إلى يومه، لكنه سيتذكر وقتًا حُفظ، ومشقة زالت، وقضية أخذت حقها من النظر. وحين يجتمع له ذلك، تصبح الثقة بالقضاء شعورًا يعرفه من تجربته، ويحدّث به غيره. وهنا يكتمل معنى التطوير: عناية بوقت الإنسان في طريقه إلى القضاء، وعناية بحقّه حين يقف بين يديه.


