تقترب نافذة الانتخابات النصفية من الانتهاء، وبغض النظر عن نتائج فوز الديموقراطيين في أحد المجالس أو كليهما، إلا أن ما بعد الانتخابات من مسار الاتفاق بين أمريكا وإيران أو التصعيد بين الطرفين يسيران بمسار حثيث لدرجة يصعب معها ترجيح سيناريو على الآخر.

نقطة الخلاف الرئيسية بين الطرفين هي أولوية نقاش الموضوع النووي، فالأمريكان وحسب رسالة نائب الرئيس دي فانس يريدون النووي موضوعاً أولياً في طاولة المفاوضات، وإيران تريد ما اخترعته من عُقد بعد نشوب الحرب وعلى رأسها مضيق هرمز، ومنحها بعض الأكسجين الاقتصادي عبر السماح لها بالوصول لأموالها المجمّدة واستعادة تصدير نفطها، على أن يكون النووي موضوعاً تضعه في البراد وتقتله بشياطين التفاصيل كما هو معتاد من المفاوضين الإيرانيين.

إيران قد تستطيع أن تصمد عسكرياً أمام ضربة أمريكية إسرائيلية، عبر ما تمتلكه من منصات إطلاق مدفونة تحت الأرض، ومخازن ما زال بها الكثير من الصواريخ والدرونز، دون التقليل من خسارتها الكثير من ما يصعب استبداله آنياً، من الدفاعات الجوية والرادارات التي كانت ترصد السفن التي تمر من هرمز ودمّرتها الضربات الأمريكية، مما حدا بالحرس الثوري للالتفاف حول ذلك بقوارب الصيادين.

السيناريو العسكري مبني على بنك أهداف من الطرفين على قاعدة جز العشب، فبالنسبة للأمريكان يعني ذلك مزيداً من الضربات للمواقع النووية الإيرانية، وضرب محطات الكهرباء وهذا الأمر لا يؤثر على الحياة فقط، بل يتجاوز ذلك للإضرار بفرص تطوير وتشغيل المسيّرات، وإذا ما تجاوزت الضربة ذلك إلى مصافي النفط، فكل ذلك يرفع فاتورة عودة إيران إلى مستويات إنتاج ما قبل الحرب، وقد يؤثر على وفرة البنزين داخلياً حيث تظل السيارات وسيلة نقل رئيسية.

كلما كانت أرباح الديموقراطيين أكبر في الانتخابات زادت رجاحة سيناريو الضربة، مضافاً إليها نتائج الانتخابات الإسرائيلية والتي خسر فيها تحالف نتنياهو 15 مقعداً، وأصبح عاجزاً عن تشكيل حكومة مع حلفائه من اليمين المتطرف، وبالتالي الضربة العسكرية قد تمهّد لحكومة وحدة وطنية مع اليسار.

بالنسبة للإيرانيين سيناريو جز العشب يعني ضرب المزيد من القواعد والمصالح الأمريكية لأن هدف النظام منذ عمليات بيروت ضد المارينز الأمريكان والقوات الفرنسية، هو إخراج الأمريكان والغرب عموماً من المنطقة، وهذا ما شاهدناه كإستراتيجية في سوريا والعراق وغيرهما كجهد مباشر وغير مباشر.

لكن بالتأكيد أن صمود إيران العسكري لا يعني قدرتها على الصمود الاقتصادي، وحتى تجارب إيران من الصمود سابقاً لا تشابه الوضع اليوم، ففي الفترة من 2018-2020 صمدت إيران رغم حملة الضغوط القصوى رغم انكماش اقتصادها بـ 12% لفارق بنيوي رئيسي، وهو أنها خلال تلك الفترة كانت تصدّر نفطها للصين عبر أسطول الظل، وبالتالي اليوم التحدي لطهران ليس محصوراً بالعقوبات، بل بالحصار الذي يمنعها من تصدير نفطها أو استيراد البضائع، والرهان على البدائل البرية لا يمكنه تعويض هرمز، ويرفع من كُلف الصادرات والواردات.

ولأن الضغط الاقتصادي أصبح خانقاً جداً للشعب، شاهدنا كيف تبدو يد النظام مرتخية مع ملفات كالحجاب والاحتفال بالهالويين، لمحاوله السماح للشعب الإيراني بالتنفيس، وكلما خرج الموظفون للاحتجاج حول ملفات اقتصادية صَعُب قمعهم، كما شهدنا احتجاجات متقاعدي الاتصالات في 26 أكتوبر في سبع مدن على الأقل، حيث لم يتقاضَ عمال في طهران رواتب لثلاثة أشهر؛ وكذلك احتجاج في زاهدان على تعليق مخصصات الكيروسين قبيل الشتاء.

وإذا غلبت طهران السيناريو الأخطر، وهو ما ذكره مستشار قائد الحرس الثوري محمد رضا نقدي حيث قال إن طهران قد تطيل الحرب عمداً حتى يغادر ترمب لإنهاك خصومها وردع هجمات مستقبلية، فهذه مخاطرة مزدوجة، فأولاً يعني ذلك التضحية بحوالي 3 مليارات دولار شهرياً من صادرات النفط قبل الحرب، كما أن المستقبل بعد ترمب غير محسوم، ولعل في فترة بايدن أكبر دليل على أن قدوم رئيس ديموقراطي لا يعني الوصول لاتفاق في اليوم التالي.

السؤال يبقى حول الخروج من وهم «أستطيع الصبر أكثر من الطرف الثاني والذي لن يتحمّل أسعار نفط تتجاوز المئة دولار»، إلى واقعية تجنّب تضييع الفرص على قاعدة حماس، مع اختلاف أوراق التفاوض حيث لم تمتلك الحركة إلا ورقة الأسرى، لكنها ظلت تضيع فرص الاتفاق تلو الاتفاق، حتى خسرت المزيد والمزيد من القيادات والخسائر المادية والبشرية وسمحت لإسرائيل بقضم المزيد من أراضي القطاع.

بنود الاتفاق المقبول للطرفين أمر رئيسي في المفاوضات، والجولات المكوكية التي تقوم بها قطر وبجهود من باكستان، لكن أيضاً توقيت الاتفاق أمر يجب أن لا ينظر له بتهاون.